كيف تؤثر السياسات المتغيرة على مواقف الأشخاص من ارتداء الكمامات؟

عندما صدرت التوصية بارتداء الكمامات في الأماكن التي لا يمكن فيها الحفاظ على مسافة الأمان الاجتماعي، امتثل القليل من الأشخاص لهذه التوصية. Keystone / Leandre Duggan

 لاحقت قضية الكمامات الطبية السلطات السويسرية طوال فترة الوباء وكان كل تغيير في السياسة يقابله نقاش عام وسياسي حاد. هل من العدل إلقاء اللوم على الحكومة في أي شكوك باقية حول الحاجة إلى الكمامات لاحتواء فيروس كورونا؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 سبتمبر 2020 - 11:00 يوليو,

عندما كانت حالات الإصابة بفيروس كورونا الجديد في ارتفاع في البلاد في شهر مارس الماضي، كانت نصيحة كل من المكتب الفدرالي للصحة العامة ومنظمة الصحة العالمية (WHO) واضحة: الأشخاص الأصحاء لا يتوجب عليهم استخدام الكمامات الطبية. وعلى حد تعبير منظمة الصحة العالمية، فإنهم "يهدرون قناعًا" إذا ارتدوا قناعًا.

وقال دانيل كوخ، رئيس فريق مكافحة كورونا التابع للحكومة السويسرية آنذاك: "لا يمكن للأشخاص حماية أنفسهم بشكل فعال باستخدام الكمامات".

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى أصبح ارتداء الكمامات قضية ساخنة مع اتهامات من جميع الأطياف السياسية بأن نقص الكمامات الطبية كان يملي سياسة الصحة العامة.

انقسم الجمهور أيضًا حول الحاجة إلى الكمامات. واشتكى الكثيرون من أن الحكومة لم تصدر التوصية في الوقت المناسب ولم تمنحهم الوقت الكافي. ومع ذلك، ارتدى القليل منهم في الواقع الكمامات الطبية، عندما غيرت السلطات سياستها.

بعض الخبراء يعتقد أن الموقف الأولي للحكومة لا يزال يؤثر على مواقف الناس تجاه ارتداء الكمامات الطبية، والتي أصبحت منذ ذلك الحين إلزامية في وسائل النقل العام.

نقص الكمامات الطبية

في بداية انتشار الوباء، أوصت الحكومة السويسرية  ومنظمة الصحة العالمية من يعتني بالمرضى والأشخاص المعرضين للخطر والذين يعانون من الأعراض بارتداء الكمامات. لكن مع وصول البلاد إلى ذروة تفشي المرض، شكك كل من السياسيين والجمهور في صحة هذا القرار.

وانتشرت تقارير  أن سويسرا لم يكن لديها كمية كافية من الكمامات وأن مخزونها لا يغطي حاجة السكان سوى أسبوعين ونصف، مما أدى إلى اتهام المسؤولين بالتستر على النقص و أنهم "يطلعون الناس بشكل استراتيجي"، كما صرح باستيان جيرو عضو حزب الخضر في البرلمان ذلك. أراد  جيرو، مثل كثيرين آخرين، أن تحث الحكومة الناس على مغادرة منازلهم وارتداء الكمامات.

وأظهر استطلاع للرأي أجرته دار نشر تاميديا في منتصف أبريل أن غالبية تصدق هذا الادعاء، حيث أعرب ما يقرب من 60% من المشاركين والمشاركات في الاستطلاع، عن قناعتهم بأن الحكومة السويسرية لم تفرض ارتداء الكمامات لأنها كانت شحيحة. وفي يوليو، أفادت صحيفتا لوماتان ديمونش (Le Matin Dimanche) وصونتاغس تسايتونغ (SonntagsZeitung )يوم الأحد أن سجلات اجتماعات سلطات إدارة الأزمات في مارس أظهرت أن نقص الكمامات أثر على موقف الحكومة.

لكن مكتب الصحة العامة نفى ذلك. وأكد المتحدث باسم  المكتب يان هولمان لـ swissinfo.ch إنه على الرغم من صحة عدم وجود كمامات كافية لجميع السكان في ذلك الوقت، إلا أنه "لم يكن لهذا علاقة سببية مع عدم وجود توصية [عامة] بارتداء الكمامات".

وأضاف هولمان أنه خلال فترة الإغلاق، عندما تم حث الناس على البقاء في المنزل، لم تكن هناك حاجة لاستخدام الكمامات على نطاق واسع. "كان عدد أقل من الأشخاص يتنقلون خلال تلك الأسابيع وكان يمكن عمومًا الحفاظ على [المسافة الموصي بها بين الأشخاص]."

أدلة علمية محدودة

دانيل كوخ، الذي كان رئيس قسم الأمراض المعدية في مكتب الصحة العامة حتى تقاعده مؤخراً ، أكد دائمًا أن سياسة الكمامات الحكومية تستند إلى أدلة علمية. ووفقا له، لم تُظهر الدراسات بوضوح في الأيام الأولى من تفشي المرض  أن الكمامات توفر حماية فعالة ضد الفيروس.

كما أكدت سارة تشودين سوتر، الخبيرة في علم المناعة والأمراض المعدية، أن "قاعدة الأدلة لدعم استخدام الكمامات، وخاصة للجمهور كانت محدودة ولا سيما في شهر مارس".

رغم ذلك، خلص فريق تقوده كجزء من فريق العمل الفدرالي لمكافحة كوفيد ـ 19 في تقرير صدر في 20 أبريل  إلى أنه رغم وجود بعض الأدلة المتضاربة، كانت هناك " فوائد لارتداء الكمامات في الأماكن العامة. بالإضافة إلى أهمية الحفاظ على نظافة اليدين، عندما يتعذر الحفاظ على مسافة الامان الاجتماعي". وأوصى فريق العمل الحكومة بإدخال سياسة جديدة في هذا الشأن.

 مع إعادة فتح عدد من الشركات في وقت لاحق من ذلك الشهر، كانت قضية الكمامات على رأس جدول أعمال النقاش العام. وأظهر الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة تاميديا في منتصف أبريل أن 60% من الأشخاص في سويسرا يؤيدون ارتداء الكمامات الإلزامي في الأماكن العامة.

ولكن في نهاية أبريل، مع تخفيف إجراءات الإغلاق، لم تلب السلطات رغبة الجمهور  واختارت بدلاً من ذلك توصية بأن يرتدي الأشخاص أقنعة عندما لا يمكن الحفاظ على مسافة الأمان الاجتماعي.

وقالت تشودين سوتر: "أنا واثقة من أن الأدلة العلمية المتزايدة ساهمت في هذا القرار"، مضيفًة أن الخروج من الإغلاق يعني أن "الأساليب الجديدة للوقاية من العدوى والسيطرة عليها ضرورية".

في نفس الوقت تقريبًا، بدلت منظمة الصحة العالمية أيضًا موقفها وقدمت توصية مماثلة. في غضون ذلك، بدأت جهود الجيش السويسري لشراء كمامات الوجه تؤتي ثمارها، حيث غمرت نحو 35 مليون كمامة السوق بنهاية أبريل، مما وضع حداً للنقص.

جمهور متأرجح

على الرغم من عدم اقتناع الجميع بالخط الحكومي الأولي الذي يشير إلى أن الكمامات لم توفر سوى القليل من الحماية الفعالة للأشخاص الأصحاء، إلا أن هذا القول المستند  إلى أدلة علمية ترك انطباعًا دائمًا.

وتوضح أنجيلا بيرث، باحثة المخاطر في المعهد التقني الفدرالي العالي (ETH) في زيورخ: "كان للتواصل صدى قوي في وقت مبكر". "لدى السويسريين ثقة عالية في العلم ولذا يعتمدون عليه بشدة وهذا ما حدث مع كوفيد ـ19".

"لذلك عندما قالت [السلطات] أن العلم لا يُظهر أن الكمامات مفيدة، ظل هذا القول عالقًا مع الناس."

وبحلول شهر يونيو، مع بدء المزيد من الأشخاص بمغادرة منازلهم للعودة إلى المكتب أو المدرسة، ارتدى القليل كمامات، حيث التزم 6٪ فقط من ركاب القطارات في سويسرا بالكمامات، على الرغم من توصية الحكومة بارتدائها في وسائل النقل العام.

استطلعت بيرث وزملاؤها آراء الناس في نقاط مختلفة أثناء الإغلاق وبعده. في الاستطلاع الأخير الذي أجروه بعد أن أصبحت الكمامات إلزامية في وسائل النقل العام (في 6 يوليو)، وجدوا أن من لا يرتدون الكمامات كانوا أكثر عرضة للاعتقاد من مرتدي الكمامات أنه، وفقًا للرسائل التي قدمها مسؤولو الصحة العامة، لا يوجد دليل علمي كاف بأن الكمامات تحمي من فيروس كورونا.

وتشير سوزان سوغز، التي شاركت في كتابة تقرير حول التواصل في الأزمات لفريق عمل كوفيد -19: "إننا نرى التغيير في التوصية استجابة للعلم المتطور يخلق عدم ثقة بين البعض في السكان".

وأشارت كل من سوغز وتشودين سوتر إلى أنه بمجرد أن أصبحت الكمامات إلزامية في الحافلات والقطارات في جميع أنحاء البلاد، فقد تحسن معدل الامتثال للتوصية الحكومية - ليس لأن السويسريين"مطيعون بشكل أعمى"، ولكن "لأن مثل هذا التفويض يوضح مدى أهمية الكمامات"، حسب قول سوغز.

وفقًا لتقرير متابعة حول الكمامات نشره فريق العمل الحكومي في أوائل شهر يوليو ، "في الأشهر الثلاثة الماضية، تراكمت أدلة إضافية مهمة تدعم بقوة فوائد استخدام للكمامات في الأماكن العامة".

وبحلول ذلك الوقت، كانت النمسا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا قد فرضت بالفعل ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، مما دفع حتى آلان بيرسيه، وزير الداخلية والصحة، إلى الاعتراف بأن سويسرا كانت متأخرة عن جيرانها.

ومن الممكن أن تؤثر رؤية مثل هذه التباينات في السياسة على اتخاذ بعض الأشخاص للقرارات.

وتشير سوغز، الأستاذة في جامعة ديلا سفيزيرا الإيطالية: "بالنسبة لأولئك الذين يشككون في ارتداء الكمامات، فإن التوصيات غير المتسقة تضيف سببًا للشك". وتضيف "إنهم يسلطون الضوء على الاختلافات في علم الأوبئة، في تفسير الأدلة العلمية، أو تأثير السياسة."

مقياس "مبالغ فيه"؟

من ناحية أخرى، مع فرض ارتداء الكمامات في وسائل النقل العام ، "يدرك الكثير من الناس أنه من المعروف الآن أنها مفيدة في إبطاء انتشار الفيروس"، توضح سوغز.

أدى هذا الفهم إلى تحول آخر في النقاش: إذا كانت هناك فوائد لارتداء الكمامات، فلماذا لا نجعله إلزاميًا في مكان آخر؟ حيث يجب الآن ارتداء الكمامات في المتاجر في عدد متزايد من الكانتونات، مثل زيورخ وبازل وجنيف وفود.

دانيل كوخ، قدّم تقييماً صريحاً للجدل في مقابلة مع صحيفة بليك في شهر يوليو الماضي: "كان سؤال الكمامة مبالغاً فيه منذ البداية. ينطبق الأمر نفسه اليوم كما كان الحال قبل ثلاثة أشهر: المحافظة على مسافة الأمان الاجتماعي أهم من ارتداء الكمامة. كما أن ارتداء الكمامة يجعلك تفقد الإحساس بضرورة الحفاظ على مسافة".

ومع ذلك، أعرب الكثير في المجتمع الطبي عن دعمهم لتوسيع نطاق الالتزام بارتداء الكمامات ليشمل جميع الأماكن التي تتجمع فيها مجموعات من الناس، بما في ذلك المتاجر. وصرح رئيس الرابطة السويسرية لأطباء الكانتونات للإذاعة السويسرية  الناطقة بالألمانية SRF أن هذا سيكون منطقيًا من ناحية علم الأوبئة.

ووفقًا لبيرث، خبيرة المخاطر الاجتماعية، فإن ارتداء الكمامات في كل مكان يمكن أن يؤدي إلى شعور زائف بالأمان، وإلى إهمال الأشخاص لتدابير مهمة أخرى، مثل مسافة الأمان الاجتماعي، وهو نمط لوحظ في السلوكيات الوقائية الأخرى.

"قد يكون من المفيد أيضًا تعزيز هذه الإجراءات الأخرى عند التواصل مع الجمهور، بدلاً من المبالغة في تقديرها"

تترك الحكومة الفدرالية الأمر للكانتونات لتقرير المدى الذي يجب أن تذهب إليه في قضية الكمامات، على الرغم من أنها شجعتها على فرضها في الأماكن العامة المغلقة.

سوغز، أستاذة الاتصالات العامة تؤكد من جهتها على أنه ما لم يؤمن الناس بمسؤوليتهم عن ارتداء كمامات عندما لا يمكن الحفاظ على التباعد الجسدي ويشعرون بالضغط الاجتماعي للقيام بذلك، فقد تكون هناك حاجة إلى قرارات إلزامية.

البدبل الآخر هو الوصول إلى نقطة يكون فيها ارتداء الكمامة أمرًا سهلاً ومقبولًا ومتوقعًا اجتماعيًا، كما تشير سوغز، مضيفة أن سويسرا لم تصل بعد إلى هذه النقطة.

مشاركة