فيروس كورونا وأرواح عام 1918

مستشفى عسكري في "أولتن"، 1918. Bundesarchiv

مثّل وباء "الإنفلونزا الإسبانية" الذي تفشّى بين العامين 1918 و 1919 واحدةً من أصعب الأزمات الصحية في تاريخ البشرية، ومع أنه لا يمكن مقارنة الوضع الحالي مع الوضع آنذاك، فإن هنالك أوجه تشابه.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 أبريل 2020 - 11:00 يوليو,

"ماتت بالحمى الإسبانية"؛ هذه العبارة التي ربما قالها ابن عم والدتي الذي كان حافظًا لتاريخ العائلة وأمينًا لغرفة مقدسات الطائفة البروتستانتية في قرية سويسرية صغيرة على الحدود الإيطالية، تقفز من ذكريات الطفولة وتشير إلى كاتَرينا، جدة أمي من جهة الأب، والمنحدرة من "فيلتلين".

في عام 1918 كانت كاتَرينا حاملاً؛ ومثل الكثير من النساء الأخريات اللواتي كنَّ في وضعها كان فيروس الإنفلونزا بالنسبة لها مميتًا. لقد توفيت مع مولودتها الجديدة في 15 ديسمبر من ذلك العام، وذلك بعد وقتٍ قصير من الولادة. كانت في الثانية والعشرين من عمرها وتركت خلفها زوجًا وبنتين صغيرتين.

نكبة عالمية

كانت كاتَرينا إحدى ضحايا "الإنفلونزا الإسبانية" الكثر، فوفقًا لأحدث التقديرات أدى الوباء إلى وفاة عدد يتراوح بين 50 و 100 مليون شخص في العالم (2.5 إلى 5% من سكان العالم آنذاك)، وهذا أكثر من عدد ضحايا الحرب العالمية الأولى، وربما الثانية أيضًا. وفقًا للأرقام المجردة كان أسوأ وباء في تاريخ البشرية. في سويسرا وحدها أصيب آنذاك حوالي مليونين من السكان وتوفي 25 ألفًا.

تروى الكثير من الفرضيات حول مصدر "الإنفلونزا الإسبانية"، وقد سُمّيت كذلك لأن الصحافة في إسبانيا المحايدة آنذاك، والتي لم تكن تخضع للرقابة العسكرية، كانت أول من نشر تقريرًا عنها. ربّما تكون قد جاءت من الصين، أو بدأت في الولايات المتحدة أو في معسكرات الجيوش الأوروبية.

اجتاح الوباء جميع القارات وضرب على شكل موجات: الأولى من أبريل حتى تموز 1918 والثانية في خريف العام نفسه، وكانت مميتة أكثر من غيرها. أما الثالثة فكانت في الأشهر الأولى من العام التالي.

تميزت "الإنفلونزا الإسبانية" بتوزع غير طبيعي للوفيات يختلف كثيرًا عن الوباء الحالي، كانت تصيب بقوة و بشكلٍ رئيسي الأشخاص الذين هم في أعمار تتراوح بين 20 و 40 سنة، حتى أن نصف الضحايا تقريبًا كان من هذه الفئات العمرية. الباحثون يتحدثون عن توزيع مثل حرف W تشير فيه القمة الوسطية إلى معدل الوفيات بين الشباب.

محتويات خارجية

عصر الأزمات

بالإضافة إلى ذلك أصابت "الإنفلونزا الإسبانية" الناس الذين هم وسط أزمة اجتماعية. في هذا الصدد يقول المؤرخ سيفريك يرسين، وهو طالب دكتوراه في جامعة بازل وخبير أوبئة وصحة عامة في سويسرا: "كانت الحرب قد أضعفت السكان، مثلما أضعفت الدول والاقتصاد"

كان تراص القوات في الثكنات وفي خنادق الحرب في أوروبا يسهّل انتقال العدوى. في سويسرا أيضًا، حيث كان الجيش معبَّأً للدفاع عن حدود البلاد، كان أوائل ضحايا الوباء من  الجنود. وفي يوليو 1918، بعد الموجة الأولى، بلغ عدد الموتى في الجيش 35 متوفٍّ يوميًّا.

ثم حدثت في شهري أوكتوبر ونوفمبر الانتفاضات العمالية التي بلغت ذروتها في الإضراب العام. وقد ساهم ذلك، بالإضافة إلى التعبئة الجديدة للجيش في سبيل حفظ النظام العام، في موجة ثانية من العدوى.

محتويات خارجية

وعلى عكس الانطباع في الصحافة آنذاك، والتي كانت تمجّد الضحايا بين الجنود، أصاب الوباء السكان المدنيين قبل غيرهم.

في العام 1991 كتب المؤرخ كريستيان سوندرأيغّر في واحدة من الدراسات الأولى عن "الإنفلونزا الإسبانية" في سويسرا بأن "نسبة الجنود كانت أقل من 8% من العدد الإجمالي للضحايا"

حدود إمكانيات الطب

يقول الخبير يرسين: "لم تكن الصحة العامة بالأهمية التي هي عليها اليوم؛ ولم تكن متطورة جداً، ولا في سويسرا أيضًا "؛ فعلى الرَّغم من أن الكنفدرالية السويسرية كانت قد أقرت قانون الأوبئة في العام 1886، وذلك بعد رفض أول مشروع من خلال اقتراع عام -قبل كل شيء بسبب التطعيم الإجباري المخطط له- فإن الإنفلونزا لم تكن من بين الأمراض المنظَّمة بالقانون.

في العام 1893 أُنشِئ المكتب الفدرالي للصحة العامة. بذلك كانت "برن" قد وضعت القاعدة لإدارة وطنية لشؤون الصحة، لكن الخطوات الخجولة باتجاه مركَزة شؤون الصحة كانت تصطدم بمقاومة قوية في الكانتونات.

طعام غداء في مركز استشفاءٍ في سغرسفيل، كانتون برن، للجنود المصابين بالإنفلونزا، 1918. Bundesarchiv

بالإضافة إلى ذلك، لم يكن الطب آنذاك في وضعٍ يُمكّنه من تحديد العامل المسبب للإنفلونزا. وجود الفيروسات كان نظرية قائمة، لكن حجم الفيروسات كان صغيراً جدّاً بالنسبة للمجهر الضوئي بحيث لا يُمكن رؤيته من خلاله، فالمجهر الألكتروني لم يخترع إلا في العام 1931. لقد كان الافتراض آنذاك بأن المسبب بكتيريا.

موقف السلطات

جاء  رد فعل السلطات السويسرية على الوباء متأخراً بعض الشيء واقتصر في البداية على إجراءات النظام العام. في الثامن عشر من يوليو 1918 نقلت الحكومة الفدرالية إلى الكانتونات بمرسوم طوارئ صلاحية منع التجمعات والتظاهرات.

"كان هذا القرار يستند على الأُذونات الكاملة التي مُنحت للحكومة عند اندلاع الحرب قبل أربع سنوات وليس على تغيير في قانون الأوبئة"، يقول الخبير يرسين، ويضيف بأن القرار: "كان يؤدي وظيفته في استراتيجية قمع الحركة العمالية أكثر منه في مكافحة انتشار المرض".

لم تتدخل السلطات الصحية بشكل أكثر حسمًا إلا في الخريف، فأمرت بإغلاق المدارس ودور السينما والأسواق وكذلك عزل المرضى. في الحادي عشر من أوكتوبر أمرت الحكومة الفدرالية الأطباء بوجوب الإبلاغ عن جميع حالات الإصابة بالإنفلونزا.

لكن "بعض الكانتونات اعتبرت هذه الإجراءات تدخلاً من السلطات الاتحادية، حتى أن كانتون فاليه امتنع عن تطبيقها" كما يقول يرسين.

من جهة ثانية قدم الاتحاد أيضًا مساعدات للكانتونات، وذلك بأن أخذ على عاتقه نصف التكاليف الناتجة عن الوباء، كما ضمنت الحكومة رفع رواتب العاملين في القطاع الصحي، وفي ذات الوقت تلقت الكانتونات صلاحية مساعدة الذين فقدوا وظائفهم بسبب الوباء، لكن هذا الإجراء لم يُطبَّق بشكل كافٍ.

الوباء وعدم المساواة

على الرغم من الإجراءات الفدرالية تحمّل جزءٌ كبيرٌ من تكاليف الوباء السكان أنفسهم، وقد ترك ذلك تأثيراً سيّئًا على الفئات الأكثر فقرًا، حيث كانت تغطية التكاليف من قبل شركات التأمين الصحي محدودة جدًّا. بالإضافة إلى ذلك فإن صناديق التأمين الصحي المرتبطة بالنقابات كانت تعاني من نقصٍ في التمويل بسبب عواقب الإضراب في عام 1918.

"الأوبئة تكشف الكثير عن وضع المجتمع"، يقول الخبير يرسين ويضيف: "لفترة طويلة كان يجري النقاش على أن تأثيرها، بمعنًى ما، ديموقراطيٌّ، وأنها تصيب الجميع بالتساوي. لكن في الحقيقة تبدو بيانات الوفيات إلى حدًّ كبير غير متجانسة وتشير إلى توترات إجتماعية وعدم مساواة".

بينما كانت الوفيات في أوروبا تقارب نسبة 1% بلغت في أماكن أخرى 5%. لا بل إنها بلغت في جزيرة "مادورا" الإندونيسية 25%؛ كذلك على المستوى المحلي كانت الفروقات بين الأحياء والطبقات الاجتماعية كبيرة جدّاً في جزءٍ منها.

في دراسته المذكورة سابقًا يؤكد كريستيان سوندرأيغّر بأنه في أحياء مدينة برن كانت هناك علاقة هامة بين نسبة الوفيات وملكية العقارات. بكلمات أخرى: إن من يعيشون بين الجدران الأربعة لبيوتهم الخاصة يتوفر تحت تصرفهم ما يكفي من المكان والإمكانية للبقاء في فراشهم، وإن المخاطرة بالنسبة لأمثال هؤلاء الناس كانت أقل بكثير مما هو بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في أمكنة ضيقة في الأحياء العمالية أو الفقيرة. بالإضافة إلى ذلك فإن الأولين -ومن دون شك- في وضعٍ أفضل للتغلب على العواقب الاقتصادية للأزمة الصحية.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة