Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

حوار خاص مع الرئيس التونسي


"تعاوننا مع سويسرا من شأنه أن يُقلل من مخاطر انتقالنا الديمقراطي"


بقلم صلاح الدين الجورشي - تونس


كان الرئيس السويسري يوهان شنايدر أمّـان (في الوسط) في استقبال نظيره لتونسي الباجي قائد السبسي لدى وصوله صباح الخميس 18 فبراير 2016 إلى مطار زيورخ. (Reuters)

كان الرئيس السويسري يوهان شنايدر أمّـان (في الوسط) في استقبال نظيره لتونسي الباجي قائد السبسي لدى وصوله صباح الخميس 18 فبراير 2016 إلى مطار زيورخ.

(Reuters)

وصل الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي صباح اليوم إلى زيورخ في بداية زيارة دولة تستمر يومين إلى الكنفدرالية السويسرية، وهي أول زيارة يؤديها رئيس تونسي منتخب بشكل مباشر وديمقراطي من طرف مواطنيه إلى هذا البلد الغربي. 

الزيارة التي كانت مقررة أصلا في شهر نوفمبر الماضي تأجلت في اللحظة الأخيرة إثر الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له حافلة تابعة للأمن الرئاسي وسط العاصمة التونسية. أما برنامجها فلم يطرأ عليه تغيير يُذكر حيث ستتركز المباحثات بين الطرفين على عملية الإنتقال الديمقراطي في تونس والعلاقات الإقتصادية الثنائية وبرنامج التعاون السويسري وملف الهجرة إضافة إلى الأوضاع الأمنية ومكافحة الإرهاب.

بطبيعة الحال، سيتم التطرق خلال الزيارة إلى ملف أموال الرئيس السابق بن علي والمقربين منه المجمدة في سويسرا منذ يناير 2011، وإلى آفاق الشراكة في مجال الهجرة المبرمة بين تونس وبرن منذ عام 2012. مع العلم أن تونس شريك في البرنامج السويسري الخاص بشمال افريقيا الذي خصصت لها الكنفدرالية في إطاره حوالي 16 مليون فرنك تتركز على 3 مجالات وهي عملية الإنتقال نحو الديمقراطية والحقوق الإنسانية والتنمية الإقتصادية والتشغيل إضافة إلى الهجرة والحماية.

مراسل swissinfo.ch في تونس التقى الرئيس التونسي في قصر قرطاج عشية الزيارة وأجرى معه الحوار التالي:

swissinfo.ch: تقومون بزيارة دولة إلى سويسرا بوصفكم أول رئيس تونسي مُنتخب ديمقراطيا بالإقتراع الشعبي المباشر منذ استقلال البلاد. ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لكم شخصيا وبالنسبة لعلاقات بلدكم مع ديمقراطية عريقة مثل سويسرا؟

الباجي قائد السبسي: للدولة السويسرية مكانة خاصة في العالم بحكم حرصها على الحياد بالمعنى الإيجابي. ويمكن القول بأن علاقاتنا الثنائية كانت ولا تزال إيجابية بشكل دائم، حيث كانت سويسرا من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال بلادنا، وقد تم في البداية تعيين ممثلين عن الدولة السويسرية، وتوج ذلك باتخاذ قرار بفتح سفارة بتونس. ويعتبر مقر السفارة دليلا قويا على وثوق العلاقة بين الدولتين، لأن مبنى السفارة السويسرية يقع في قلب القصر الرئاسي، وهي السفارة الوحيدة الموجودة داخل الفضاء الخاص برئاسة الجمهورية. وقد حرص الرئيس بورقيبة على المحافظة على هذه العلاقات، وذلك قبل أن يأتي بن علي الذي حاول إخراج السويسريين من هذا المقر مما أدى إلى تدهور العلاقات الثنائية. ومع ذلك لم ينجح في إخراجهم، ولن نسمح لأي أحد بأن يُسيء إليهم أو يحاول إبعادهم. وهذا يدل على أن التونسيين أعطوا لسويسرا مكانة خاصة. من جهة أخرى هناك تعاون بين البلدين لا يستهان به. وهو تعاون تحبذه تونس لأنه غير مرتبط بشروط سياسية نظرا للطابع الحيادي للدولة السويسرية التي لا تفرض شروطا مسبقة على الآخرين. ونحن من جهتنا حريصون على تطوير هذا التعاون.

