زيجات عابـرة للحدُود قوانين الهجرة غير المرنة تُـعـقّــد إجراءات الزواج المختلط

ميّا هيجيا، المواطنة الصينية المتزوّجة من السويسري روبارت، قبل انتقالها للعيش بمدينة برن

رجل سويسري يعثر على "فتاة أحلامه" خلال قضائه لعطلته السنوية في احدى البلدان الآسيوية. فما هي الخطوة التالية التي تنتظر هذا الثنائي السعيد؟

الخيارات واضحة نوعا ما، لكنهّا بحسب الكثير من الأزواج والمستشارين، تظل محدودة وتفتقر إلى المرونة على نحو متزايد، إذا كانا يريدان فعلا العيش معا في سويسرا.

هناك مثلا، مايّا هيجيا التي لم تعرف بلدا آخر غير الصين، قبل أن تطأ قدماها مطار زيورخ رفقة زوجها السويسري، التي تعرفت إليه حديثا لتبدأ حياة جديدة في برن. وتقول بطلاقة وبثقة متزايدة في قدراتها على إتقان اللغة الألمانية، إنها لا تخامرها أي توقعات لما ستكون عليه حياتها في المستقبل بسويسرا، ولكنها ترى أنها أفضل مكان لتنشئة أبنائها في المستقبل.

وهناك أيضا، هذه الأوكرانية، ذات النطاق الطويل وصاحبة الملابس العصرية الأنيقة بدورها.. كلّ ما يشغل بالها السعي بشق الأنفس للحصول على تأشيرة دخول لسويسرا استعدادا للزواج، ما يعطيها انطباعا، ولو محدودا، حول الحياة بسويسرا قبل أن تعقد قرانها. لقد اقترح عليها زوجها ذلك قبل أقلّ من سنة، ويبدو أن الأمور سارت بسرعة بالنسبة لها، ربما "أسرع من اللازم"، حسب رأيها. 

أما غودرون لانغ، فهي تعمل في منظمة Fabrina المتخصصة في تقديم المشورة للأزواج المنتمين لبلدان مختلفة، والذين يمثلون في العشرين سنة الأخيرة ما يقارب من نصف الزيجات في سويسرا (بحسب نماذج إحصائية محددة).

هذه المنظمة توفّــر الدعم والمساعدة أيضا للنساء، وترى لانغ أن العديد من الأجنبيات برفقة أزواجهن أو بدونهم، يحاولن شقّ طريقهن داخل المجتمع السويسري كقادمات جدد. ولفترة طويلة، أظهرت الإحصائيات أن الرجال السويسريين يتزوّجون أجنبيات أكثر من تزوّج السويسريات للرجال الأجانب، وهي ظاهرة ليس للانغ أي تفسير لها (أنظر المعلومات المرافقة على اليسار).

في الآونة الاخيرة، لاحظت لانغ كذلك تراجع المرونة من طرف المسؤولين عن الهجرة، مما جعل عملها أكثر صعوبة، لأن الكثير من الأزواج "يشعرون بالحاجة للتعرّف أفضل إلى بعضهم البعض قبل الإقدام على الزواج رسميا". وتضيف: "أشعر شخصيا بأن السياسات الجديدة في ميدان الهجرة تحدّ من نطاق تحركي، لأن كل الإهتمام بات ينصبّ على ما هو غير مسموح به وما لا يجب أن يحدث. أرغب في أن أكون قادرة على القول لزوجيْن: إستدعي شريكك الاجنبي إلى هنا أوّلا وأنظر كيف هو، بدلا من الإقدام على الزواج من شخص لا أحد يعلم إن كان سيُكتب له القدوم إلى سويسرا أم لا".

في المقابل، كان من حسن حظ أنطونيا فراي من رومانيا، أن زارت البلاد عدة مرات قبل أن تتزوّج رجلا سويسريا وتستقرّ هنا، وهي تجربة قالت إنها "تقدّرها عاليا". وتضيف: "لقد كنت محظوظة، إذ كنت قادرة على اكتشاف هذا البلد تدريجيا، ثم جاء القرار لاحقا بالإنتقال للعيش هنا إلى أجل غير مُسمّى". 

الزواج المختلط قلبُها "ماوري".. وحبُّها "سويسري"

سلطت دراسة جديدة الضوء على العدد المتزايد للزيجات المختلطة في الكنفدرالية، ومن بينها حالة مواطنة من نيوزيلندا متزوجة من سويسري من المناطق المتحدثة ...

