مغترب في سويسرا: تيدجو كول يصور الصمت

"البلد يتميز بالاستقرار والنظافة و بالغلاء الشديد، وهو مشبع بجمال طبيعي لا ينضب على امتداد البصر. بعد شهرين من الإقامة، أصبحت في حالة ذهول Teju Cole
إيدواردو سيمونتوب إدواردو سيمانتوب

أمضى المصور والكاتب والناقد الأمريكي تيدجو كول فصول الصيف بين عامي 2014 و2019  في سويسرا، لاستكشاف ما هو مرئي وما هو ملموس في المساحات الفارغة المحاطة بالجبال. وكانت باكورة هذه الرحلات كتاب "فرنفيه" Fernweh أو ما يعني "التوق إلى الأماكن البعيدة" باللغة الألمانية - وهو عمل يجد صداه القوي في وقت من العزلة الهائلة. 

التوقيت قد يكون مواتياً إلى أقصى درجة أو غير مواتٍ على الإطلاق؛ فمع نشر كتاب "فرنفيه"، تم في فبراير الماضي اتخاذ إجراءات عزل واسعة النطاق سريعة في جميع الدول الأوروبية تقريباً، بما في ذلك سويسرا، لإبطاء انتشار فيروس كورونا. فجأة، أصبح ما كان من المفترض أن يكون استكشافاً مرئياً وزمنياً لمساحات سويسرا في كل عظمتها الهادئة والصامتة، مرآة مظلمة للواقع الأكثر إلحاحاً.

" لم يعد يهمني تجسيد الناس في صوري، وأصبحت أكثر شغفاً بتلك البصمات البشرية دون وجود بشري. وغدا استخدامي للظلال العميقة أقل وتيرة مما كان عليه في الماضي. لقد توقفت إلى حد كبير عن التصوير الليلي. وعندما بدأت الصوَر تأخذ شكلها، تبلور عندي إدراك أفضل لما ينتمي وما لا ينتمي إليها. كنت أختبر الصور باستمرار، لكنني كنت أيضاً منغمساً في إيقاعات بعض الرسامين وفناني الكولاج وفناني المونتاج الفوتوغرافي: شاردان، ماتيس، روشنبيرغ، ميرتو وموتو. لقد وضعت بعض الصور "الجيدة" جانباً، بنفس الطريقة التي تشطب بها بعض الجمل الجميلة من مسودتك، وتعلمت كيف يجب أن يتبع عدداً من الصور الملتقطة بإحكام، صورة أو صورتان أكثر بساطة وأكثر انشراحاً. إن التأليف، في نهاية المطاف، ليس فقط ما يتم إنشاؤه ولكن أيضاً ما يتم اختياره ". Teju Cole

بدعوة من "دار الأدب" Literaturhaus في زيوريخ لتمضية إقامة فنية في سويسرا، قضى تيدجو كول نصف عام 2014 في السفر والتقاط الصور في جميع أنحاء البلاد، أثناء العمل على مشروع كتاب متعلق بلاغوس، نيجيريا، حيث قضى طفولته. 

لا يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر تناقضاً بالنسبة لكول: "لقد نشأت في بلاد ليس فيها جبال، بالقرب من المستنقعات والبحر، في مدينة حيث كانت المرتفعات الوحيدة هي ناطحات السحاب. كنت معتاداً على حياة المدينة بكل مظاهرها: الحشود، وحركة المرور، والحيوية، والجريمة. لكنني لم أكن أعرف الطبيعة برحابها اللامتناهية، من الطقس القاسي أو التضاريس المثيرة للدوار ". 

يقول كول إنه وخلال إقامته في سويسرا، لم يكن يشعر بالملل على الإطلاق. كونه غريباً تماماً عن هذه البلاد، فقد أحس وكأنه خارج وتيرة الزمن، ووجد في ذلك متعة لا توصف، كما أحس وكأنه يبحر وحيداً حيث اللامكان. من الصعب ترجمة كلمة "فرنفيه": فهي عكس كلمة "هيمفيه" أو "الحنين إلى الوطن" بالألمانية - إنها التوق إلى أن تكون في مكان ما، بعيداً.

"فرنفيه"، "هيمفيه"، بحسب تيدجو كول. 

الكلمة الألمانية للحنين إلى الوطن هي "هيمفيه Heimweh". تقول الأسطورة أن المرتزقة السويسريين ومنذ القرن الخامس عشر، كانوا مشتتين في جميع أنحاء أوروبا لخوض الحروب الخارجية، وكانوا جنوداً أقوياء ولكنهم كانوا عرضة لنقاط ضعف قليلة. نقاط الضعف هذه، كانت حنينهم القوي إلى منازلهم، وتوقهم الشديد إلى العودة إلى كانتوناتهم، وبحيراتها الصافية، وجبالها الشاهقة وقممها التي تحميهم من الأعداء. هذا الشعور، أطلقوا عليه اسم "هيمفيه Heimweh". 

