Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

فوزية العشماوي.. أديبة ورائدة نسائية وشاهدة على العصر




للدكتورة فوزية العشماوي، حظ من النجاح، بعضه من حسن طالعها وبعضه مما كسبته بفضل العمل والاجتهاد.

فهذه الأديبة المصرية السويسرية التي هاجرت إلى جنيف وهي لا تزال في العقد الثالث من العمر، سرعان ما احتلت موقعها داخل المدينة السويسرية، وأصبحت مرجعا للثقافة العربية والإسلامية في جامعة جنيف.

أوّل ما يستوقّـف المرء وهو يحاول الإحاطة بأبعاد هذه الشخصية ذات التجربة الفريدة، مسألة الهوية والانتماء، وهو سؤال، الجواب فيه قاطع، تقول رئيسة قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة جنيف سابقا: "لقد ولِـدت على أرض مصر وحصلت على الجنسية السويسرية، فأنا بذلك مصرية سويسرية مسلمة، لكن لأن الجنسيات ترتبط بالحدود، وأنا لا أحبّ الحدود التي سطّـرها البشر، فإني أفضِّـل الانتماء إلى حقيقة الإسلام، لا إلى الجغرافيا".

خمسة وثلاثون سنة قضّـتها فوزية العشماوي في جنيف، ولا زالت تذكُـر الأجواء التي تركت فيها مصر عبد الناصر في نهاية الستينيات، حينما حطّـمت نكسة 1967 كل الأحلام وأسقطت كل الشعارات.

وتقول فوزية العشماوي: "المناخ العام في مصر بعد هزيمة 1967، كان يشجّـع على الهِـجرة، وتعلق حُلم كل الشباب بالهروب من القمع السياسي والإحباط الشديد، إضافة إلى المحسوبية والفساد الإداري".

فكانت جنيف باب العرش الذي فُـتح في اللحظة المناسبة، ووجدت رائدة النساء العربيات في هذه المدينة ما لم تجده في مصر من حرية وتقدير لجهودها العِـلمية، فلم تمُـر فترة قصيرة حتى تم اختيارها للعمل بهيئة التدريس بكلية الآداب بجامعة جنيف.

"لقد تغيّر كل شيء"

في نبرة تتخلّـلها مرارة، تقول الدكتورة فوزية العشماوي: "حينما جِـئت إلى جنيف، لم يكن هناك شعور بأني أنتمي إلى أقلية غير مرغوب فيها في سويسرا، لكن هذا الشعور أصبح اليوم حقيقة أصطدِم بها كلّـما أعلنت انتمائي الدِّيني وهويتي الإسلامية العربية"، مضيفة بأنها "لم تشعُـر بأي اغتراب في البداية".

فجنيف تُـشبه إلى حدٍّ بعيد مدينة الإسكندرية، التي فيها نشأت وقضت جزءً من شبابها، فكِـلا المدينتين يسكنُـهما خليط من الأجناس وتتنوع وتتعدد فيهما الثقافات ويختلط فيهما الشرق بالغرب، فيتولّـد عنه تسامح وتآلف إنساني فريد من نوعه.

لقد تغيـّر الواقع، وهذا ليس مجرّد انطباع شخصي، فقد أشرفت الدكتورة فوزية العشماوي على فريق عمل لإجراء مسحٍ شاملٍ ودراسةٍ انتروبولوجية على أوضاع المسلمين في سويسرا، بناء على تكليف من اللجنة الأوروبية المشتركة ببروكسل والصندوق الوطني السويسري للبحوث العلمية سنة 1998.

وبرغم توصّـل تلك الدراسة إلى أن هناك تمييز على مستوى قوانين الإقامة ضد الأجانب، وخاصة القادمين من الدول غير الأوروبية، ومعظمهم من المسلمين من شمال إفريقيا ويوغوسلافيا سابقا وتركيا، إلا أنه لم يكن هناك أي مظهر من مظاهر الكراهية ضد المسلمين.

