Navigation

أطفـئوا الأنوار ليلا لنـستطيع تـأمل نجوم السماء!

Keystone

لـم يعـُد الإنسان الحديث ينعمُ برؤية النجوم بعد أن حجـَبـَها بالضـوء الإصطناعي الذي أغرق به المدن والقرى، والذي يـُزعج بـها أيضا الحياة الحيوانية. وفي سياق فعاليات السنة الدولية لعلم الفلك، نظمت بعض أندية هواة الفلك مؤخرا تظاهرة "سماء سوداء" في عدد من مناطق سويسرا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 سبتمبر 2009 - 11:01 يوليو,

رأت عين البشر، أو تخيلت، منذ قديم الزمان أشكالا شتى في السماء؛ حيوانات خرافية وآلهة وأبطالأ. وحتى قبل أن يفهم طبيعة النجوم، كان الإنسان يعلم أنها ذات ألوان مختلفة، وأن الكواكب تتبع مسارات معقدة. فالقدامى كانوا ينظرون إلى مجرة درب التبانة على أنها قطرات حليب تدفقت من ثدي الزهرة – ومن هنا جاء اسم الكوكب.

في عام 1992، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، يونسكو، "السماء المظلمة" تراثا عالميا للبشرية. ولكن، من يزال قادرا – حتى دون معرفة اسمها – على التمييز بين فيغا، والنسر الطائر، وبرج الجبار، والمرأة المسلسلة، والجوزاء، أو البجعة؟

فبسبب كمية الأضواء الهائلة التي يوجهها الإنسان المعاصر نحو السماء، لم تعد هذه الأخيرة تظهر سوى على شكل هالة صفراء تنبعث منها فقط أشد النجوم لمعانا – عشرون في أفضل الأحوال – بينما يمكننا رؤية 3000 منها إذا كان الظلام حالكا.

شعراء محبطون.. وفلكيون منفيون

"جميعُ أسلافنا استطاعوا رؤية النجوم، والآن لم نعد نراها لأن التلوث الضوئـي يحرم الشاعر من مصدر إلهام يعود لآلاف السنين، لكنها أيضا خسارة للجميع". هكذا يتحسر أرنو زوفْري (Arnaud Zufferey) الذي كان أحد المبادرين بإنشاء الفرع السويسري لجمعية "سماء مظلمة" (Dark-Sky).

هذا الاختفاء الظاهري للنجوم، والذي يحبط عشاق تأمل السماء، يتحول إلى مشكلة حقيقية بالنسبة لأولئك الذين اعتادوا على رؤية النجوم من خلال المقراب (التلسكوب)، والذين أصبحوا يواجهون صعوبات متزايدة في تأملها حتى باستخدام تلك الآلة التي تتيح تجميع الضوء لرؤية الكواكب والنجوم البعيدة.

وبات الفلكيون الهواة والمحترفون يبحثون عن السماء السوداء في مناطق أبعد ثم أبعد. وإذا كانت الجبال قد تحولت إلى ملاذ للفئة الأولى، فإن الفئة الثانية غادرت منذ زمن طويل القباب الفلكية المقامة بالقرب من الجامعات، ولن يتبقى لها قريبا سوى جزر (الكاناري وهاواي) ومرتفعات شيلي، أو... الفضاء.

"يحبون الضوء لدرجة الموت"

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد: فإذا كان الضوء الاصطناعي يزعج نوم الإنسان وربما أيضا العديد من الوظائف الحيوية لدى البشر، فإن له تأثيرات مدمرة بالتأكيد على بعض الحيوانات، وخاصة الحشرات.

هذا الاستنتاج كان بداية اهتمام أرنو زوفري بهذه المشكلة أثناء متابعة دراسته في علم الأحياء. وبعد حصوله لاحقا على شهادة الماجستير في البيئة، أصبح أحد المتخصصين السويسريين القلائل في التلوث الضوئي.

ويوضح في هذا السياق أن "مصابيح الإنارة في الشوارع تثير الحشرات الليلية التي إما تقضي الليل كله وهي تدور حول الضوء إلى أن تموت نتيجة الإرهاق، أو تُلتــَهم في نهاية المطاف، خاصة من قبل الخفافيش التي اعتادت على اقتناص (الفريسة) حول المصابيح".

مصدر تلوث إضافي

ولهذه المذبحة الحقيقية للحشرات (بحيث أن الضوء الاصطناعي يُعتبر ثاني سبب للوفيات في صفوفها) تنضاف الاضطرابات التي شهدتها هجرة الطيور وتكاثر البرمائيات والأسماك، وحتى نمو النباتات التي ليست "مبرمجة" لتلقي الضوء على مدار 24 ساعة.

ويقول أرنو زوفري في هذا الصدد: "بالطبع، لا ينبغي عزل التلوث الضوئي عن (مصادر التلوث) الأخرى، فهو يضاف إلى الضوضاء وتلوث الهواء والماء، وإلى تدمير الموائل الطبيعية، والتحضر المتزايد. كل عوامل الإجهاد هذه تجتمع لتؤدي إلى تراجع شامل للتنوع البيولوجي".

لكن التلوث الضوئي يتميز بشيء واحد عن غيره من أنواع التلوث، إذ يكفي الضغط على زر الإطفاء ليختفي تماما.

إمكانيات التوفير تقدر بـ 15%

ولئن كان الأمر لم يصل بعد إلى اعتماد ذلك الحل، فقد بدأ بعض السياسيين يهتمون بإيجاد مخرج لهذه المشكلة. وقد انتـُخب أرنو زوفري في شهر أكتوبر من العام الماضي عضوا في السلطة التنفيذية لمدينته "سيير" (Sierre) التي يسكنها 15000 نسمة وسط كانتون فالي.

ويتكلف زوفري داخل المجلس بقضايا التنمية المستدامة وبالسهر على ترسيخ التوجه البيئي لبلديته التي تحظى منذ بضعة أعوام بالتسمية الأوروبية "مدينة الطاقة"، التي تحملها أيضا زهاء 170 من البلديات السويسرية.

ويقول أرنو زوفري: "في مدينة مثل مدينتا، 90% من الإضاءة الليلية عمومية، ولا تمثل العلامات التجارية، ولئن كانت مرئية بقدر كبير، المشكلة الرئيسية".

وبالتالي فإن المجهودات الهادفة إلى توفير الطاقة يجب أن تتركز بشكل أكبر على إضاءة الشوارع والمعالم الأثرية، والتي مازالت تمثل اليوم 30% من فاتورة كهرباء مدينة مثل "سيير". ويظل زوفري على قناعة بأنه يمكن توفير النصف، أي خفض فاتورة الكهرباء الإجمالية بنسبة 15%.

كيف؟ أولا، باعتماد السلوك الأمثل، أي باستبدال الكرات التي تضيء السماء قبل الأرض لتحل محلها مصابيح عاكسة للضوء (باتجاه الأسفل)، وبالكف عن إنارة المعالم من الأسفل إلى الأعلى، بل من الأعلى إلى الأسفل، وباستبدال المصابيح القديمة بنماذج أقل استهلاكا للطاقة.

لا يتعلق الأمر إذن بالعودة إلى المدن المظلمة التي كانت شوارعها تثير الرعب والفزع قبل 100 عام، ولكن فقط توفير الإنارة حيثما كان ذلك ضروريا، وأيضا إطفاء الضوء في الأماكن والأوقات التي تتوقف فيها حركة المارة. أضف إلى ذلك أن الإنارة العقلانية والعصرية تضفي على المدن طابعا مميزا أكثر من الأضواء المفرطة.

الأمور بصدد التغـيير

ويحكي أرنو زوفري: "قبل ثلاثة أعوام، طلبت من جمعية "مدن الطاقة" إن كانت تريد القيام بشيء من أجل الإنارة العمومية. فأجابوني باختصار بأن هذا الأمر يمثل آخر انشغالاتهم، وأن هنالك المزيد من إمكانيات التوفير في المباني".