وقد تم علاج هذا الاضطراب النفسي لأول مرة في عام 1688 من قبل طبيب العلاج الفيزيائي السويسري يوهانس هوفر [ملاحظة المحرر: كان هوفر طالب طب فرنسياً، درس في بازل، سويسرا]، والذي أعطاه أيضاً الاسم اليوناني Nostnostalgia "[ملاحظة المحرر: وضع هوفر كلمتين يونانيتين معاً، Nostos وAlgo، لتنبثق الكلمة الجديدة]. وفي أواخر القرن الثامن عشر، دخلت هذه الكلمة معجم اللغة الإنجليزية بمعنى "الحنين إلى الوطن". 

وأصبح لكلمة "هيمفيه Heimweh"، التي تم استيعاب معناها في اللغة الألمانية النموذجية، كلمة مضادة لها هي كلمة، "فرنفيه Fernweh"؛ أي رغبة الابتعاد عن الوطن، أو التوق للتواجد في أماكن نائية. وتحمل كلمة "فرنفيه" معنى حب الترحال ولكنها، مثل كلمة "هيمفيه"، تنطوي على مسحة من الحزن والكآبة.  

ويعود جذر كلمة Wanderlust أو حب الترحال إلى التقاليد الرومانسية الألمانية وترتبط بشكل مباشر بممارسة المشي في الطبيعة. ولنتأمل هنا لوحات كاسبر ديفيد فريدريخ التي قام برسمها بعد أن جال وحيداً في أرجاء المناظر الخلابة، وانصهر مع العظمة والتشابك الهائلين للطبيعة.

ولكن معنى كلمة "فرنفيه" غير دقيق نوعاً ما.  فهي مجرد رغبة تنتاب المرء في أن يكون بعيداً. المقاطع في كلمة "فرنفيه" هي تنهد متلهّف إلى الابتعاد.

End of insertion

وبعد إقامته الأولى، أمضى كول صيف السنوات الخمس التالية في هذه الدولة الغريبة من جبال الألب، وهو على يقين بأن من يرغب في فهم سويسرا، يتوجّب عليه فهم جبالها. 

 أما تأمل المواد التي تم جمعها مسبقاً، فلم تكن لتطرح مشكلة.

تقع سويسرا في مكان ليس عادياً بين طرفين من أطراف منطقة واقعة في موقع مركزي، في مكان ما في هذا العالم، ولكن ليس منه." Teju Cole

كان عبور جبال الألب، عبر الطريق قبل وبعد نفق غوتارد، مغامرة ألهمت وشكّلت تحدياً للعديد من العلماء والفنانين والكتاب الأوروبيين. وهناك صورة مثالية لسويسرا في جميع أنحاء الفنون والأدب الأوروبي، تنتشر في العالم أجمع. فقد كانت سويسرا لعقود من الزمن، الإطار المفضّل للمشاهد الموسيقية الرومانسية في أفلام بوليوود الهندية، على سبيل المثال.  

" وصف بيديكير بحيرة زيورخ، التي لم أتوقع أن تكون بهذا الحجم الكبير، والتي وجدتها نظيفة ورشيقة كالمدينة التي تحمل اسمها، بهذه العبارات: "مناظرها الطبيعية، وإن انتابك شعور بطموحها الخجول إلى العظمة، فإن جمالها لا يضاهيه جمال أي بحيرة أخرى." لكنني وجدت أن بحيرة زيورخ تشبه في جمالها بحيرة برينتز التي تتميز في الصيف بلون فيروزي، ساحر الصفاء، وتحيط بها المنحدرات الخضراء الشاهقة، التي تهدد في فصل الشتاء القرى الصغيرة على طول الشاطئ بانهيارات ثلجية. لقد كانت المشكلة التي صادفتها في الواقع، هي أني كلما كنت أذهب لرؤية بحيرة في سويسرا كنت أجد أنها أجمل بحيرة بين بحيراتها ". Teju Cole

رغم كل اعتزاز سويسرا بتاريخ وطني "عصري" طويل يمتد لأكثر من 700 عام، إلا أنه لا يمكنها تجنب الوقوع في فكرة الآخرين عنها. ويمكن القول إن صنّاع السياحة البريطانية، في القرن التاسع عشر، كانوا أول من وجدوا في سويسرا وجهة غريبة ورخيصة (!) لرواد السياحة من الطبقة المتوسطة البرجوازية المتنامية. أما قبل ذلك، وطوال الفترة الممتدة من القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، فكان السفر إلى سويسرا محط آمال الطبقة الأرستقراطية البريطانية كجزء من رحلة العمر، رحلة عبر قارة أوروبا التي يضطلع بها النبلاء الشباب (وكذلك النساء، مع مرافقيهن)، تكون بمثابة طقس من طقوس الانضمام إلى فئة النخبة المثقفة من السيدات والسادة في العالم. 

