Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

ديمة الصوالحة


من رحم العراقيل ينبع الأمل وتكتمل التجربة




أمام مصاعب الحياة، نحن أمام خيارين برأي ديمة الصوالحة: "إما الإستسلام أو رفع التحديّ والعمل بإصرار على تحقيق النجاح". (Picasa)

أمام مصاعب الحياة، نحن أمام خيارين برأي ديمة الصوالحة: "إما الإستسلام أو رفع التحديّ والعمل بإصرار على تحقيق النجاح".

(Picasa)

لا تكمُن القوة الحقيقية للأفراد في قدرتهم على التحمّل ومقارعة الأزمات بل في تجاوز تلك الصعوبات مهما تعاظم خطبها من أجل مدّ يد العون إلى الآخرين ومساعدتهم عند الإقتضاء. صورة تجد أصدق تجلّ لها في تجربة ديمة الصوالحة، فتاة فلسطينية سويسرية قررت تحويل بشاعة الظلم وسوء المعاملة اللتين عاشتهما في طفولتها إلى نبع للأمل، وقاعدة للنجاح، وروح لا تنضب من البذل والعطاء.

ولدت في الأردن، وعاشت في سويسرا، تقول ديمة إنها محظوظة وسعيدة بوجودها في هذا البلد رغم المعاناة التي طبعت كل لحظة من لحظات حياتها القصيرة التي لا تكاد تتجاوز العقدين من الزمن.

تلك المعاناة لم تحل دون نجاحها على أكثر من صعيد: في دراستها، وفي حياتها الوظيفية، وفي تجربتها الفنية. ولم تمنعها طفولتها المعذّبة، من صقل موهبتها في عالم الرسم وفنون النحت، ناهيك عن انخراطها في العمل الإنساني، والنشاط الجمعياتي لصالح القضية الفلسطينية، والأجيال الشابة من أبناء الجالية العربية في سويسرا.

رحلة مضطربة 

17 أغسطس 1999، تاريخ سيظل راسخا في ذاكرة هذه الفتاة، فهو يمثّل بداية مغامرة ستضفي على طفولتها وشبابها مسحة من الاضطراب والمعاناة الحادة. في هذا اليوم، غادرت بنت السبع سنوات منزلها في الأردن برفقة امها وشقيقتها في الطريق إلى مطار علياء الدولي، للالتحاق بأبيها الذي سبقهم إلى سويسرا. "كانت امّي حزينة وهي تودّع الأهل. أما أنا، فلم أكن أدرك شيئا مما يدور من حولي، أو أي وجهة نحن مولّيها، وهل سنعود إلى دارنا قريبا؟".

لم يرافقهم يومها إلا شقيق الأم، الذي أخرج من جيبه وهو يغادرهم في بهو المطار قرصا مضغوطا يحتوي الأغنية العالمية الشهيرة "فندق كاليفورنيا"، وخاطب الام وابنتيها: "سوف تتذكّرونني كلما استمعتم إلى هذه الأغنية". "لم تغادر ذكراه مخيّلتي، تقول ديمة، لأنني منذ ذلك اليوم لم أره، ولا أعرف حتى أيْن يوجد، بحثت عنه بكل السبل، غادر هو الآخر الأردن، لكن لا أحد يعرف إلى أيْن كانت وجهته".

بعد تحليق وجيز، حطت طائرة ديمة بإحدى المطارات التركية. وما كان مجرد عملية روتينية، تحوّل إلى معضلة بالنسبة لهذه العائلة. لقد قررت السلطات التركية منعها من مواصلة الرحلة إلى سويسرا لعدم حيازتها على تأشيرة. فكيف العمل، وقد أصبحت الأم وأبناؤها من دون جوازات سفر بعد أن أقدمت الأم على اتلاف الوثائق للمطالبة لاحقا بحق اللجوء، وللحؤول دون إعادتهم من حيث أتوا.

ترافق ذلك، كما تقول ديما الصوالحة: "مع تغيير أسمائنا وبلدنا وديننا، وتحوّلنا بقدرة قادر من عائلة "الصوالحة الفلسطينية" إلى عائلة "الحسين العراقية". لكن لم ينقذنا من ذلك المأزق إلا زلزال عنيف ومدمّر، هزّ تركيا في ذلك اليوم. وبمجرّد وصول النجدة للمطار الذي كنا فيه، سمح لكل القاصدين إلى سويسرا بالمغادرة، وكنا من بينهم".