علاقات عريقة ومتنوعة بين بلدين صغيرين

أولُ زيارة رسمية لرئيس تونسي إلى سويسرا بعد استقلال البلد عن فرنسا والإعلان عن الجمهورية قام بها الحبيب بورقيبة في 12 مارس 1961. 

بعد ساعات من رحيل الرئيس التونسي السابق، بادرت برن إلى تجميد أصول لزين العابدين بن علي ومقربين منه كانت مُودعة في مصارف سويسرية. وسيكون "إنجاز تقدم ملموس" في هذا الملف على رأس جدول الأعمال في زيارة السبسي. 

منذ شهر يناير 2011، سارعت سويسرا إلى إطلاق برنامج دعم لعملية الإنتقال الديمقراطي في تونس على مدى 5 أعوام وخصصت له 85 مليون فرنك أسهمت في تمويل حوالي 150 مشروعا مختلفة الأحجام.

في هذا الإطار، خصصت برن في العام المنقضي 25 مليون فرنك لثلاث مجالات رئيسية تشمل الإنتقال إلى الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتنمية الإقتصادية والتشغيل والهجرة والحماية (لطالبي اللجوء والمهاجرين).

يأمل المسؤولون التونسيون أن تستمر سويسرا في إدراج تونس على قائمة البلدان التي تحظى بالأولوية في مجال المساعدة من أجل التنمية للفترة المقبلة (2017 - 2020).

يضم الوفد التونسي مجموعة من رجال الأعمال ومن المشرفين على فروع لمؤسسات سويسرية ناشطة في تونس، وسيتم بالمناسبة تنظيم مائدة مستديرة اقتصادية بين فاعلين ومستثمرين من الطرفين.

من المنتظر الإعلان عن تأسيس "مجموعة صداقة تونسية سويسرية" لتعزيز أطر التعاون بين البلدين، كما سيؤدي الرئيس التونسي زيارة إلى مؤسسة اقتصادية شهيرة افتتحت لها فرعا في تونس.

أخيرا، ستشمل المباحثات بين الطرفين تفعيل بعض الإتفاقيات المتعلقة بالتكوين المهني والتشغيل وسبُل تعزيز التعاون في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب إضافة إلى تطوير المشاورات السياسية الثنائية.  

لقد بدأت تونس عمليا في انتقالها الديمقراطي، وإن كانت الديمقراطية التونسية لم تترسخ أقدامها بشكل نهائي، لأن الديمقراطية لا تفرض وإنما تمارس. وما يمكن قوله أنه رغم الصعوبات، فقد قطعنا شوطا لا بأس به وإن كانت عملية التحول الديمقراطي ليست هينة. ومن هذا المنطلق نعتقد بأن تعاوننا مع سويسرا من شأنه أن يساعدنا كثيرا على إتمام انتقالنا الديمقراطي بأقل المخاطر. والمعلوم أنه كلما تأزمت الأوضاع بين دولتين وتصل إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية، غالبا ما يتم اللجوء إلى الدولة السويسرية لمعالجة الأسباب التي أدت إلى ذلك وتطويق الخلافات بينهما. وقد كلفت أخيرا المملكة العربية السعودية الدولة السويسرية بملف علاقاتها مع إيران. لكل هذه الإعتبارات نحن راغبون في مزيد من التعاون مع سويسرا، خاصة وأن تونس مثل سويسرا دولة صغيرة، إلى جانب وجود جالية تونسية نشيطة، لأنه لو كانت هذه الجالية سيئة لما استقرت كل هذه الفترة بهذا البلد الصديق.

