Navigation

الضيافة من أجل استمرار التأمل وضمان البقاء

bigorio.ch

يكافح أقدم دِير في سويسرا من أجل البقاء. وفي سبيل ذلك، يُقدّم نفسه اليوم على أنه المكان المِثالي لتنظيم الدورات والنّدوات، وهذا أمرٌ غير كافٍ، إذ من الضرورة بمكان أن يتم البحث عن مصادر إضافية للدخل.

هذا المحتوى تم نشره يوم 31 مارس 2013 - 11:00 يوليو,
سونيا فيناتسي، بيغوريو (كانتون تيتشينو), swissinfo.ch

ما أن وصولنا إلى دِير بيغوريو، المتربّع فوق قمة جبل "مونتي لوغانيزي" في جنوب سويسرا، حتى تملكنا شعور بالراحة والأنْس، فيما يرجع بناء هذا الدير العائد للرّهبان الكَبوشيين، والواقع في واحة صغيرة ووديعة، إلى عام 1535، أي ثمان سنوات فقط بعد تأسيس الرّهبنة الكبوشية.

ثم ما لبث أن أصبح الدّير، على مدى قرون من الزمان، مركزا للحياة الرهبانية الصارمة وخضع في مرات عديدة، إلى أعمال التجديد والتوسيع، ويرجع تاريخ هيكله المِعماري الحالي والمُكوّن من ثلاثة طوابق إلى عام 1767، بيْـد أن تلك الحِقبة من الاكتفاء الذاتي والتوسع التي عاشها هذا الرمز التاريخي، صارت منذ سنوات من ذِكريات الماضي.

ولولا التَنَبُّه المبكّر والحِكمة وحُسن التدبير، لَـمَا أمكن لأوّل دير للكبوشيين في سويسرا، أن يقاوِم الإغلاق الذي طال في العقود الأخيرة الكثير من الأدْيِـرة في البلاد، بسبب التراجع في أعداد المتديِّنين، المُقيمين أو المعتكفين.

ضيافة واستقبال على النمط الفرنسيسكي

منذ عام 1966، لم يعُد الدّير دارا مخصّصة للتحنث والإعتزال، يقول السكرتير لوكا ألبينولا، بينما كان يرافقنا في جولة للتعرّف على الدير: "في ذلك العام، جاء إلى هنا الأب روبيرتو، الذي يعمل مديرا لهذا النّزل منذ ذلك الحين"، وقد قرّر القيام بترميم وتجديد دِير سانتا ماريا ديل بيغوريو وتحويله إلى: "مُنتجع للدّورات التأهيلية والمُلتقيات التعليمية".

ومن عام 1967، و"الضيافة هي الخدمة الرئيسية التي يُقدّمها الدّير"، على حدِّ قول ألبينولا، والذي لفت إلى أن النشاط السياحي، لا يدخل ضِمن الخدمات التي يقوم بها المنتجع، وأضاف: "التعليمات لديْنا واضحة"، ونضع تحت الخِدمة صالة ممّا يحويه الدير، عادية ومرتّبة وتفي بالاحتياج.

وأكّد الرّاهب الكبوشيني قائلا: "مهمّتنا هي تقديم المكان المناسب لقضاء يوم في الدراسة أو التأمل، وتهيئة أجواء روحانية فرنسيسكانية، وإلا ما فائدة وجود هكذا دير كبير وجميل، إن لم يَعُد هناك رهبان؟"

تكلفة الأجواء الحميمة

في حين أمكن، ضِمن هذا البناء وغُرَفِه وعيادة التمريض فيه، تأمين عدد 25 غُرفة للنزلاء، إذ يستضيف المكان كل عام، نحو مائة مجموعه في المتوسط، وهي تتكوّن في مجموعها من أكثر من 1500 شخص، لكن المكان عاجِز عن استيعاب أكثر من 30 شخصا للمبيت في آن واحد.

ولا شك، أن ما يتمتّع به دير بيغوريو من فضاءات ومساحات، تُساهم في إضفاء الأجواء الحميمة عليه، وتجعل منه مكانا متميِّزا لتنظيم الدّورات والحلقات الدراسية، في بيئة تعزّز الفهم والتركيز، غير أن عدم القدرة على استيعاب المجموعات، كبيرة تقف عقبة في طريق تحقيق ما يلزم من إيرادات.

إضافة إلى ذلك، ومن أجل ضمان الأجواء الحميمة والراحة النفسية للوافدين، لا يستقبل الدّير أكثر من مجموعة واحدة في نفس الوقت، مما يُبقي عددا من الغُرف، في غالب الأحيان، غيْر مستعملة، وقد يكون هناك بعض الإستثناء، وبالاتفاق مع الأطراف المعنية، لكنه "أمر نادِر الحدوث"، وِفقا لما ذكر لوكا ألبينولا.

ناهيك عن أن الدّير لا يرغب في التخلّي عن نوعية وجَوْدة الخِدمة التي يُقدّمها لروّاده، لأنها هي التي جعلت منه، على مرّ السنين، مقصَد العديد من الجامعات والمؤسّسات والشركات من جميع أنحاء سويسرا والعالم، ولم تعُـد العلاقة مع هذه الهيئات مجرّد نفع مادّي، بل صار معها ارتِباط وتآلف ومودّة، وغدا هؤلاء العُملاء يروِّجون لدير بيغوريو ويحملون اسمه ويتناقلون ذِكره، وهذه في حدّ ذاتها ثروة لا يُستغنى عنها.

ومن بين العملاء الذين يحرِصون، وبحرارة، على الدعاية لهذا الموقع التاريخي، هناك برونو مارتي، الذي أعرب لنا عن سعادته، وذكر لنا بينما كان يتفقّد ويتفحّص الأجهِزة الخاصة بالدّورة التي سيبدأها بعد ظُهر اليوم، بأنه يُنَظّـم منذ عام 1974، لحساب شركة سويسرية من القِسم الناطق بالألمانية، أربع دورات دراسية سنوية، حول السلامة والوِقاية الصحية في مواقع العمل.

من ناحية أخرى، يُنظّم الدّير برنامج دورات ودروس، يُشرِف عليها ويُقدّمها رُهبان، وتسعى، وفقا للأب روبيرتو، إلى تحقيق "الأنس والانسِجام الروحي"، كالدروس، على سبيل المثال، الهادِفة إلى اكتشاف الصّمت، الذي عن طريقه يُمكن الوصول إلى القِيم الأساسية للحياة، وهي تُعقَد منذ عشرين عاما.

مع ذلك، فإن هذه الأنشِطة لا تفي بتغطِية التكاليف التشغيلية، التي تُناهِز نصف مليون فرنك سويسري سنويا، بحسب ما أفاد أمين المحاسبة في الدّير. وبخصوص إنتاج بعض المصنوعات اليَدوية التقليدية، فيقول عنه الأب روبيرتو بأنه: "لمجرّد الحفاظ على شيء من التقاليد"، بينما أوضح لوكا ألبينولا قائلا بأنه: "قد يُعِين، ولكن من المُستبعد أن يسدّ العجز".

وفي الماضي، كان اشتغال الأب روبيرتو، على قدم وساق في مجال الفن، هو الذي يغطي العجز في الميزانية، وقد أبدع أكثر من 300 لوحة فنية لكنائس وغيرها من المباني، لكنه صرّح لنا قائلا: "خلال الفترة ما بين الستينات والثمانينات من القرن الماضي، خضعت جميع الكنائِس للتّجديد، فصار هناك طلب كبير على الأشغال الفنية والزّخرفية، وكثيرا ما كُنت أسْتَدعى للقيام بالكثير من الأعمال، أما اليوم، فلم يعُد هناك طلب".

