Navigation

مستقبل نقل البضائع في سويسرا يمرّ تحت الأرض

من المفترض أن يقوم هذا النوع من المركبات (في الصورة رسم توضيحي رقمي) بنقل البضائع تحت الهضبة السويسرية. Keystone

تشييد "مترو لنقل البضائع" تحت الهضبة السويسرية! هذا هو الهدف الطموح لمشروع "الشحن تحت الأرض"، الذي بدأت أولى خطواته يوم 28 أكتوبر الماضي عندما تقدمت الحكومة الفدرالية بمشروع قانون يضع الأسس لإنجازه في المستقبل المنظور.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 ديسمبر 2020 - 11:00 يوليو,

في مستقبل غير بعيد، سيكون بإمكان بعض أصناف البضائع ، التي تُنقل اليوم عبر الطريق البري أو السكة الحديدية، أن تُنقل تحت الأرض من جنيف إلى سانت غالن، ومن بازل إلى زيورخ، في مركبات كهربائية مستقلة، وضمن شروط لابد منها، بالنظر إلى العديد من المخاطر التي لا يمكن التنبّؤ بها ومن المحتمل أن يواجهها المشروع الذي يحمل تسمية "الشحن تحت الأرض" ويحظى بالدعم من طرف الحكومة الفدرالية ومن جانب عدد من المؤسسات ذات العيار الثقيل في الاقتصاد السويسري، وتساهم فيه شركات من بينها سويسكوم Swisscom (اتصالات)، وإمبلينيا Implenia (مقاولات عامة)، والشركة الفدرالية للسكك الحديدة (فرع الشحن)، وشركتا "كوب" Coop و "ميغرو" Migros، وغيرها.

هذا المشروع السويسري ليس سابقة معزولة أو حالة فريدة، بل هناك حاليا دراسات لحلول مماثلة تجري في دول أخرى، غير أن "ما يتفرد به المشروع السويسري عن غيره هو أنه مموّل بالكامل من القطاع الخاص، ومصمّم بالتعاون مع الأطراف المستخدمة له مستقبلا" كما تقول أنطونيا كورنارورابط خارجي ، الأستاذة في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ والمتخصصة في أنظمة مترو الأنفاق، وتضيف: "كما أنه سيكون نظامًا متعدد الوظائف، وهذا يجعل تشغيله أوفر بكثير، وستنقل البضائع بضمها إلى غيرها، كالطرود البريدية، وخطوط الاتصالات السلكية واللاسلكية لشركة سويسكوم، وعلى مدار 24 ساعة ويوميا وبدون توقّف".

"بايب نت"، "كارغو كاب"، "مول سُليوشنز"، "تيوب كارغو اكسبرس"... 

منذ نحو عشرين عامًا والدراسات جارية لتطوير أنظمة لوجستية تحت الأرض. ففي الصين، أطلق عملاق التجارة عبر الإنترنت "JD.com"، منذ حوالي عام ونصف، معهدًا جديدًا لأبحاث الخدمات اللوجستية الحضرية، يتمثل هدفه الأول في تطوير حلول لنقل البضائع تحت الأرض.

في العديد من البلدان الأوروبية، تعمل الشركات على تطوير مشاريع على غرار المشروع السويسري، ومن الأمثلة على ذلك "Tube Cargo Express" في هولندا، و "CargoCap" في ألمانيا، و "MoleSolutions" في المملكة المتحدة، إلا أنها لا تزال جميعا في مرحلة جنينية.

أما في إيطاليا، فالعمل جار لتنفيذ مشروع "بايب نت Pipenet"، وهو عبارة عن تطوير لفكرة "البريد عبر الفراغ"، ومن شأنه أن يتيح نقل البضائع بسرعة فائقة (نتحدث هنا عن 1500 كلم في الساعة)، عبر قناة من الأنابيب، بفضل المجال المغناطيسي. وفي هذه الحالة، سوف يتم استخدام حاويات بضائع أصغر حجما ممّا هي عليه في المشاريع المذكورة آنفًا. 