تطوّران بعدَ ذلك، سيُـغيران مُـجريات الأمور، فإلغاء نظام الدوائر الثلاث بقانون الإقامة (الذي لم يكن يمنح غير الأوروبيين حقّ الإقامة وحقّ التِـحاق أفراد عائلاتهم بهم) وأحداث سبتمبر 2001، سلّـطتا الضوء على الإسلام والمسلمين في سويسرا، ولعب الإعلام دورا رئيسيا في تشكيل رأي عام مُـعادٍ لكل ما هو إسلامي، مثل الحجاب والمساجد ووجود الأطفال المسلمين في المدارس.

ولقد كان لهذه السيدة المصرية سِـجالات مع الإعلام السويسري منذ التسعينات، فهي تحمّـل وسائل الإعلام السويسرية، المكتوبة خاصة، وِزر تزايُـد مشاعر الكراهية ضد المسلمين وتتهمها بالجهل بالإسلام وحضارته، والانطلاق في مقالاتها من خلفيات مسيحية متعصِّـبة، لا تزال محكومة بعقلية القرون الوسطى..

رائدة الحركة النسوية بالمهجر

يُـعطي انخراط فوزية العشماوي في العمل العام وعلى المستوين الأكاديمي والسياسي، صورة ناصعة لتجربة المرأة العربية في أوروبا، والدور الذي بإمكانها أن تضطلع به عندما تتخفّـف من إصر التخلّـف والتبعية السلبية للرجل.

فهي، ومن مواقع المسؤوليات التي تضطلع بها على المستويين، الأوروبي والأممي، تدعو إلى تصحيح الصورة المشوّهة التي يشيعها الإعلام عن المرأة في العالم العربي والإسلامي، تلك الصورة التي لا تخرج عن ثنائية الكائِـن المثير للغرائز أو الخاضع التابع للرجل.

وإلى جانب الإيرانية شيرين العبادي، صاحبة جائزة نوبل للسلام، ترى فوزية العشماوي أنه بالإمكان الدّفاع عن حرية المرأة من دون التشكيك في أحكام القرآن، وتقول: "لا يمكن بأي حال اختزال المرأة في مشكلة الحجاب، إنها كائن بشري مثل الرجل، لها حقوق متطابقة مع ما تضمّـنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".

وفي تصريح لها لسويس انفو، تضيف فوزية العشماوي: "الحجاب ليس رُكنا من أركان الإسلام أو شرطا من شروط الإيمان، وبالرغم من أن القرآن قد نصّ عليه، وإذا كان هناك خلّـل في وضع المرأة اليوم، فهو مِـما جناه عليها المجتمع الأبوي والتأويلات الخاطئة للنصوص".

العولمة والخصوصيات الثقافية

تُـجيد الدكتورة فوزية العشماوي خمس لغات عالمية، ونشأت في الإسكندرية، نقطة اتصال بين ثلاث قارات، ثم درست وأقامت ولا تزال في جنيف، المدينة الدولية، التي تحتضِـن المقر الأوروبي للأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية، ومع ذلك كله، تحتل فِـكرة الخصوصيات الثقافية، منزلة مركزية في تفكيرها.

العولمة بالنِـسبة إليها حقيقة، يجب القبول بها في مجال الاختراعات العلمية ووسائل الاتصال وتبادل التكنولوجيا، وتوحيد القياسات standardisation في المجال الصناعي.

أما على المستوى الثقافي، فإنها تدعو إلى تحالف دولي ضدّ الثقافة الاستهلاكية الأمريكية وإلى "انفتاح الخصوصيات الثقافية العربية على الثقافة الأوروبية والثقافة الصينية والثقافة اليابانية والثقافة الهندية ومختلف ثقافات أمريكا اللاتينية، لأن تفاعل كل هذه الثقافات مع بعضها سيُـؤدّي إلى مواجهة الثقافة الأمريكية والوقوف في وجهها ،حتى لا تبتلعنا جميعا".