swissinfo.ch: أشاد العالم بنجاح تونس في إقرار دستور توافقي لكن التباطؤ المسجل في استكمال المؤسسات الدستورية والتأخير في تحديد موعد لإجراء الإنتخابات البلدية والجهوية يُثير بعض القلق. ما هي أهم التحديات التي لا زالت تُواجه الديمقراطية الناشئة في بلدكم؟

الباجي قائد السبسي: صحيح هناك تحديات يجب التذكير بها لفهم أسباب هذا التباطؤ. وفي مقدمة ذلك الإرهاب الذي تواجهه تونس بهذا الحجم والتعقيد. فليست للتونسيين ثقافة الإرهاب أو ثقافة مقاومة الإرهاب. لا تستطيع أن تحقق أي تقدم إذا كانت بلادك غير آمنة وليست مستقرة. ونحن الآن قد حققنا نجاحات نسبية في مقاومة هذه الظاهرة الخطيرة، لكن المشكلة تكمن في أن الإرهاب قد اتخذ بعدا دوليا. وسيكون من الصعب على بلد صغير مثل تونس التغلب بمفرده على معضلة الإرهاب. ففي السنة الماضية تعرضت تونس لثلاث هجمات كبرى، حيث كانت أولها عملية متحف باردو الخطيرة، ثم سوسة التي كانت في غاية من الفظاعة، وأخيرا عملية اغتيال أعضاء الأمن الرئاسي. كل ذلك يدل على أهمية التحدي الأمني.

ثانيا، تواجه تونس أيضا تحديا اجتماعيا واقتصاديا، لأن الثورة التي تمت كانت لأسباب اجتماعية بشكل أساسي، لأن الفقر في بعض الجهات والتهميش في جهات أخرى. وبالتالي لا يمكن مواجهة هذه الملفات إلا من خلال تحسين الأوضاع الاقتصادية لمواطنينا. وكما تعلمون فإن الحالة الإقتصادية الآن لا تزال صعبة جدا لكون نسبة النمو تكاد تكون قريبة من الصفر، وهو ما يجعلنا غير قادرين على توفير الحد الأدنى من مواطن الشغل.

ثالثا : لدينا اليوم برلمان ديمقراطي تعددي غير مسبوق في التاريخ السياسي لتونس، وذلك بعد أن تم القطع مع مرحلة حكم الحزب الواحد، وأصبحت لدينا لأول مرة حكومة ائتلافية، مثلما هو الحال بالنسبة لتركيبة البرلمان التونسي الذي يتشكل من قوى سياسية متعددة، وهو ما يفسر بطبيعة الحال البطء في اتخاذ القرارات، لأن ذلك يتطلب المزيد من الوقت ولهذا على الحكومة توفير التوافق بين الأحزاب المشكلة لها، كما أنها مطالبة بالضرورة بأن تحصل على موافقة نواب الشعب. مع ذلك، فإن تونس واعية بما يجب عليها القيام به على صعيدي الهيكلية الدستورية أو في ما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي، خاصة وان الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية قد انتهت على الصعيد الحكومي ونحن الآن ننتظر موافقة البرلمان، وهو ما يتطلب قدرا من الوقت.

swissinfo.ch: تخوض تونس منذ ديسمبر 2011 تجارب حكم ائتلافية غير مسبوقة (الترويكا والرباعي) بل نادرة في المنطقة العربية، وهي شبيهة إلى حد ما بالتجربة السويسرية المستمرة بدون انقطاع منذ عام 1959... ما هو تقييمكم لها سلبا وإيجابا؟

