لماذا يتوجّس السويسريون من الإسلام؟

بعد أن ظل تناول ملف"الإسلام في سويسرا" لسنوات طويلة حكرا على وسائل الإعلام، أصبح محط اهتمام وأنظار الباحثين في الجامعات السويسرية، مثلما هو الحال هنا، حيث ينظّم المركز السويسري "الإسلام والمجتمع" يوميا دراسيا حول كيفية مواجهة التشدد والتطرّف. CSIS
هذا المحتوى تم نشره يوم 24 يوليو 2020 - 10:56 يوليو,

مفاجأة بالنسبة للبعض، أمر متوقّع ومنتظر بالنسبة للبعض الآخر. كشفت دراسة أجريت حديثا أن الإسلام هو الديانة التي تحظى بالنقاش الأوسع وتثير المخاوف الأكبر مقارنة ببقية الديانات والمعتقدات في سويسرا. كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة، على الرغم من أن المسلمين أقلية في هذا البلد؟

طرحنا هذا السؤال وقضايا أخرى على علاقة بالحضور الإسلامي في سويسرا على أمير الجزيري، أستاذ أوّل للثقافة الإسلامية ومدير المركز السويسري "الإسلام والمجتمع" بجامعة فريبورغ.

بالنسبة لهذا الخبير، الذي ولد في تونس، ونشأ في ألمانيا، ويعمل حاليا في سويسرا "من المنطقي أن تسلّط أضواء وسائل الإعلام على هذه الديانة، وهذه عملية عادية. فوجود أشخاص يعتنقون الدين الإسلامي في سويسرا ظاهرة حديثة نسبيا، وبالتالي هناك عملية أخذ وعطاء ونقاش". كما أن هذا الجدل برأيه "دليل على قيام تجربة عيش مشترك، وقيام دينامية للتعارف".

وفي ما يلي نص الحوار كاملا.

swissinfo.ch: توجد فكرة شائعة في سويسرا بأن الديانة الإسلامية تشكّل عائقا امام التعايش والتفاهم بين مختلف مكوّنات المجتمع. ما حقيقة الوضع في الواقع اليومي؟

أمير الجزيري: من حين لآخر تحدث بعض النزاعات بسبب قضايا ذات علاقة بالقيم الدينية، ولكن في الحياة اليومية، في العموم، تسير الأمور بطريقة هادئة ومعقولة. فأغلبية الشبان المسلمين لا يرون أي تناقض بين هويتهم السويسرية وانتمائهم للديانة الإسلامية. ويجدون من الطبيعي جدا تمثّل هذه الهوية السويسرية الإسلامية، والتي أجدها تجربة ثرية. تظل العديد من النقاشات حول تضارب القيم مسائل نظرية بحتة، ولكن إذا نظرنا عن كثب في ما يحدث في الحياة اليوميّة، نلاحظ وجود مشاكل أقل. صحيح توجد في بعض الأحيان صراعات حقيقية: كأن يصرّ البعض على ارتداء ما يعتبره "ملابس دينية" أو على ممارسة ما يبدو له من صميم حقه في ممارسة حرية المعتقد. من الضروري كل مرة تحليل أبعاد هذا السلوك أو ذاك واستحضار توقعات كل طرف في ذلك الصراع للتوصّل إلى حلول عملية مرضية للجميع. من ناحية أخرى، يوجد نوع من الخوف، في أغلب الأحيان، ذو طابع تجريدي، يتجلى على سبيل المثال من خلال المناقشات على منصات التواصل الاجتماعي. وفي الغالب يتعارض هذا الخوف مع حقيقة أن غالبية فئات المجتمع يعيشون مع بعضهم البعض بطريقة محترمة.  

الأديان في سويسرا 

خلال العقود الأربعة الأخيرة، تغيّر المشهد الديني في سويسرا نسبيا. فبينما تراجع بشكل كبير عدد أتباع الديانة البروتستانتية، ارتفع بشكل ملحوظ عدد الذين يعتبرون أنفسهم من دون أي انتماء ديني.

وبين 2010 و2018، تراجعت نسبة أتباع الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية بنسبة 3%و5% على التوالي. في المقابل، زادت نسبة المسلمين بمقدار 1%. وأما نسبة اليهود فظلت على حالها، في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة الأشخاص الذين هم من دون انتماء ديني بحوالي 8%.