صعوبات مالية

إبان العقود الأخيرة، أدّى التراجع في أعداد المتديِّنين المُتنسّكين، إلى إغلاق العديد من الأديِرة، في حين يُعاني ما تبقّى منها من صعوبات مالية، تهدِّد استمراريتها وليس باستطاعتها تأمين المداخيل الكافية من خلال الأعمال الحِرفية التقليدية، التي ما زالت تقوم بها معظم الأديِرة في الوقت الحاضر، كإنتاج المواد الغذائية والمشروبات الكحولية والمُستحضرات العشبية وكسر الخبز الكهنوتي، بالإضافة إلى تجديد الكتب والوثائق القديمة وأشغال التطريز والخياطة وإصلاح الملابس الخاصة بالمناسبات والإحتفالات الدّينية وغيره، وبالتالي، فإن المجموعات الرّهبانية التي ليس لديها مُمتلكات وأراضٍ توفِّـر لها الموارد المالية اللازمة، تجد نفسها مُضطرة للبحث عن مصادر أخرى للدّخل، وهو ما دفع ببعض الأديِرة إلى فتح أبوابها لخدمات الضيافة.

End of insertion

العلمانيون ضمان للإستمرارية

رغم كل تلك التحدّيات، يبدو الأب المدير واثقا من الخروج من الأزمة، ويُدرك بأن السنوات المقبلة "سوف تشهد إغلاق عدد من الكنائس والأدْيِرة"، لكنه على قناعة بأن دير بيغوريو سيكون "واحدا من بين عدد قليل من تلك التي ينتظِرها غدٌ مُشرق"، ويبقى في نفس الوقت، التّعويل على الضيافة كوسيلة لتحقيق التوازن في الميزانية، وهو الدافع وراء إنشاء جمعية "أصدقاء بيغوريو" في نهاية عام 2011.

هذه المبادرة تهدف إلى تعزيز القيمة التراثية للدير وتشجيع ودعْم الأنشِطة الثقافية فيه. ولقد كانت الخطوات الأولى موفّقة وكانت البداية واعدة بحق، حيث أعرب ايدو بوبيا، الأمين العام للجمعية عن ذلك قائلا: "لقد جمَّعنا ما يقرب من 200 ألف فرنك"، وتابع "نطمح إلى جمع 100 ألف فرنك في السنة: يخصص منها ما بين 50 و60 ألف فرنك لتغطية العجز في الميزانية و40 ألفا لخدمات الصيانة".

في الوقت الحاضر، لا يُوجد في الدّير سوى راهبيْن، ويلفت الأب روبيرتو إلى أن "الرابطة هي ضمان للإستمرارية، وبوقوف العِلمانيين سيستمِر النشاط حتى ولو لم يبق هنا سوى راهب واحد".

تراث تاريخي وثقافي

في وسط الطبيعة الخلابة، حيث تتعانق جبال الألب بقِمَمها مع البحر المتوسّط بمياهه، كان بناء دير سانتا ماريا في بيغوريو، التابع للرهبنة الكبوشية، في عام 1535، كمركز للإعتزال والتنسك، وتم في عام 1577 الإعتراف بكنيسته من قِبل سان كارلو بوروميو.

خضع الدير في عدّة مرات للتوسيع والتجديد، ويبدو اليوم على الشكل المِعماري الذي اكتسبه في عملية التجديد الذي حصلت له في عام 1767، أما التصليحات والإضافات التي حصلت مؤخرا، فقد أضفت عليه بعض وسائل الراحة الحديثة، دون أن تمسّ بنمطه الفرنسيسكاني الأصيل، القائم على البساطة في المظهر والمخبر.

بالإضافة إلى الكُتب والأثاث القديم، يحتوي الدّير أيضا على أعمال فنّية قيِّمة، شاهدة على قرون من التاريخ. وفي عام 1966، تحوّل من دِير للعُزلة والتأمّل والإنقطاع للعِبادة، ليصبح مركزا لاستضافة الدورات والنّدوات، ليجمع بذلك بين الضيافة والفن والروحانية، كما يوجد حاليا بداخله، متحف صغير يُسمَح بزيارته وِفق موعد مُسبق.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.