تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"العقيد لطفي".. الإنسان والمجاهد والسياسي كما تراه ابنته "شهيدة"



صورة التقطت في منتصف الخمسينات للعقيد لطفي، قائد المنطقة الخامسة أثناء ثورة التحرير الجزائرية. (المصدر: الكتاب الذي ألفته عنه ابنته شهيدة)

صورة التقطت في منتصف الخمسينات للعقيد لطفي، قائد المنطقة الخامسة أثناء ثورة التحرير الجزائرية. (المصدر: الكتاب الذي ألفته عنه ابنته شهيدة)

في كتابها "لطفي، الإنسان قبل الرمز" تسلط كريمته "شهيدة" الضوء على العديد من أوجه حياته كإنسان وأديب وثوري ومنظر لمستقبل الجزائر بعد الإستقلال، كما تثير بعض التساؤلات عن الغموض الذي أحاط بظروف مقتله وأسباب التهميش لدوره في كتب تاريخ الجزائر اليوم، وترى في كتابها "محاولة للتصحيح".

من يصادف اسم العقيد لطفي من أبناء الجزائر أو من الذين تعاطفوا في حقبتي الخمسينات والستينات مع ثورة التحرير الجزائرية، سوف لن يتعدى به الأمر معرفة أن هذا الرجل كان من قادة الثورة الجزائرية وأن اسمه يُطلق اليوم على بعض ساحات وشوارع ومدارس وثانويات جزائر الإستقلال.

وقبل أسابيع من احتفال الجزائر بمرور 56 عاما على اندلاع ثورتها التحريرية في غرة نوفمبر 1954، قررت ابنته "شهيدة" وعائلتها تسليط الأضواء عليه من خلال كتاب "لطفي الإنسان قبل الرمز" اعتمدت فيه مؤلفته على ما خلفه والدها من وثائق مكتوبة (وهو أمر نادر في تاريخ قادة الثورة الجزائرية) من أجل التعريف بباقي الجوانب التي طبعت شخصية هذا الشاب المثقف الذي التحق بحرب التحرير الجزائرية، وأصبح قائدا للمنطقة الخامسة ثم استشهد وهو يُكافح من أجل استقلال بلاده عن فرنسا وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين من العمر في ظروف غامضة لا زالت تحتاج إلى توضيح حتى يوم الناس هذا.

لطفي الإنسان والأديب

بحضور أفراد عائلتها (والدتها وشقيقها لطفي) نظمت "شهيدة"، كريمة العقيد لطفي يوم 8 أكتوبر 2010 ندوة بالمكتبة العربية الزيتونة بمدينة جنيف أوضحت فيها الأسباب التي دفعتها لتأليف هذا الكتاب عن والدها الذي لم تره حيث توفي قبل سبعة أشهر من تاريخ ولادتها.

وإذا كان القسم الأكبر من الكتاب الذي جاء في 88 صفحة قد خصص للحديث عن الخصال الإنسانية لوالد من منظور ابنة لا تُخفي ألمها من الحرمان من معرفته، فإنه كشف ايضا عن العديد من الجوانب النضالية والمواقف التي تتسم ببعد النظر بالنسبة لمستقبل الجزائر في فترة كانت الثورة الجزائرية تمر فيه بأصعب مراحلها.

فقد تحدثت شهيدة عن ولادة والدها دغين بودغين بن علي في 5 مايو 1934 في مدينة تلمسان غربي الجزائر المعروفة بـ "غرناطة شمال أفريقيا"، وأسهبت في وصف نشأته وعلاقته بأصدقائه وبأفراد العائلة.

كما تطرقت إلى نزعته الأدبية وتعلقه بأدباء ومفكرين طبعوا زمانهم من أمثال سانت أوغيستان وكورناي وراسين. وتأثره أيضا، بحكم تقافته المزدوجة وإتقانه للغة العربية، بأعلام الأدب والفكر العربي من أمثال جبران خليل جبران وابن سينا لحد أنه اختار اسمه الحركي "العقيد لطفي" لتأثره بأشعار ومؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي.

وقد كان هذا الجانب الأدبي والفكري لدى "العقيد لطفي" سببا في تركه لعدد من المخطوطات والوثائق الثمينة التي تعكس العديد من الحقائق عن واقع الكفاح المسلح وأوضاع الجزائر وسكانها في تلك الفترة القصيرة التي عاشها إلى أن استشهد في 27 مارس 1960 عن عمر يناهز 26 عاما.