"وكنت ألتقط الصوَر أكثر فأكثر، ورأيت نفسي منجذباً إلى الاشارات والمرايا الموضوعة وسط المناظر الطبيعية (ففي سويسرا، هناك مرايا مستطيلة عند العديد من تقاطعات الشوارع تعكس المشهد المرئي من خلفك، وتعلو المشهد المرئي من أمامك) وإلى الخرائط وكرات الإنارة والجبال وكذلك إلى وصور الجبال على الملصقات في الشوارع ولوحات الإعلانات. لاحظت (...) أن بعضاً من الصور التي التقطتها للجبال بدت وكأنها صور فوتوغرافية لصور فوتوغرافية للجبال. ووجدت نفسي مأخوذاً بوميض الفاصل بين الأشياء وصور الأشياء". Teju Cole

لقد ارتقت الدولة إلى مستوى التوقعات كوجهة سياحية - لكنها بالتأكيد ليست الوجهة الأرخص.

ويدرك تيدجو كول من جانبه، الصورة المنسوجة لسويسرا، كما يدرك تاريخها وجغرافيتها. وهو صادق مع نفسه، إذْ يُعرب عن شكوكه فيما إذا كان ما يحاول القيام به وإيصاله، سيؤتي ثماره فكرياً وإبداعياً.

"لم أشعر أبداً بأنني سويسري. ولم أشعر أبداً برغبة في الانتقال للعيش في سويسرا. كانت الجاذبية كلها لها، في هذا البعد وهذه الغربة اللذين يمكن للمرء أن يعوّل عليهما. (...) ووجدت نفسي في وطني، في سويسر ا تحديداً، ربما لأنني لم أكن في وطني. وجعلتْني سعيداً ربما لأنها لم تكن لتسعدني". Teju Cole

ويستخدم كول الصور والنصوص للتوسع في مفاهيم قديمة العهد عن سويسرا. وتظهر أفكاره وتأملاته إلى جانب مجموعة من الصور التي تبدو في الظاهر رتيبة، ولكنه يجعلها تنبض بالحياة. وأياً كان الانطباع الذي يريد إيصاله من خلال عرض مشروعه، فهناك أمر واحد مؤكد: لقد تمكّن تيدجو كول، بدون أدنى شك، من الانضمام إلى نادي الفنانين والمفكرين في العالم الذين يشكلون البطاقات البريدية السويسرية الفكرية، ويحيون في لاوعينا الجماعي.

شهر يوليو من عام 2015، في وقت متأخر من بعد الظهر. في غرفة فندق في زيوريخ. لقد كنت التقط الصوَر خارجاً طوال اليوم، ولكني لم أحصل على صور جيّدة. أنزع غطاء العدسة لأصور بكاميرا كانون Elan 7، نوع كاميرا عاكسة مفردة العدسة S.L.R، خفيفة الوزن وجميلة الشكل، تعود لعام 2000. أقوم بتشغيل الكاميرا على حاملها ثلاثي الأرجل. تغطي واجهة خزانة الملابس المستقلة في الغرفة، صورة لسفينة في بحيرة، وخلفها جبال. إذا قدّر لك أن تستيقظ فجأة اثناء الليل في هذه الغرفة، فسترى تلك البحيرة وقد أضيئت بنور خافت آتٍ من الشارع المقابل؛ تخيل نفسك عائماً: قشعريرة تصيبك بدوار خفيف وفي توازن تام مع هذا الشعور بالارتياح لامتلاكك غرفة في تلك اللحظة. مقابل خزانة الملابس. أقوم بفتح النوافذ ورائي، ثم أضبط قليلاً معدل تعرض الكاميرا للضوء. مصباح أسود اللون، ورق حائطي مخطط رمادي، الخزانة، رف أمتعة قابل للطي، مفاتيح سوداء لتشغيل الضوء، مقبض نحاسي على باب أسود. ترتيب كل هذه الأشياء على هذا النحو، يجعلها تبدو وكأنها صورة توضيحية في موسوعة الأطفال؛ هذا باب. هذه سفينة، هذه بحيرة، وهذا جبل. هذه هي الغرفة التي تشتاق إليها بعيداً، وهي غرفة مفعمة بـ"فرنفيه". هذا رجل في غرفة، جالس خلف الكاميرا، يستعد لأخذ لقطته، بعيداً عن المنزل، ليس بغاية السعادة، لكنه سعادته في هذا المكان ربما لا تضاهى سعادته في أي مكان آخر". Teju Cole/MACK

(*): جميع التسميات التوضيحية مقتطفة من مقالة تيدجو كول "التوق إلى الأماكن البعيدة" (نيويورك تايمز، 27 سبتمبر 2015)

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة