هايني شتوكي، عالَمٌ مهدّد بالانقراض في العدسة

يؤكد المصور المقيم في بيل، هايني شتوكي أن "التصوير الفوتوغرافي يسمح لنا باستيعاب حقيقة أخرى". Daniel Rihs / 13 Photo

في البداية وُلِدَ حُبّ الطبيعة، ثم وُلِدَ حبّ التصوير الفوتوغرافي لإنقاذها. أمضى هايني شتوكي عدة عقود وهو يتجول في "الهور الكبير السويسري"، ليلتقط فيه صوراً للوجوه وللمناظر الطبيعية في عالم يحتضر. في سن السبعين، يفتح لنا المصور المدافع عن البيئة منذ البدايات أبواب عالمه.

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 يونيو 2020 - 11:00 يوليو,
دانيل ريس (الصور)

بمجرد الدخول إلى عالم شتوكي، ننطلق في رحلة عبر الزمن، حيث يقودنا الباب الأمامي للمبنى العتيق في المدينة القديمة في بيل إلى ممر طويل، ونشعر بصرير الأرضيات الخشبية تحت أقدامنا. لا يبدو أن شيئاً قد تغيّر منذ تشييد هذا المبنى. ثم يقودنا سلم حلزوني الشكل وضيق إلى موقع الفنان، إلى منزله وورشته ومكتبه ومختبره، حيث نجد حياته كلها وقد جُمِعَت هنا في فوضى مرحة.

شعر أبيض طويل ولحية كثيفة، على الرغم من عمره البالغ 70 عاماً لا يزال هايني شتوكي مُقاومًا للأعـراف، وعندما يروي حياته المهنية الطويلة كمصور فوتوغرافي، تتوهج عيناه لتكشف عن روح المتمرد المختبئة خلف نبرة صوته الهادئة وإيماءاته البطيئة.

احتفظ هايني شتوكي إلى اليوم بكاميرته القديمة. Daniel Rihs / 13 Photo

ثم يعرض لنا بفخر أحدث إنجازاته: صورة لمذناب اللوز، الفراشة الرائعة ذات الأجنحة المخططة بالأبيض والأسود، والمهددة بالانقراض. يقول شتوكي: "تمكنت أخيرًا من التقاط صورة لها". فالتصوير الفوتوغرافي يتيح له تخليد ما قد يزول إلى الأبد، والحفاظ على ما هو هش أو عابر.

ولد هايني شتوكي عام 1949 في مدينة برن، ونشأ في أنيه (Anet)، وهي قرية صغيرة تقع في منطقة الهور الكبير (Grand Marais)، عند سفح سلسلة جبال جورا في شمال غرب سويسرا. ورث عن والدته حبّ الطبيعة، وعن والده الذي كان محامياً شغفه بالتصوير. ويتذكر قائلاً: "لقد بدأت باستعارة آلة تصوير والدي لاستكشاف المنطقة".

في المدرسة الثانوية، لم تجذبه دراسة العلوم الطبيعية، فقد كان الشاب آنذاك يفضل التعبير عن حبه للطبيعة من خلال الصور التي كان يلتقطها في أوقات فراغه. وفي عام 1969، التحق بمدرسة فيفي للتصوير الفوتوغرافي، ويروي أن "المحاضرات كانت تقنية للغاية ومركزة بشكل أساسي على التصوير الفوتوغرافي التجاري، وكنت أعرف أنني لن أفعل ذلك أبداً". لقد كان تعليما لا يتوافق مع قيم هايني شتوكي، الذي قرر التوقف عن الدراسة قبل ستة أشهر من موعد تخرجه، وحينها: "قيل لي إنني مجنون وإنني لن أنجح أبدا"، كما يقول مُستذكرًا.

الوجوه

أثناء عمله كحارس للغابات، استمر هايني شتوكي في توثيق الحياة في الهور الكبير، فكان يلتقط صوراً لوجوه سكان "أنيه"، ويقوم بإنجاز صُورًا شخصية (بورتريهات) للحداد أو للإسكافي أو لصياد الجرذان. إنها "شخصيات من عالم في صدد الاختفاء"، كما يقول المصور الفوتوغرافي. أنقذ هايني شتوكي بذلك صوراً تعدّ اليوم جزءًا من زمن مـرّ وانقضى. إنه العمل الذي يدين له بشهرته التي حصل عليها بفضل نشره لأعماله في مجلة "دو" الشهيرة في المناطق السويسرية المتحدثة بالألمانية. ويقول: "هذا النشر عرّف بي وعوّض عدم حصولي على شهادة التخرّج من مدرسة التصوير الفوتوغرافي".