لغز مقتل القائد

التحق لطفي بالثورة الجزائرية في 17 أكتوبر عام 1955 بمحض إرادته. وهذا التطوع من قبل شاب من عائلة متوسطة للالتحاق بالثورة ، يُقال أنه أثار استغراب من كانوا يرافقونه للالتحاق بالجبل.

تولي المجاهد لطفي العديد من المهام في منطقة تلمسان منها تنظيم خلايا الفدائيين، والقيام بهجمات متكررة على ثكنات الجيش الاستعماري ومرافقه الحيوية. وعند التحاقه بزعيم آخر للثورة الجزائرية هو عبد الحفيظ بوصوف، كلفه هذا الأخير بتنظيم المقاومة في المناطق الصحراوية. وفي عام 1957 رقي الى رتبة رائد قبل أن يتولى قيادة الولاية الخامسة ويرقى الى رتبة عقيد.

وعندما شددت القوات الاستعمارية الخناق على الثورة الجزائرية وعززت مراقبتها لنقاط العبور الحدودية مع المغرب بتفعيل ما سمي بحاجز " شال" بين المغرب والجزائر، وحاجز "موريس" بين تونس والجزائر لمنع تدفق الأسلحة والمقاتلين، انسحب العقيد لطفي إلى داخل الأراضي المغربية وأقام لفترة في منطقة وجدة.

ولكن هذا الغياب عن الساحة أثر فيه، فقرر العودة رغم التحذيرات سالكا ممرا على الحدود المغربية الجزائرية يقع في منطقة جبل بشار. وأثناء هذه العودة تعرض لكمين وقتل بصحبة أحد أوثق مساعديه الرائد فراج.

وقد استحوذت هذه التساؤلات عن ظروف استشهاد العقيد لطفي على قسم هام من الكتاب، وتقول ابنته شهيدة: "لقد قرر والدي رغم كل التحذيرات ورغم الظروف السائدة العودة للوقوف الى جانب جنوده من أجل دفع الثورة الى الأمام. وقد قرر العودة عبر منطقة جبل بشار التي يعرفها جيدا ويثق في سكانها. ولكن من حقنا أن نتساءل هل ذهب ضحية خيانة ما؟ هذا التساؤل لا زال قائما ولنا أمل في معرفة الجواب في يوم من الأيام".

أما الصحفي السويسري السابق شارل هنري فافرو، الخبير في تاريخ الثورة الجزائرية وأول من ربط الإتصال، بطلب فرنسي، بين الحكومة الفرنسية والحكومة الجزائرية في المنفى من أجل عقد مفاوضات إيفيان التي أدت لاحقا إلى الاستقلال، والذي حرص على حضور تقديم كتاب العقيد لطفي رغم تدهور أوضاعه الصحية، فيتذكر قائلا: "إن مقتل العقيد لطفي تم في فترة عصيبة بالنسبة للكفاح المسلح الجزائري. إذ أن فرنسا كرست أكثر من ذي قبل كل الوسائل من أجل إنهاء المقاومة المسلحة والقضاء بالقوة على معاقلها ووضع حد لعبور الحدود. وهي الفترة التي شرعت فيها جبهة التحرير في تسجيل الانتصارات على المستوى الخارجي لحد أنها خلقت وضعية غير عادية تمثلت في وجود أبطال وقادة متشبعين بروح ثورة التحرير ومعزولين في مناطق بالداخل، وبنية دولة بدأت تظهر معالمها بالخارج وبدأت تتحرك من أجل القضاء بواسطة جيش الحدود على نفوذ ما تبقى من قوات الداخل. وهذا ما تميز به بناء أسس الدولة الجزائرية لعدة سنوات".

وأضاف شارل هنري فافرو: "لو سألنا لطفي اليوم عما حصل لكان مستاء لما حدث، لأن ما حدث لا يعكس المثل العليا التي وضعها هو ورفاقه لمستقبل الجزائر المستقلة".

وفي تلميح صريح، أوضحت شهيدة لطفي في أحد مقاطع الكتاب "لقد كان يُدرك جيدا الأخطار المحدقة بالجزائر ولكنه لم يكن يرغب في تركها فريسة "للذئاب" كما أورد فرحات عباس (رئيس الحكومة الجزائرية في المنفى) في كتابه "الإستقلال المُصادر". وأضافت "لقد شعر والدي ببداية التهافت على النفوذ حتى قبل تحرير كل مناطق البلاد".

وثائق ومخطوطات مهمة.. إن حسُن استخدامها!

المُميز في كتاب شهيدة لطفي أن مؤلفته استعانت بالعديد من المخطوطات والرسائل التي تركها والدها، ما يُوفـر للباحثين والمؤرخين والمتابعين شهادات حية وموثقة عن مواقف وانطباعات وقرارات زعيم من زعماء الثورة الجزائرية.

بعض هذه الوثائق يكشف جانبا من شخصيته كقوله في إحدى رسائله لزوجته: "لقد لازمني دوما انطباع من أنني ولدت في هذا العالم لأداء مهمة معينة. ولهذا السبب الذي قد يطول شرحه، كان والدي وأصدقائي يجدونني غير عادي ومليئا بالغموض لحد أنني لا أقوى على قول أي شئ مثلما هو الحال الآن. ولكنني مرتاح نفسيا لأنني لم أعـر اهتماما في يوم من الأيام لحكم الناس".

ومما كتبه بخصوص رؤيته لمستقبل الجزائر، قوله: "في جزائر الغد ستكون فرص العمل متاحة للجميع. فبلدنا غني بالثورات التي يجب أن يتم تقاسمها بإنصاف".

وفي خطاب موجه للشبيبة الجزائرية كتب العقيد لطفي: "بما أننا ثوريون، نؤمن بأننا قد نستشهد في يوم الأيام. ولكن هذه التضحية يجب أن لا تذهب سُدى إذ يجب أن يتم تحقيق الأهداف النبيلة التي ضحينا من أجلها. وهذا من واجبكم كشبيبة جزائرية رفع المشعل وضمان تنفيذ القَسَم الذي قطعناه من أجل التضحية في سبيل انتصار بلدنا العزيز".

ولاشك في أن ما يمكن أن يقدم الكثير من الأجوبة عن التساؤلات المطروحة في هذا الكتاب وفي العديد من الكتب التي تناولت تاريخ الثورة الجزائرية، هو ما احتوت عليه وثائق اجتماعات القيادات العسكرية للثورة في تونس والتي عُرفت تاريخيا بـ "اجتماعات العقداء".

هذه الوثائق سلمها العقيد لطفي إلى زوجته بحكم ثقته فيها وكلفها بتسليمها إلى قيادة الأركان في حال عدم عودته. وتقول ابنته شهيدة إن والدتها قامت بتنفيذ ذلك تلبية لرغبة زوجتها، وتضيف "لكن هذه الوثائق لم تر النور شأنها في ذلك شأن باقي الملاحظات التي خطها بيده بحبر أخضر كلون العلم الجزائري".

وفي ختام الندوة التي خُصصت لتقديم الكتاب، لاحظت "شهيدة"، كريمة العقيد لطفي أن "هذا المشعل لم يُنقل كما يجب للشبيبة الجزائرية"، كما أشارت إلى أن كتابها هو "بمثابة سد لنقص في تعريف الشباب الجزائري بحقيقة ثورته وصانعي تلك الثورة بدون تلميع أو رتوش".

قريبا.. تصوير فيلم عن العقيد لطفي؟

في الفترة الأخيرة، بدأ التلفزيون الجزائري والسينما الجزائرية في الإهتمام بتصوير أفلام عن حياة شخصيات لعبت أدوارا محورية في تاريخ ثورة التحرير لكنها ظلت مهمشة حتى اليوم، مثلما لُوحظ في شهر رمضان 2010 حيث تم عرض شريط عن حياة وكفاح الزعيم عبان رمضان.

ومن الأخبار المتداولة هذه الأيام مشروع تصوير فيلم عن حياة العقيد لطفي، حيث تناقلت وسائل إعلام جزائرية نقلا عن صحيفة "الشروق" الجزائرية أخبارا مفادها أن "كاتب السيناريو صالح بخوش حصل على موافقة وزارة المجاهدين لانطلاق تصوير الفيلم الذي يتناول سيرة العقيد دغين بودغين بن علي المعروف باسم العقيد لطفي".

لكن المدهش أنه لم تتم استشارة عائلة العقيد لطفي، حسب تأكيد ابنته شهيدة لـ swissinfo.ch. وحتى بعد استفسار العائلة لدى وزارة المجاهدين، قوبل الطلب في البداية برفض تمكين عائلة العقيد لطفي من الإطلاع على نص السيناريو قبل أن تحصل على وعود بتمكينها من الاطلاع عليه ولكن دون تحديد موعد إلى حد الآن.

والأكيد أن حضور شهيدة لطفي في الدورة الحالية لمعرض الكتاب في الجزائر (من 27 أكتوبر إلى 6 نوفمبر 2010) وإصدار الطبعة العربية للكتاب الذي ألفته بالفرنسية عن سيرة والدها، سيثير النقاش مجددا حول مدى مصداقية كتابة التاريخ في الجزائر.

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×