واستطرد قائلا: "لكن منذ ذلك الحين، حصلنا على أرقام توضح جيدا أن الأمر يتجاوز بالفعل ما كنا نتصور. وقد نظمت الجمعية حلقة دراسية أولى حول الإنارة العامة، وتحولت هذه الأخيرة الآن إلى موضوع سيحظى بمتابعة متزايدة".

ويذكر أن مدينتي زيورخ وجنيف اعتمدتا بالفعل "برنامج الإنارة" الخاص بهما، فيما تفكر لوزان في الحذو حذوهما. وعلى المستوى الأوروبي، تُعتبر سلوفينيا أول بلد سنّ قانونا خاصا بالإنارة العمومية، فيما يجري الحديث عن المسألة في أنحاء مختلفة من أوروبا.

ويختتم أرنو زوفري بالقول: "ولئن كنا لا نلمس بعد التأثيرات، إلا أنني أعتقد أن التغيير بدأ بالفعل".

مارك-أندري ميزري - swissinfo.ch

(ترجمته من الفرنسية وعالجته: إصلاح بخات)

سماء سوداء

في إطار السنة الدولية لعلم الفلك، دعي الجمهور يوم السبت 12 سبتمبر 2009، في أنحاء مختلفة من سويسرا، خاصة في المناطق الروماندية (المتحدثة بالفرنسية) إلى اكتشاف روائع السماء.

ونظمت أمسيات تأمل السماء في جنيف، وسانت-إيميي (في مناطق جورا التابعة لكانتون برن)، وأربا (كانتون فالي)، وفوفي وإيفيردون-لي-بان، ومورج (كانتون فو)، وكياسو (كانتون تيتشينو)، وتسوغ الذي استضاف اليوم السويسري لعلم الفلك.

وقد وافقت السلطات المحلية في كل من سانت إيميي وإيفيردون على أن تطفئ مؤقتا كافة الأضواء العمومية أو جزء منها لتتيح رؤية سماء سوداء حقا.

End of insertion

مثال بلدية "كولدريريو"

تقع هذه البلدية الصغيرة التي يسكنها 2600 نسمة جنوب كانتون تيتشينو الناطق باللغة الإيطالية جنوب سويسرا، وقد انخرطت في السنوات الأخيرة بنشاط في مساعي تعزيز التنمية المستدامة.

في مجال الإنارة العمومية، أقدمت البلدية على استبدال جميع المصابيح القديمة بمصابيح حديثة أقل استهلاكا للطاقة، فيما أقرت إطفاء الإنارة الخاصة بالإعلانات والمباني من منتصف الليل حتى الفجر.

وبفضل هذه المبادرة وتحركات أخرى، تسلمت كولدريريو جائزة "الوات الذهبي" لعام 2008، فئة "مجتمع"، التي يمنحها المكتب الفدرالي للطاقة، لمكافأة أفضل أداء في مجال توفير الطاقة.

End of insertion

تبذيــر لا يُستهان به

ما هي إمكانيات التوفير في مجال الإنارة الليلية؟ لازال هذا السؤال بدون جواب، لاسيما في ظل اختلاف مصادر الضوء والحلول التقنية والسياسية.

أكد النائب الاشتراكي ستيفان روسيني، في مذكرة برلمانية تقدم بها العام الماضي، واستنادا إلى إحصائيات رسمية، أن الإضاءة الليلية تستهلك كل سنة في سويسرا حوالي 470 جيغاوات ساعة، أي ما يعادل 15% من إجمالي استهلاك الكهرباء في البلاد.

ووفقا لصاحب المذكرة البرلمانية، قد يتيح اتخاذ إجراءات مناسبة خفض هذا الاستهلاك إلى النصف.

ولم يناقش البرلمان الفدرالي بعد هذه المذكرة، لكن الحكومة - رغم مساندتها للفكرة - اقترحت رفض المذكرة لسبب رسمي: في سويسرا، تعود الصلاحية للكانتونات والبلديات في هذه المسائل.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.