الباجي قائد السبسي: أؤكد في البداية على أنه لا يوجد لدينا اختيار آخر لأنه مفروض علينا بسبب ما أفرزته الإنتخابات الديمقراطية، وبناء عليه أعتقد بأن هذه التجربة الإئتلافية إيجابية. ويمكنها أن تتحسن، وهي بالضرورة ستتحسن. ولكن لا يمكن للإنسان أن يمر من الأسود إلى الأبيض دون مراحل. نحن الآن نمر بالمرحلة الإيجابية، فحزب نداء تونس الذي له مشاكل، إلى جانب النهضة التي تمر هي أيضا بصعوبات، وهي الحركة التي كانت تعتمد الإسلام السياسي ولكنها انتقلت اليوم إلى الإلتزام بالإسلام التونسي، وهو تغيير هام جدا في سياستها، وعلينا أن نواصل العمل المشترك في هذا الإتجاه، خاصة وأن هذه التجربة قد ساعدت على توفير نوع من حالة الإستقرار للنظام السياسي التونسي. من جهة أخرى ليست لدينا في تونس مواجهات دموية، فحتى المؤرخ الكبير عبد الرحمان ابن خلدون لم يتوقع في كتابه " المقدمة " أن يتعايش التونسيون بشكل سلمي، وهو الذي كان يعتقد بأن مغادرة أي فريق للحكم لا يتحقق إلا بالدم. الخلاصة أني أعتبر أن صيغة تشكيل حكومات ائتلافية أمر إيجابي ليس له بديل.

swissinfo.ch: ولكن ألا توجد سلبيات؟

الباجي قائد السبسي: طبعا هناك سلبيات، حيث تسير الأمور ببطء نتيجة ما قلناه سابقا، وثانيا في مثل هذه التجارب يوجد تآلف بين الفرقاء ولا يوجد تحالف. فالتعايش لا يستمر إلا إذا وجد كل فريق الحد الأدنى من الظروف الطيبة التي تمكنه من العمل بأريحية.

swissinfo.ch: أعربتم في أكثر من مناسبة عن قلقكم من التداعيات المُحتملة للضربات العسكرية التي يُحتمل أن تُوجّهها دول أوروبية وغربية إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" في ليبيا المجاورة على الأمن القومي التونسي.. هل تلقيتم تطمينات أو توضيحات من الأطراف المعنية بهذا الخصوص؟

الباجي قائد السبسي: الوضع صعب في ليبيا بحكم غياب الدولة وكثرة المليشيات المسلحة، وهي التركة الثقيلة التي خلفها القذافي. كما لم تتوفر إلى حد الآن الرغبة الجماعية للخروج من هذا الوضع من قبل الأطراف الليبية. لقد التقيت بجميع الفرقاء ولاحظت بأن هناك استعداد للقيادة لكن لا يُوجد استعداد مشترك لتحمل الآخر. الحل الوحيد حاليا هو الغطاء الأممي. هناك خطوات هامة قد بذلت في هذا الإتجاه، لكن ذلك يحتاج إلى عامل الوقت. كانت في ليبيا ولمدة طويلة حكومتان، واحدة معترف بها والأخرى غير معترف بها رغم أن هذه الأخيرة تسيطر على مساحة جغرافية أكبر. إن التقريب بين الطرفين عملية صعبة ومعقدة، وتحتاج إلى وقت، ومع أهمية تشكيل حكومة مشتركة إلا أن وزيرين أعلنا مؤخرا استقالتهما مباشرة بعد ذلك، وهو ما يدل على صعوبة إدارة هذه المرحلة. لكني أعلم بأن الدول الكبرى والغربية قد قررت التوصل إلى حل من أجل معالجة الملف الليبي، وأفضل الحلول هو قيام حكومة ائتلافية مثل التي تم الإعلان عنها، ولكن حسب تقديري إذا لم ينجح هذا الحل أو تم التباطؤ في تنفيذه فإني أعتقد أن الضربات العسكرية ستتم رغم كل التخوفات.

ويعود ذلك إلى وجود عديد الدول التي تدخلت في الصراع الليبي، ولكل دولة أجندتها الخاصة غير المتلائمة مع أجندات الدول الأخرى، ويستوي في ذلك الدول المجاورة لليبيا أو الأخرى. كما أن الغرب له مصلحة اليوم في حماية النفط وعدم تركه بيد داعش أو غيرها من المليشيات. ولهذا يلاحظ بأن الضربات التي أقدمت عليها روسيا في سوريا دفعت بعدد كبير من أنصار داعش إلى التوجه نحو ليبيا بمن فيهم عدد لا يستهان به من التونسيين. وبما أن هدف الدول الغربية هو القضاء على هذا الإرهاب، فقد حاولوا القضاء على أنصاره لكن داعش لا تزال موجودة. يعني هذا أن الضربات الجوية لم تحقق الهدف ولم ترض الذين يقومون بها، ولهذا قرر الدواعش التوجه نحو ليبيا. أي أن الخطر أصبح قريبا من حدودنا التي ليست مُؤمّنة بشكل كامل.

بناء على ذلك أقول أن هذه الضربات إذا لم تكن مدروسة ، وبدون أن يقدم الغربيون تطمينات فعلية لتونس بوسائل مختلفة، فإن ذلك من شأنه أن يزيد من تعقيد أوضاعنا، وقد يؤدي ذلك إلى تعميم المخاطر وتعقيد أوضاعنا الداخلية. وهو ما جعلني في كلمة رأس السنة التي توجهت بها إلى السفراء الأجانب في تونس، وخاصة السفراء الغربيون، طالبتهم فيها بعدم الإقتصار على التفكير في مصالحهم دون الأخذ بعين الإعتبار مصالح تونس التي لن تكون مؤمنة بسبب هذه الضربات. أؤكد على أن الضربات العسكرية داخل ليبيا أمر وارد، ولكن لم يحدد تاريخ البدء في هذه العمليات، والجميع في حالة ترقب لما ستسفر عنه العملية السياسية وما سيترتب عن تكوين الحكومة الإئتلافية الليبية.

swissinfo.ch: ما مدى ثقتكم في الوعود الغربية (وخاصة الإتحاد الأوروبي) التي قُـدمت لتونس منذ قمة دوفيل؟

الباجي قائد السبسي: الذي يريد أن يشتغل بالسياسة عليه أن يقرأ حسابا لكل الإحتمالات، وعليه بدرجة أساسية أن يعمل على أن يثق في نفسه أولا وشعبه ثانيا. مهم جدا بالنسبة لنا أن نتلقى وعودا من دول كثيرة غربية وعربية، لكن الأهم من ذلك هو أن يعود التونسيون إلى العمل وبذل الجهد والبناء، فذلك هو المنهج الأفضل لبناء تونس الجديدة.

swissinfo.ch: بالإضافة إلى خطر المجموعات الإرهابية، تُعاني تونس من اندلاع اضطرابات اجتماعية من حين لآخر بسبب تفاقم البطالة واستمرار التهميش وغياب التنمية في عدد من المناطق، وهو تحدّ واجهته الحكومات السابقة أيضا. ما الذي تغيّر منذ وصولكم إلى سدة الحكم في هذا المجال تحديدا؟

الباجي قائد السبسي: كان عندي يقين بأن الوعود التي التزمنا بها ستتحقق، لكن تبين للجميع بمن في ذلك الدول التي قررت أن تساعدنا أن الأوضاع غير مستقرة في تونس. ولذلك فإن الأطراف التي تسعى إلى تهييج الشارع هم في الحقيقة بصدد تعطيل البلاد برمتها في حين كانت تونس تتجه نحو تحول كبير. ثانيا علينا ألا ننسى انهيار أسعار النفط وهو ما جعل دول الخليج تمر بأزمة ضخمة، إضافة إلى غياب الدولة في ليبيا وقد ترتبت عن ذلك تداعيات خطيرة على تونس. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام أوضاع صعبة تتطلب منا بذل مزيد من الجهود لإنقاذ هذه التجربة الديمقراطية الفريدة من نوعها في المنطقة.