ولا ترى الدكتورة العشماوي في هذه الدّعوة أي شكل من أشكال الانغِـلاق على الذات: "فالاتحاد الأوروبي، الذي يسعى حاليا إلى ترسيخ هوية أوروبية جديدة، سياسيا واقتصاديا ونقديا، يرفض بشدّة العولمة الثقافية التي تريد الولايات المتحدة فرضها عليه وعلى العالم أجمع، ويتشبّـث بالخصوصيات الثقافية الأوروبية. ولعل من أشدّ الدول والشعوب رفضا للعولمة الثقافية وتمسّـكا بالخصوصية الثقافية، هي فرنسا التي اتّـخذت موقفا متشدِّدا في هذا الصّـدد واعتمدت إجراءات قانونية صارِمة، سواء داخل فرنسا أو خارجها للمحافظة على لُـغتها الفرنسية".

لكن هذه الخصوصية "هي مشروع تاريخي يُـبنى على أساس من السلام والعدل والمساواة بين الإنسانية قاطبة، وعلى التعارف المبني على الحوار وتبادل المنافع"، تُـضيف الدكتورة فوزية العشماوي، رئيسة قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة جنيف سابقا.

تتعدّد الأبعاد وتظل الشخصية نفسها، ويقول الدكتور محمد المستيري، مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي بباريس، في تعليق لسويس انفو "الدكتورة فوزية عشماوي أكاديمية نشطة وعالمة جريئة في طرح الأسئلة، ولها قدرة فائقة على الاشتغال مع جميع الأطياف، وإليها يعود الفضل في إبراز صوت أكاديمي مُـستقل، يحظى لدى الجميع بمِـصداقية عالية"، ويضيف المستيري: "تجمع السيدة العشماوي في شخصيتها بين الوسطية في الفكر والقوة في الموقف واللّـطف في الخُـلق والمتانة في المعرفة".

عبد الحفيظ العبدلي – جنيف

السيرة الذاتية

ولدت فوزية عبد المنعم العشماوي ونشأت بالإسكندرية، وتخرجت في كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية بجامعة الإسكندرية عام 1965، ثم انتقلت مع أسرتها إلى سويسرا، حيث واصلت دراستها حتى تخرجت في كلية الآداب بجامعة جنيف في يونيو عام 1972، تخصُّـص علوم إنسانية.

واصلت دراساتها العُـليا، فحصلت على الماجستير عام 1974 والدكتوراه عام 1983 في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية. وأنجزت رسالتها في الماجستير حول شخصية النبي محمد في الأدب الفرنسي، "حيث بيّـنت ما أحاط بأعظم شخصية عرفها تاريخ الإنسانية من ظُـلم وما حاول كبار الأدباء الفرنسيين إلحاقه بنبي الإسلام من شُـبهات وقعوا فيها ضحِـية العِـلم المغلوط والكَـيد المتعمّـد، رغم انبهارهم بجوانب متعدّدة في هذه الشخصية المتكاملة"، على حد قول السيدة العشماوي.

أما الدكتوراه، فكانت حول "تطور أوضاع المرأة المصرية من خلال أدب نجيب محفوظ". وعن هذا الاختيار، تقول صاحبة الدراسة "كان اختياري لنجيب محفوظ، لأنه الوحيد من الأُدباء العرب الذين لم يتأثروا في كتاباتهم بمدارس الأدب الغربي، وكتب رواياته عن الحارات القاهرية من دون أن يغادرها، ووجدت أنه أكثر الأدباء صِـدقا في وصف المجتمع المصري".

الخبرة العملية للسيدة العشماوي لا تقل أيضا عن خِـبرتها الأكاديمية، إذ ترقّـت وظيفيا من مُـجرد أستاذة مساعدة إلى مرتبة رئيسة قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة جنيف، وهي اليوم أستاذة متقاعدة.

عملت إلى جانب ذلك، خبيرة لدى اليونسكو ولدى اللجنة الأوروبية المشتركة ببروكسل، وشغلت أيضا أكاديمية جنيف العلمية (1985)، وعضوية جمعية سويسرا والشرق الأوسط (1991)، والمركز الثقافي الأوروبي بسويسرا (1992)، ورئاسة منتدى المرأة الأوروبية المسلمة (بداية من 2004)، وتم انتخابها سنة 2006 للأمانة العامة للجمعية الثقافية المصرية السويسرية.



وصلات

×