إثر ذلك، بدأت الطلبات تأتي تباعاً، لكن المصور فضّل التخلي عن إنجاز بعضها على أن يضطر إلى خيانة ما يلتزم به من مبادئ، ويقول: "في أحد الأيام، طُلب مني التقاط صور لمحطة للطاقة النووية، وبالطبع رفضتُ ذلك". كمفكر حر، أنهى شتوكي أيضًا تعاونه مع مُصنّعٍ للبسكويت، الذي أراد أن يفرض عليه إطار عمل مقيّد للغاية. ويشرح قائلا: "لم يرغب المدير في أن أصور العمال وأراد أن يتم ترتيب المبنى قبل التقاط صُور".

الرغبة في عدم الخضوع لمتطلبات العملاء أجبرت المصور وزوجته وطفليه المولوديْن في عاميْ 1975 و1976 على العيش على الكفاف. ويعترف قائلاً: "كنا بالكاد نغطي نفقاتنا نهاية كل شهر". ومن أجل تكملة مداخيله، كان يعطي دروس تصوير فوتوغرافي على علاقة باستكشاف الطبيعة، في إحدى المدارس، ويروي قائلا: "كنا نذهب لالتقاط صور في الأهوار بالقرب من المُستنقعات وكنت أقوم بإطلاع الأطفال على الحيوانات التي تعيش هناك".

الطبيعة

وضع هايني شتوكي فنّه في خدمة الطبيعة. ذلك أن صوره تتحدث، من بين أمور أخرى، عن الأسفلت الذي يزحف  على المساحات الخضراء، ويقول: "كنت أريد أن أُظْهِر للناس الأماكن الطبيعية الرائعة التي سيتم تدميرها". فالمصور الصديق للبيئة منذ الأيام الأولى، لا يتردد في الدفاع عن أفكاره، حتى وإن أدّى ذلك إلى إثارة غضب البعض. ويضيف: "لقد أصبحتُ العدو رقم واحد للفلاحين الذين كانوا يُريدون استخدام الآلات الكبيرة والمبيدات الحشرية في عمليات الإنتاج".

كنت أريد أن أُظْهِر للناس الأماكن الطبيعية الرائعة التي سيتم تدميرها

End of insertion

كما أن التزامه لم يقتصر على الجانب الفني فحسب، بل كان أيضاً من المشاركين في بواكير حركة الدفاع عن البيئة السويسرية في السبعينيات، فكتب مقالات وشارك في المظاهرات المناهضة لاستخدام الطاقة النووية. واليوم، يراقب بارتياح تجنّد الشباب من أجل المناخ، ويقول: "عندما كنت شابا، كنت أشعر أنني وحيد في معركتي، وأنا متأثر اليوم لرؤية الشباب وهم يتجنّدون بكثافة للدفاع عن قضية البيئة".

الحلم

في الطابق الثاني من شقته، اكتشفنا "الغرفة المظلمة" المُرتجلة، التي طور فيها المصور العديد من لقطاته الفنية، وفي الغرفة المجاورة، عثرنا على أرشيفات مسيرة استمرت لأكثر من أربعين عاما، مرتبة في صناديق كرتونية. يقول المصور: "لقد تم رقمنة بعضها بالفعل"، ثم يفتح صندوقًا، كاشفا عن العديد من الوجوه التي يمثل كل واحد منها قصة شخص عادي خلدهم من خلال أعماله. وفي كتاب سيرة ذاتية خصّصه لأعمال شتوكي، يقول أندرياس ماير، المؤرخ في مجال الفن: "لا يمكن النظر لهايني شتوكي كمراقب عن بعد لا مبالٍ، ففي معظم صوره، هناك أشخاص ينظرون إلينا. إنه ليس مجرد مُراقب عن بُعد لقصص أشخاص مجهولي الهوية".

تحتوي شقة واستوديو هايني شتوكي على الكثير من الكنوز. Daniel Rihs / 13 Photo

من خلال عدسته، يبحث هايني شتوكي في كل مكان عن أيّ أثر للحياة، لدى قيامه بالتنقيب عن الآثار من خلال استكشاف حقول المنطقة أو بشكل أكثر لباقة لدى قيامه بتجميع الأحلام. ففي الصورة التي يُمسكها بيده، شخصان غامضان يمشيان على شاطئ من الحصى. هذه الصورة تمثل حلما ليليا للمصور، الذي يعتقد أن "التصوير الفوتوغرافي يسمح باستيعاب واقع آخر".

الفنان قدّم بعض التنازلات لفائدة الحداثة حيث انتقل مع مرور السنين من التصوير بالأسود والأبيض إلى الألوان، ومن التناظري إلى الرقمي، وهو يجوب اليوم أزقة قرية "سيمبوان" الفرنسية الصغيرة، ليلتقط - بتكليف من السلطات – صورا شخصية (بورتريهات) لسكان البلدة الصغيرة التابعة لمنطقة "بورغوني - فرانش – كومته"، الذين تتناقص أعدادهم باستمرار. وهو يقول: "القرية تحتضر، فلم يعد هناك متاجر أو مطاعم كما أن جزءًا من المنازل أضحى فارغاً".

وهكذا يكون المصور شاهداً من جديد على حياة ريفية مهددة بالزوال والاندثار.

مشاركة