swissinfo.ch: كانت سويسرا من الدول السبّاقة إلى إطلاق برنامج تعاون تنموي مع تونس سمح بتوفير حوالي 12 ألف موطن عمل وبإنجاز عدد من المشاريع النوعية في المناطق الداخلية. في المقابل، لا يزال ملف استعادة الأموال التونسية المجمّدة منذ يناير 2011 في المصارف السويسرية (حوالي 60 مليون فرنك) يُراوح مكانه. ما الذي يُعيق إحراز تقدم في هذا الملف؟ وما هي انتظاراتكم في هذا المجال؟

الباجي قائد السبسي: في الحقيقة، لم نسترجع الأموال المنهوبة من سويسرا فقط، وإنما من جميع الدول. وما يجب التأكيد عليه في هذا السياق أن سويسرا بذلت جهودا من أجل مساعدة تونس، وسنوقع خلال هذه الزيارة على اتفاقية حول كيفية التعاون لمعالجة ملف الأموال المجمدة في سويسرا. نحن نعلم أن الدولة السويسرية وجدت صعوبة قانونية لمساعدتنا على فض هذا الإشكال، ويعود ذلك إلى الخصوصية القانونية للبنوك السويسرية. كما أن الدولة التي تطالب باسترجاع أموالها مدعوة بأن تؤكد ما يثبت ذلك، فقانون المصادرة الذي أنجزته تونس غير كاف وإنما يجب أن تصدر أحكام قاطعة تؤكد انتقال الملكية من الأفراد الذين تتم ملاحقتهم وأنها أصبحت ملكا للدولة، وهو ما يستوجب القيام بقضايا لدى المحاكم مما يتطلب وقتا طويلا.

swissinfo.ch: على إثر الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها تونس العام الماضي، تلقى القطاع السياحي ضربة مُؤلمة وتراجع إقبال السويسريين على زيارة بلادكم بعد أن وصل عددهم في عام 2010 إلى حوالي 100 ألف سائح. ما هي رسالتك إليهم اليوم؟

الباجي قائد السبسي: يجب الإقرار بأن عودة السائحين الغربيين وغيرهم مرهونة بالإستقرار السياسي والأمني. الأمن في تونس مستتب، لكن من حين لآخر تهب عاصفة تعطي انطباعا مغايرا. فالإرهابيون يتعمدون توجيه ضربات مؤلمة لأهدافنا الحيوية. وفي هذا السياق، تعمدوا استهداف السائحين الأجانب. من جهتنا نحن مصرون على الإستمرار في مواجهة الإرهاب ودفع ضريبة الدم. ورغم التقدم الذي تحقق على الميدان، لا نستطيع القول بأن بلادنا قد أصبحت محصنة ضد الإرهاب، وأنا مؤمن بأن النجاحات التي حققناها في هذا المجال ستساعد مستقبلا على عودة الكثير من السائحين الذين يحبون تونس ويستهويهم جمالها وطيبة شعبها.

swissinfo.ch: يُقدّر عدد أفراد الجالية التونسية المقيمين في سويسرا بعشرين ألف شخص يحمل نصفهم تقريبا الجنسية السويسرية. عمليا، ما الذي يُمكن أن تستفيد منهم تونس حسب رأيك؟ وماذا تقول لهم ؟

الباجي قائد السبسي: أوصيهم بالإلتزام بقوانين البلد الذي فتح أبوابه لهم. وبلادكم تحت تصرفكم، وعلينا جميعا الإعتراف بالجميل للدولة السويسرية التي تعلم جيدا بأن الجالية التونسية مختلفة عن جاليات أخرى عديدة من حيث الإنضباط والمستوى المهني والأخلاقي، وأن التونسيين صالحون للبلد الذي استضافهم. وعليهم ألا ينسوا بلادهم تونس، وأن يساهموا في رفع مستواها الإقتصادي، وإذا كانت لهم القدرة على الإستثمار بها فإننا نرحب بذلك وسيجدون المساعدة والدعم.

×