محنة الحصول على رخص الإقامة

السيدة فراي كانت قادرة على الإستفادة من وجود رومانيا ضمن الإتحاد الأوروبي ومن الإتفاقيات الثنائية بين سويسرا والإتحاد بشأن "حرية تنقّل الأشخاص"، التي تسمح لها بالقدوم إلى سويسرا لمدة ثلاثة أشهر في المرة الواحدة، مستفيدة من تأشيرة سياحية تُـمنح لرعايا الإتحاد بشكل تلقائي. في المقابل، يُجبر رعايا البلدان الأخرى، التي لا تشملها تلك الإتفاقيات، على طلب تأشيرة دخول من أقرب سفارة أو قنصلية سويسرية من مقر إقامتهم.  

رجل القانون روجي غرونر، الذي يعمل وكيلا عن العشرات من الأزواج متعددي الثقافات خلال العام الواحد، قال إنه يشاطر لانغ ملاحظتها في القول بأن "نظام الهجرة خلال السنوات الأخيرة أصبح أقلّ مرونة"، غير أن مارتين نيفينيغّر، الموظّف السامي بالمكتب الفدرالي للهجرة، يشير إلى أنه لابد أن تكون هناك أدلّة على وجود علاقة وطيدة ومتبادلة لتجنّب إساءة إستخدام هذا النظام، كالأجانب الذين يدَّعون أنهم يرغبون في قضاء عطلة مع سويسري فقط للحصول على تأشيرة دخول إلى البلاد، وعلى سبيل المثال، تقدّر السلطات السويسرية عدد عمليات الطلاق بين أزواج من جنسيات مختلفة ما بين 500 و3.500 في السنة، لأن الزيجات منذ البداية "لم تكن عملية جادة"، حسب رأيها.

ووفقا للمكتب الفدرالي للهجرة، يظل من الصعب جمع الإحصاءات الوطنية بشأن ترتيبات هذا النوع من الزواج إذا اعتمدنا على حجج ظرفية مثل الفارق الكبير في العمر بين الزوجيْن حتى يمكنهما بناء حياة مشتركة. ويضيف نيفنيغّار: "إذا كانت هناك فعلا علاقات جادة، عندئذ يمكننا أن نفحصها للتأكد من أي نوع هي. إذا كانت هذه العلاقة تمتد لعدة سنوات، في هذه الحالة نعطي الضوء الأخضر لمنح التأشيرة. كذلك نحاول التأكّد من أن الأجنبي الذي يقدُم من ثقافة ومن عالم آخر على دراية بنمط الحياة هنا في سويسرا".

وفي تصريح أدلى به إلى صحيفة "تاغس أنتسايغر" (تصدر في زيورخ بالألمانية)، قال مارسيل زوفّيراي، الذي سبق له أن عمل لصالح المكتب الفدرالي للهجرة، إنه بات ينظر إلى الأمور بشكل مختلف بعد أن أقدم على تزوّج إمرأة فليبينية قبل ما يزيد عن عشر سنوات. وأضاف: "خلال عملي، جرّبت كيف يكون رد فعل الدولة عدميا وغير مُبال في حالة الهجرة غير الشرعية. ولا تتصوّروا ما عانيته أنا وزوجتي في المقابل".

العمل من أجل إيجاد حلول

تتفق بيارّات مالاتيستا، التي تقدّم الإستشارة للأزواح من ثقافات وجنسيات مختلفة والعاملة في منظمة "فابيا" بلوتسرن، على أن هناك حاجة ماسة لتوفير المزيد من الخيارات أمام المنخرطين في تجارب الزواج المختلط، وتضيف بأنه سيكون من المُجدي جدا السماح للأزواج متعددي الجنسيات، خوض حياة مشتركة قبل الزواج الرسمي لمدة عام واحد، على سبيل المثال.

السيدة مالاتيستا قالت أيضا: "نتلقى بإستمرار أسئلة من أشخاص يريدون أن يعيشوا معا وينسجوا علاقات شراكة. فإذا كان هؤلاء من خارج الإتحاد الأوروبي، فإن تحقيق ذلك يكاد يكون مُستحيلا، لكنني أعتقد أن توفير ذلك من الأمور الجيدة. من دون شك، سيكون هناك أشخاص يرغبون في الإستفادة من ذلك، ولكن هناك أيضا العديدين الذين يريدون فقط أن يُتاح لهم ذلك".