وعن تلك اللحظة الفارقة، تقول ديمة: "مازلت لم أستوعب كم كنّا محظوظين. أعتقد أنه لو لا ذلك الزلزال، ما كان بإمكاننا أبدا القدوم إلى سويسرا، على الأقل، لن يكون بتلك السهولة".

بداية صعبة

أربع سنوات بعد ذلك، بدأت الأنواء تهزّ اركان هذه الأسرة المهاجرة. تفجّر خلاف حاد انفصل على أثره الوالدان، وانكشفت الهوية الحقيقية للعائلة بعد وشاية من أحد الجيران،... لكن السلطات السويسرية "لم تتراجع في قرارها بمنحنا حق الإقامة، لقد كنا مندمجين بما فيه الكفاية، الأطفال يتقنون اللغات الوطنية، والأب يعمل والام تنشط في العمل الإنساني"، مثلما تقول ديمة.

مرضت الأم عقب الطلاق، ففقدت حق حضانة الأطفال، وخلفها الأب في تلك المهمّة. لكن لم تمنعها ظروفها الاجتماعية القاسية من الانخراط في نشاط منظمة كاريتاس الإنسانية، حيث كانت تعد الطعام يوميا لتوزيعه على الفقراء والمشردين... وقضت هي الأخرى سنوات من عمرها مشرّدة من دون مأوى إلى أن غادرت هذا العالم في ظروف غامضة في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان.

طفل يكتم أوجاعه

تركت هذه المأساة أثرها البالغ على هذه الفتاة التي لا تزال في مقتبل العمر، وقد أسرّت إلى swissinfo.ch متأسفة: "أنا لا أجد الجرأة الكافية للحديث عمّا جرى، حيث لم يكن بإمكاني مساعدتها، ... أنا أأسف كثيرا لأنها لم تجدني عندما كانت في حاجة إلى المساعدة، وأتمنى أن تغفر لي،... سأظلّ أحبها في غيابها كما أحببتها في حضورها، وأنا مدينة لها في كل شيء".

من هي ديمة الصوالحة؟

ديمة الصوالحة فتاة من أصول فلسطينية، ولدت في الأردن في 8 فبراير 1992.
في عام 1999، هاجرت إلى سويسرا مع عائلتها واستقرت بمدينة فوفي بكانتون فو، حيث تعلمت اللغة الفرنسية خلال السنتيْن الأوليتيْن لوصولها إلى هذا البلد.

إلى جانب الدراسة، نشطت ديمة في كورال للأناشيد، وفي فريق لكرة اليد، ثم مارست طيلة خمس سنوات رياضة الجمباز، إلى جانب دورات في النحت على الفخّار والمعادن والخشب، وأيضا الخياطة.

تهوى ديمة المطالعة، واكتشاف القصص الواقعية، والمغامرات، وتحب روايات الرحلات والروايات التاريخية والدينية...

تلقت تربية دينية في مركز إسلامي بفوفي، واليوم تقدّم دروسا في تحفيظ القرآن والتربية الإسلامية بمركز ثقافي بمونترو، كما تتولى سكريتارية هذه المؤسسة منذ الصيف الفارط.
تشرف ديمة في إطار نشاطها الجمعياتي على تنظيم رحلات جبلية، وتنشط كمرشدة سياحية، ومترجمة فورية ومنشطة ثقافية. وإلى جانب مسلمات أخريات، تقدم خدمات تطوّعية ضمن العديد من المنظمات الإنسانية بما في ذلك منظمة الإغاثة الإسلامية.

رغم العنف الأسري الذي عايشته هذه الفتاة، كانت تمتنع عن كشف ذلك إلى أقرب الأصدقاء او المسؤولين في المدرسة حفاظا، كما تقول على شرف العائلة، من ناحية، وخوفا من إبعادي عن عائلتي في بلد ليس لي فيه أقارب آخرين. "كنت خائفة جدا من فقدان والديّ، ولم يكن امامي غير الصمت". ثم تضيف: "كنت أفعل ذلك من أجل أمّي، التي كنت أراها في منامي تموت كل ليلة،...كانت مكتئبة جدا، وحزينة، وعلى حافة الهاوية".