المصدر: المكتب الفدرالي للإحصاء

End of insertion

swissinfo.ch: بعض ثوابت الديانة الإسلامية "تتعارض مع قيم سويسرا"، تؤكّد بعض الأوساط ذات الميول السياسية اليمينية. ما رأيك؟

أمير الجزيري: يوجد ميل في أغلب الأحيان إلى ربط أحداث تقع في أماكن مختلفة من الكرة الأرضية (في باكستان وإندونيسيا وبلدان الشرق الأوسط،...) مع بعضها البعض، ويتوصّل المرء إلى نتيجة  كونها "حدثت بسبب الإسلام"، ثم يذهب في الاستنتاج خطوة أخرى، ويقول "في سويسرا، لدينا أشخاص يعتنقون هذا الدين، إذن، هم المسؤولون عما حدث". الامر ليس بهذه البساطة. عليك أن تتعرّف على الأشخاص أوّلا لكي تعرف رأيهم". وحتى لو نظرنا بشكل عام إلى العالم، سنرى بأن طريقة فهم الإسلام، والقيم المنبثقة عن هذه القراءة في المملكة العربية السعودية ليست هي نفسها في إندونيسيا، أو في البلدان المغاربية، ناهيك عن منطقة البلقان وأوروبا عموما. وما نتعلمه من التجربة التاريخية للإسلام هو أنه دين قادر على التكيّف مع السياق الثقافي المحلّي في كل مرة. وبالتالي سوف يكون هناك إسلام يعبّر عن تجربة المسلمين في أوروبا. لنأخذ مثلا مسألة المساواة بين الرجال والنساء. في كل مرة نجد أنفسنا أمام نفس خارطة المواقف: المحافظون من جهة، والتقدميون من جهة أخرى. وفي كل مرة يجب أن نسأل السؤال التالي: هل خيارات الناس نتيجة فهم معيّن للدين، أم أن الأمر يتعلّق بمنظور ثقافي أو حتى خيار فردي؟ في الواقع، هناك تنوّع كبير في مواقف المسلمين من هذه القضية. ويصدق هذا على جميع المجتمعات وجميع الطوائف.

ولد أمير الجزيري في تونس سنة 1984 ونشأ في ألمانيا. خبير في مجال التاريخ الفكري للإسلام في سياق التحديات المعاصرة. منذ عام 2011 وحتى عام 2017، ساهم بفعالية في التطوير المؤسسي والمهني لمركز اللاهوت الإسلامي في جامعة مونستر بألمانيا. ومنذ عام 2017، تم تعيينه أستاذا أوّلا للدراسات الإسلامية في سويسرا ومديرا للمركز السويسري "الإسلام والمجتمع" بجامعة فريبورغ. وفي مجال الحوار بين الأديان، شارك منذ عام 2010 في إطار المنتدى اللاهوتي المسيحي- الإسلامي، الذي أنشأ في الأكاديمية الكاثوليكية لأبرشية روتنبورغ شتوتغارت (ألمانيا) ويساهم بانتظام في المنشورات العلمية حول القضايا المتعلقة بالإسلام في أوروبا. Amir Dziri

swissinfo.ch: كيف يجب على سويسرا إدارة هذا التنوّع الذي يمثّل مشكلة بالنسبة لمجموعة مؤثرة من السكان في هذا البلد؟

أمير الجزيري: عندما نتحدث عن السويسريين، نحن نتحدث أيضا عن المسلمين لأنهم جزء لا يتجزأ من السكان. والكثير من هؤلاء هم أشخاص وُلدوا هنا وعاشوا كل مراحل حياتهم على هذه الأرض كسويسريين وكمسلمين، رجالا كانوا أم نساءً. هناك شباب مسلمون يرفضون على سبيل المثال دعوات العنف، ويرفضون الاقتداء بالإئمة الذين يشيعون الكراهية، ومن المهم أن نترك المبادرة لهؤلاء الشبان  ونشجّعهم لكي يتحمّلوا المسؤولية في محاربة التطرّف والعنف، لأنهم يلتزمون بقيم التعايش المشترك، من دون أن يكونوا مجبرين على مخالفة معتقداتهم ودينهم. إنها عملية طويلة تحتاج إلى وقت، ولا تتحقق إلا عبر أجيال متعاقبة. أنا أعمل مع شبان سويسريين مسلمين يشاركون بنشاط وحيوية في المجتمع ويبذلون في نفس الوقت جهودا لفهم مقتضيات انتمائهم الديني في سياق سويسري وأوروبي. إنهم يعارضون أي سلوك يمكن أن يضر بالتعايش وبوحدة المجتمع السويسري.  

swissinfo.ch: مع ذلك، الخوف من التطرّف الديني يثير قلق لدى السويسريين، وعدد الشباب الملتحقين بالمنظمات الإرهابية يتزايد... لماذا لم تنجح سويسرا في السيطرة هذه الظاهرة؟

المركز السويسري "الإسلام والمجتمع"

هو مركز خبرة واختصاص بجامعة فريبورغ (غرب سويسرا) يعالج القضايا المعاصرة ذات العلاقة بالإسلام في سويسرا. ويهدف المركز إلى المساهمة، من خلال أنشطته، في إنجاح العيش المشترك في كنف مجتمع متعدد، من خلال طرح القضايا المركزية حول التفسير الذاتي الديني للمسلمين وتطوير حلول تبعا لذلك لمواجهة التحديات المجتمعية.

وبصفته معهدا تابعا للعديد من الكليات هي كليات اللاهوت والقانون والآداب بجامعة فريبورغ، فإن مركز "الإسلام والمجتمع" يكرّس جهوده للبحث وتدريب الأجيال القادمة، وتكوين المختصين في مجال الإسلام والمجتمع. ويتعاون في ذلك مع جامعات مختلفة في سويسرا وخارجها. وبدأ المركز نشاطه في يناير 2015، وهو مدعوم من قبل أمانة الدولة للتدريب والبحث والابتكار (SEFRI).

وفضلا عن ذلك، يقدم خبراء المركز دورات في التعليم المستمر خارج سويسرا أيضا وجاهزون لتقديم المشورة. بالإضافة إلى ذلك، يمتلك المركز شبكة واسعة من المهنيين ويمكنه تقديم المشورة العلمية أو القيام باستشارات أو تقييمات في مجال الإسلام والمجتمع في سويسرا.

End of insertion

 أمير الجزيري: مع اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، وخاصة بين عامي 2014 و2017، كان هناك عدد من الشبان المسلمين الذين غادروا سويسرا، من وجهة نظرهم للمشاركة في "الجهاد". حاليا. توقّف هذا العدد عن الارتفاع. ومع ذلك، من الواضح أن التفسير الأصولي للدين سيظل يشكل تحديا على الدوام. وبالنسبة لأي جيل جديد، سيكون هناك دائما أولئك الذين يفتنون بالتفسيرات الأصولية للإسلام، ولذلك يجب علينا أن نكون دائما متيقظين، وأن نستمع إلى الشباب على وجه الخصوص للتأكّد من أنهم لن ينجذبوا إلى هذا النوع من القراءة، أو أن يتأثّروا بأي شخص يشيع الكراهية ويدافع عن التطرّف. ويجب أن نقدّم للشباب بدائل إيجابية وقراءات شاملة، ومكانا لهم في المجتمع. اليوم هناك حاجة ماسة لإنشاء تكوين ديني يعتمد على معرفة وخبرة المسلمين الذين يعيشون في أوروبا، والذي يلبي توقعاتهم ويتوافق مع سياقهم الثقافي. هذا ما هو بصدد الحدوث في العديد من البلدان الأوروبية، وهو نفس النهج الذي نتبعه في "الدراسات اللاهوتية الإسلامية" المعتمدة في جامعة فريبورغ الواقعة غرب سويسرا.

swissinfo.ch: بعض الأئمة متهمون بنشر الكراهية. هل المساجد في سويسرا واقعة تحت سيطرة المتطرفين والأصوليين؟

أمير الجزيري: كقاعدة عامة، أغلب مكوّنات الوجود الإسلامي في سويسرا منخرطة بشكل مكثّف في تمشّي الانفتاح تجاه المجتمع وجميع سكان البلاد. كما تبذل هذه المكوّنات جهودا كبيرة لكي تكون أكثر حضورا وشفافية. صحيح هناك عدد قليل من الإئمة الذين يرون بأنه من غير الممكن حدوث توافق بين الهوية الإسلامية والحياة في مجتمع تعددي. عدم وجود تكوين موحّد لكل من يريد تولي وظيفة الإمامة أيضا يشكّل تحديا. وفي كثير من الأحيان لا يجد الإئمة القادمون من الخارج فرصة لبدء عملية تصحيح ما سبق أن تعلموه من أجل تكييفه مع أوضاع الأقلية المسلمة في سويسرا.

مرة أخرى يجب الإشارة إلى أن الحالات المذكورة في وسائل الإعلام تظل إستثناءات محدودة. في السنوات الأخيرة، كانت هناك حالتان أو ثلاث في كامل أنحاء سويسرا. وأوّل المؤسسات التي عبّرت عن رفضها لما أتاهوا أولئك الإئمة كانت المنظمات الإسلامية. فقد أبرزت هذه الأخيرة استيائها من هؤلاء الإئمة ونأى المسلمون بأنفسهم عن قراءات وخطب أولئك الأئمة التي اعتبرها أغلب المسلمين غير مقبولة.   

من ناحية أخرى، وإلى حد ما، المجتمع مدعو للتفاعل إيجابيا مع الانخراط الكبير لمكونات الأقلية المسلمة واسهاماتها من أجل مجتمع مزدهر ومنفتح على جميع مكوّناته. ومن مصلحة الجميع، أن تشعر مكوّنات هذه الأقلية الملتزمة بالتماسك الاجتماعي بأنها راسخة الأقدام في بيئتها المحلية، وأن ينظر إليها على أنها جزء لا يتجزأ من المجتمع.

swissinfo.ch: تستنكر وسائل الإعلام السويسرية غياب الشفافية في تمويل المساجد. بل هناك حديث عن تبعية بعض المساجد لبلدان أجنبية. من يختفي وراء الجمعيات والمؤسسات التي تدير المساجد في سويسرا؟

أمير الجزيري: بشكل عام، تحاول غالبية المراكز الاسلامية في سويسرا تمويل أنشطتها من خلال تبرعات أعضائها وروادها. ومع ذلك، لوحظ، خاصة قبل انتشار وباء كوفيد-19 وجود بعض البلدان من منطقة الشرق الأوسط التي تعرض تمويلات، تهدف من ورائها إلى ممارسة تأثير على الأقليات المسلمة، وهذا ليس في سويسرا فقط بل كذلك في العديد من البلدان الأوروبية الأخرى. وبشكل أساسي يوجد تنافس بين هذه البلدان التي تقدم تمويلات، من أجل تعزيز تفسيرها الخاص، وربما الوطني حصريا للإسلام. أما التمويلات التي تقدمها بعض المنظمات الأجنبية، فهي ممارسة تقوم بها العديد من البلدان لدعم المجتمعات الدينية في جميع أنحاء العالم.  وفي مواجهة هذا الوضع، يبدو أن أهم شيء هو تعزيز الشفافية. وإذا ما اتجهت الإرادة السياسية إلى تقييد هذه الإعانات المالية من الخارج، يجب أن تتاح للمؤسسات الممثلة لمصالح المسلمين في سويسرا إمكانيات أخرى من أجل الحفاظ على أنشطتها. 

swissinfo.ch: من أجل حل جميع هذه الإشكالات، هل تؤيّد الاعتراف القانوني بالمنظمات الإسلامية؟

أمير الجزيري: في اعتقادي، هذا الاعتراف إذا ما حصل، يمكن أن يعزّز عملية تطبيع حياة المسلمين في سويسرا، وهي حياة بصدد التجذّر والتطوّر في الواقع، ولا تحتاج إلا إلى إطار قانوني. لكن من ناحية أخرى، أعتقد أن هذا الاعتراف لن يضمن القبول المجتمعي بهذه الأقلية تلقائيا وبشكل آلي، لأنه وفق الفهم الديمقراطي في سويسرا، أي تماسك وانسجام يتطلّب أولا التقاءً وتفاعلا على المستوى الاجتماعي.

مشاركة