من جهتها، تشدّد لانغ على أن نسبة الطلاق بين الأزواج من متعددي الجنسيات ليست أعلى من نسبة الطلاق في صفوف الزيجات السويسرية الخالصة، والتي تصل إلى 50% تقريبا. وتضيف بأن "الفترة الأولى، هي أهمّ فترة بالنسبة للعلاقة بين الشريكيْن"، حيث أنها تعلم (من خلال عملها) أن الكثيرين ممن كانوا على أبواب الطلاق، ربما كان بإمكانهم الحفاظ على رابط الزوجية "لو كانوا مهيّئين بشكل أفضل للتكيّف مع ثقافة الشريك الغريبة عليهم".

واختتمت بالقول: "لا أحد أعلمهم من قبل بأن الوضع الذي سيعيشونه اليوم تلو الآخر يختلف عما خبروه من قبل أو ما كانوا ينتظرونه، ومن هنا، فهم لا يدركون ذلك إلا بعد فوات الأوان".

احصاءات ودلالات

يتوقّف تحديد نسب الزواج متعدد الجنسيات على الطريقة المعتمدة في التعاطي مع هذه الظاهرة. فهي تبلغ عند البعض 50%، في حين لا تتجاوز عند البعض الآخر 21% من إجمالي الزيجات في سويسرا.

بالنسبة لجيامباولو لانزيري، الذي أشرف على الدراسة الإحصائية حول الزواج المختلط في عام2012 على المستوى الأوروبي، تشمل هذه الدراسة كل الحالات التي يكون فيها أحد الأزواج مولودا في البلد وشريكه الثاني مولودا في الخارج، في حين تم تجاهل الحالات التي يكون فيها الشريكان مولوديْن في الخارج. وبهذه الطريقة  انتهى إلى أن 21% من الزيجات في سويسرا تدخل ضمن هذا التحديد، تليها من حيث أهمية النسب لاتفيا، واللكسمبورغ، وإيستونيا.

بعض النماذج الإحصائية الاخرى، كتلك التي يعتمدها المكتب الفدرالي للإحصاء، تكتفي بالنظر فقط إلى الجنسية التي يحملها المنخرطان في العلاقة الزوجية، فيكفي أن تكون جنسية أحدهما غير سويسرية حتى يُعتبر زواجا مختلطا، وبحسب هذا النموذج، فإن حوالي 50% من الزيجات في سويسرا تعد زواجا مختلطا.

يشير العديد من المحللين إلى أن طول المدة التي تستغرقها مسيرة الحصول على الجنسية السويسرية يمكن أن تؤدي إلى تحريف هذه الأرقام بالمقارنة مع بقية البلدان الأوروبية، نظرا لأن نسبة لا بأس بها من الذين يُمكن أن يُعتبروا من "المحليين" في بلدان أخرى، ينظر إليهم في سويسرا على أنهم أجانب لا تتوفّر فيهم شروط الحصول على الجنسية.

وبحكم وجود ثلاث مناطق لغوية مختلفة في سويسرا، فإنه من المعتاد جدا أن نعثر على زيجات مختلطة مع فرنسيين وإيطاليين وألمان أو نمساويين.

لفترة طويلة، كان عدد النساء الأجنبيات اللواتي  يتزوّجن من رجال سويسريين يفوق عدد الرجال الأجانب الذين يتزوجون من سويسريات، ولكن النسب تقاربت جدا في السنوات الأخيرة حيث نجد في عام 2011، أن 8.104 رجلا سويسريا تزوّج امرأة أجنبية مقابل 6.836 امرأة سويسرية تزوّجت رجلا أجنبيا، وفقا لبيانات صادرة عن المكتب الفدرالي للإحصاء.

تقول جوردن لانغ من مؤسسة "فابرينا" في لوتسرن، إن أغلب الرجال السويسريين يتعرفون على زوجاتهم خلال الرحلات السياحية أو أثناء رحلات العمل في الخارج، في حين تتعرف النساء السويسريات على أزواج المستقبل في بلادهن، كأن يكونوا طالبي لجوء مثلا.


(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch



وصلات

×