من رحم الأزمة، يولد العزم

إزاء هذه الاوضاع الصعبة، كانت الرسامة الفلسطينية، امام خياريْن: إمّا التسليم، والإرتكان إلى شعور الضحية، واللجوء مثلا إلى إحدى المؤسسات الراعية للطفولة، أو اتخاذ زمام أمرها بيدها. فكان الخيار الثاني، حيث تقول: "إلتجأت إلى الله، وإلى الرسم، وإلى الأصدقاء،...وتعلّقت بأهداب الامل. واتخذت قرارا في نهاية المطاف بالكفاح من أجل النجاح، وبتطوير قدراتي، وتغيير الواقع من حولي".

بهذه العزيمة، أنهت ديمة تعليمها الإجباري ولم يتجاوز عمرها 16 عاما، وبعد أن عملت كمتدربة في مكتب للهندسة المعمارية، تحصلت على شهادة الكفاءة المهنية الفدرالية ( CFC )، في مجال تصميم المباني، ثم على الأهلية المهنية والتقنية (Maturité Professionnelle Technique)، في الرسم في مجال الهندسة المعمارية.

وتقول هذه الشابة السويسرية الفلسطينية عن العمل الذي تزاوله: "أعمل حاليا في فوفي، لم يعترضني أي مشكل رغم أنني أرتدي الحجاب الإسلامي. وهذه نعمة كبيرة، لأن سويسرا، مقارنة ببلدان مجاورة، هي اكثر انفتاحا. خلال مزاولتي لعملي، أزور حضائر البناء، وأتحدّث للمقاولين وأصحاب المشروعات، وألتقي الحرفاء! أعير اهتماما كبيرا للنظام، وللنظافة، وللحوار. لقد حزت دائما على تقدير واحترام الآخرين، لديّ القدرات والمهارات اللازمة، ولكلّ واحد مجال اختصاصه! هذا هو شعاري في الحياة!". 

وعن شغفها بهذه المهنة، تضيف: "الهندسة المعمارية هي عبارة عن هواية بالنسبة لي، أعيشها ليلا ونهارا، وفي أي لحظة يُمكن أن تخطر على البال ...! عندما أمشي في الشارع، أنظر دائما إلى الأعلى، وأقوم بتحليل كل التفاصيل التي تحيط بي، وعندما يقع بصري على حضيرة بناء، أحاول أن أتخيّل كلما يكون قد فكّر فيه المهندس الذي وضع تصميمها....".

الفن كعلاج نفسي

لم يحالف ديمة النجاح في التعليم والمجال الوظيفي فقط، بل هي بصدد تطوير ملكاتها في مجال فنّ الرسم. والصحوة الفجائية التي انتابتها بعد وفاة أمها، لم تحدث نقلة على مستوى نتائجها الدراسية فقط، بل وضعتها ايضا على سكّة عالم الرسم، وقد ساعدها على المضي في هذا المشوار، انشغالها بالهندسة، وما تتميّز به شخصيتها على حد قولها من "رومانسية وحس مرهف".

وتوضّح ذلك قائلة: "أميل إلى التأمّل طويلا، وإلى الحلم بتحقيق ما هو أفضل. في طفولتي، كنت مولعة بمشاهدة أفلام الكارتون والرسوم المتحرّكة، وألعاب الفيديو ومطالعة القصص الخيالية. كنت أحلم بإعادة رسم كل هذه العوالم التي طبعت مخيلتي".

لم تزد الصراعات الأسرية والطفولة المعذّبة هذا المنزع الفني لدى هذه الرسامة إلا تأكيدا وصلابة: "بدأت أرسم وأكتب الشعر ولم يتجاوز عمري 12 عاما...أردت أن أعبّر عمّا يختلج في نفسي، وعن حزني، وعن جميع المظالم التي تعرّضت إليها، وعن الهجرة وما تسببه من صراع ثقافي وقيمي،... كنت أريد أن أخرج بركان الغضب والكراهية، وكل مشاعر الألم التي تعتمل في داخلي،... لقد كنت أكتم الكثير من الأسرار، ولم يكن مسمُوحا لي بالإفصاح عنها".

في الرسم، وجدت ديما ضالتها: "لقد علمني هذا الفن كيف أحافظ على الهدوء والسكينة، وهو ممارسة تتطلّب الصبر، وقد جلب لي راحة نفسية كبيرة". واما على المستوى الذهني، تضيف هذه المهندسة والمبدعة: "تعلمت مع كل لوحة كيف يمكنني تجاوز حدود الممكن، فأكتسبت ثقة في النفس، وتمكّنت من استكشاف مصادر أفكاري، ومنبع رغباتي العميقة". ثمّ هي واعية بالدور التواصلي لما تقوم به: "الفن أداة مثالية، تستخدم حاسة اللمس، وتهزّ المشاعر، وتوقظ القوى الداخلية للأفراد، وتساعد على تصريف المشاعر من دون إيذاء الآخرين. لقد أثبت من خلاله قدرتي على تعبئة ملكاتي، استعدادا لخوض تحديات واختبارات الحياة اليومية".

وعن رؤيتها الشخصية للفن، تضيف رغم حداثة التجربة: "هو وسيلة للتعبير عن المشاعر والأحاسيس، كما يحدث ايضا أن يتطرّق صاحب الريشة والقلم إلى قضايا العالم وهمومه". وتستشهد في هذا الصدد بقول بيتّي إدوارد، صاحب كتاب "Dessiner grâce au cerveau droit": "نحن لا ندرّس القراءة والكتابة لإنتاج شعراء ومؤلفين، ولكن من أجل تطوير الأفكار والرؤى".

الإنسان ابن بيئته

لاشك أن حياة ديمة كانت ستتخذ منحى مختلفا لو كانت إقامتها في بلد آخر، وهي واعية جدا بذلك، إذ تقول: "أنا سعيدة بوجودي في هذا البلد. لقد كنت محظوظة بتلقي تعليم منفتح، والحصول على ثقافة ثرية ومتنوعة، ونمط حياة يحترم النساء والرجال في آن واحد".

لقد كنتُ محظوظة بتلقي تعليم منفتح، والحصول على ثقافة ثرية ومتنوعة، ونمط حياة يحترم النساء والرجال في آن واحد
ديمة الصوالحة

ثم تضيف: "في هذا البلد، هناك دائما فرص لتطوير المهارات والكفاءات، والمطلوب هو فقط بذل الجهد لتحقيق الأهداف المرسومة!...اليوم أشعر أن كل الأبواب مُشرعة أمامي، بإمكاني أن أصبح مديرة مشروعات، أو تقنية أعمال، أو تأسيس شركة خاصة، كل ذلك يتوقّف على عزيمتي وعدم فقدان الأمل!".

وترجع ديما نجاحها في جزء منه إلى ما تعلمته في المدارس السويسرية من انضباط، واحترام لقواعد التعايش المشترك. وليس غريبا بعد ذلك على حدّ قولها: "أن الأغلبية من شباب الجالية العربية في سويسرا يبذلون جهودا كبيرة من أجل تكريم عائلاتهم من خلال تفوّقهم الدراسي وتميّزهم في المجال المهني". وهدفهم النهائي هو "تقديم صورة جيّدة لهذه الأقلية من دون شعور بالذنب أمام الأخبار غير السارة التي تأتي من بلدانهم الأصلية، وتروّج لها بكثافة وسائل الإعلام العالمية كقضايا الإرهاب والعنف مثلا".

وفي ما يبدو اعترافا منها بكل ما منحها هذا المجتمع من فرص وإمكانات، ووفاءً منها لطبيعة التربية التي تلقتها في مراكز ثقافية عربية وإسلامية، انخرطت ديمة بإستمرار في أنشطة انسانية لصالح القضية الفلسطينية عبر منظمة الإغاثة الإسلامية، وفي أنشطة ثقافية عبر المركز الإسلامي بمونترو، حيث تقدّم منذ مدة دروسا في تحفيظ القرآن والتربية الإسلامية، وتتولى سكريتارية المؤسسة نفسها. وفي السياق نفسه، تنظم رحلات جبلية، وتقوم بدور المرشدة السياحية، والمترجمة الفورية، والمنشطة الثقافية.



وصلات

×