End of insertion

في الواقع، يشكّل المشروع التشريعيرابط خارجي الذي أحالته الحكومة السويسرية يوم 28 أكتوبر 2020 إلى البرلمان الفدرالي خطوة أولى مهمة في هذا الاتجاه، مع ما سيعتريه مؤكدًا من جولات ومُجاولات. ومن أهم ما ورد في نص مشروع القانون المقترح، مبدأ عدم التمييز ، الذي يُلزم بأن تكون الخدمات المقدمة في متناول جميع العملاء. في الوقت نفسه، سيتم استبعاد تنفيذ العديد من البرامج الأخرى الخاصة بنقل البضائع تحت الأرض. كما ينص المشروع على وجوب "أن تكون غالبية رأس مال مالكي ومشغلي المصانع، وغالبية حق التصويت المرتبط بها بشكل مباشر أو غير مباشر، بيد مواطنين سويسريين".

تمويل خاصّ وسويسري

هذه الشروط تبدو ضرورة لا مندوحة عنها للحيلولة دون ارتهان المشروع - حتى وإن لم يُذكر ذلك بشكل واضح - للاهتمام الشديد من قبل شركات صينية. ففي شهر مارس 2020، اعتمد البرلمان التماسا عُرف باسم "ليكس تشايْنا" Lex Cina، يقترح وضع "أسس قانونية لمراقبة الاستثمار الأجنبي المباشر في الشركات السويسرية"، وبالفعل تخلت إدارة مشروع "الشحن تحت الأرض" في شهر أغسطس 2020 عن استثمارات العملاق الصيني "داغونغ Dagong".

وإذا كانت الحكومة السويسرية لا ترغب في أن تكون أغلبية الأطراف المساهمة في المشروع أجنبية، فهي لا تريد أيضًا المشاركة في تمويله لأنها "لا تستطيع، كما وأنها لا تريد، أن تتدخل بشكل عشوائي في سوق حركة الشحن".

ومن المتوقّع بالنسبة لبناء كامل الشبكة التي ستمتد على مسافة إجمالية تبلغ حوالي 500 كيلومتر والتي يعتزم المروّجون للمشروع إتمامها في حدود عام 2045، أن تتراوح التكلفة الإجمالية ما بين 30 و35 مليار فرنك. وللمقارنة، بلغت تكلفة إنجاز مشروع "ألب ترانزيت Alptransit"، الذي شمل بناء أنفاق السكك الحديدية الأساسية لسان غوتهارد ولوتشبيرغ ومونتي تشينيري، حوالي 22 مليار فرنك.

بالرغم من ذلك، ترى أنطونيا كورنارو أن المشروع يستحق كل هذا العناء، وتضيف "تشهد حركة الشحن تناميًا كبيرا ولم يعد من المُمكن إدارتها بالوسائل التقليدية، كالطرق البرية والسكك الحديدية، وأيضًا أظهر تحليل الربحية أن الفكرة مُجدية اقتصاديًا للمستخدمين، وإلا لما استثمروا أموالهم فيه".

مع ذلك، فإن الجانب المالي سيكون مجرد واحد من التحديات التي لا حصر لها التي سيُواجهها المشروع. ذلك أنه ليس من غير المألوف بأي حال من الأحوال بالنسبة لمثل هذه النوعية من البنى التحتية أن يتم تجاوز الميزانية بسهولة، ناهيك عن جميع التحديات التي لا زالت غير معلومة على المستويين الجيولوجي والبيئي، فضلاً عن الإجراءات المطولة مع البلديات وأصحاب الممتلكات من الخواص.

المرحلة الأولى: نفق يربط بين هاركِنغِن وزيورخ

ولكن دعونا نرى بمزيد من التفصيل ممّ يتكون "مترو البضائع":

في مرحلة أولى، يهدف مشروع "الشحن تحت الأرض" إلى بناء مقطع يربط بين هارْكِنْغِن، وهي منطقة تؤوي العديد من مراكز التجميع والفرز، وزيورخ، ويبلغ طول هذا النفق 67 كيلومترا ويمتد على عمق يتراوح بين 20 و100 متر، وسيضم حوالي عشرة مرافق لإعادة الشحن، وسيُكلّف - وفقًا لتوقعات إدارة المشروع - حوالي 3,4 مليار فرنك، ويُتوقّع أن يتم البدء في تشغيله في حدود عام 2030.

في مرحلة لاحقة، وإذا أثبتت التجربة نجاعتها، فستُمدّ الشبكة تدريجياً على طول المحور الشرقي الغربي، من جنيف إلى سانت غالن، وكذلك دمج مدن بازل ولوتسيرن وتون في "شبكة تغطي التدفقات الرئيسية للبضائع في سويسرا"، كما ذكرت الحكومة في رسالتها إلى البرلمان.

من المفترض أن تمتد شبكة "الشحن تحت الأرض" على طول كامل الهضبة السويسرية، ولكن، كمرحلة أولى، سيتم بناء مقطع يصل بين هارْكِنْغِن وزيورخ. swissinfo.ch

وسيتكون النفق من ثلاثة مسارات: واحد لكل اتجاه، وبينهما مسار ثالث مخصّص لخدمات الصيانة.

مركبات كهربائية ومستقلة

نقل البضائع، سيكون باستخدام مركبات بعجلات مستقلة وذاتية الدفع الكهربائي، وتسير بسرعة ثابتة قدرها 30 كلم  في الساعة، ويُمكنها أن تستوعب منصّتيْ تحميل، ويمكن أيضًا تبريد الحاويات إذا لزم الأمر. كما يشتمل المشروع في الجزء العلوي من النفق  على ناقل معلق يسير بسرعة مُضاعفة مخصّص للنقل السريع للطرود الصغيرة وللكميات القليلة من البضائع.

بالإضافة إلى تخفيف الضغط عن الطرق وشبكات السكك الحديدية، يجب أن يتمتع المشروع أيضًا بتوازن بيئي مناسب. ووفقًا لتحليل تم إنجازه بتكليف من القائمين على مشروع "الشحن تحت الأرض"، فإن "مترو البضائع" (مُلحقا معه النقل إلى مرافق إعادة الشحن والتوزيع) سيقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار النصف تقريبًا مقارنة بالوضع الحالي، مع مزيج نقل بنسبة 90٪ على الطريق و 10٪ على السكك الحديدية.

نقل البضائع في تزايد مستمر

بين عامي 2000 و 2018، سجل نقل البضائع على الطرق البرية والسكك الحديدية نموًا مستمرًا. فقد زاد عدد "طن/ كيلومتر" (وحدة لقياس نقل البضائع تجمع بين مؤشريْن: عدد أطنان البضائع المنقولة والمسافة، أي كم طن من البضائع في مسافة كيلومتر واحد) بنسبة 19٪ ليصل إلى 27,9 مليار.

من المتوقع أن يستمر هذا النمو وفقا لتوقعاترابط خارجي المكتب الفدرالي للتنمية الاقليمية، حيث جاء في البيان الحكوميرابط خارجي الذي نُشر يوم 28 أكتوبر 2020 أن "الحجم السنوي لحركة نقل البضائع على الطرق والسكك الحديدية سيرتفع من 407 مليون طن في عام 2010 إلى 516 مليون طن في عام 2030، في حين أن خدمات النقل سترتفع في نفس الفترة من 27 إلى 33 مليار طن / كيلومتر سنويًا".

بالنظر إلى الضغط الواقع حاليا على البنى التحتية للطرق والسكك الحديدية وصعوبة بناء هياكل جديدة، لاسيما في المناطق الحضرية المكتظة كما هو الحال في الهضبة السويسرية، تعيّن البحث عن حلول بديلة، ومن هذا المنطلق جاءت فكرة مشروع "الشحن تحت الأرض". 

End of insertion

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة