Navigation

"أطفال الخزائن" يُطالبون سويسرا بالاعتذار والتعويض

أطفال العمال الموسميين لم يكونوا موضع ترحيب في سويسرا. Keystone / Str

لسنوات عديدة، حُرم الآلاف من أطفال العمال الموسميين من العيش في سويسرا مع والديهم أو فعلوا ذلك بشكل غير قانوني. هذه المعاناة طالت الكثير من العائلات، واليوم، برزت للوجود جمعية تطالب السلطات الفدرالية بتصويب الخطأ والاعتذار علانية.  

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 نوفمبر 2021 - 10:26 يوليو,

"هذه الحكاية ليست من العصور الوسطى، أما أين؟ إنها في سويسرا، في موطن الصليب الأحمر، لقد شكّلت اعتداء صارخًا على سلامة الأسرة، ولم ينبس أحد حينها ببنت شفة حيالها": بهذه الكلمات بدأ إيجيديو ستيليانو، نائب رئيس جمعية "تيزورو" (Tesoro)، بتقديم جمعيته رسميًا في الأول من أكتوبر 2021 في زيورخ مطالبًا باعتذار رسمي من السلطات السويسرية وبتعويضات - ولو رمزية - لضحايا قانون العمال الموسميين.

ما الذي نتحدث عنه بالضبط؟ فالعمل الموسمي لطالما وجد عبر التاريخ، إلا أنه كان في سويسرا في فترة ما بمثابة عمل حقيقي، نشأ بالاستناد إلى القانون الفدرالي لعام 1931 بشأن إقامة وسكن الأجانب، الذي اعتُمد "في إطار سياسة هجرة شمولية تضمن المرونة اللازمة لاحتياجات الاقتصاد في مواجهة زيادة أعداد الأجانب"، كما هو مكتوب في القاموس التاريخي لسويسرارابط خارجي.

والحقيقة، أن هذا الوضع القانوني أفاد الاقتصاد السويسري إلى حدّ كبير، فقد أمكن للكنفدرالية، على سبيل المثال، استيعاب تداعيات أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي بواسطة تصدير الأزمة عبر الحدّ من هذا النوع من العقود بشكل كبير، كما يتضح من الرسم البياني التالي:

محتويات خارجية

أطفالٌ غير شرعيون

ما هو مضمون تصريح العمل الموسمي؟ يَسمح للعامل الموسمي بالبقاء في سويسرا لمدة أقصاها تسعة أشهر في السنة، ويستحق تأمينات اجتماعية مخفضة، ولا يحق له خلال الموسم تغيير وظيفته، وكذلك ما نحن بصدده، وهو أنه يُحظر عليه لمّ الشمل العائلي، بمعنى آخر ، أن أولئك الذين جاؤوا "لصناعة الموسم" في سويسرا ، ولا سيما في قطاع الفنادق والبناء لا يُمكنهم اصطحاب عائلاتهم معهم، وإذا حصل زوجان على تصريح عمل موسمي، فعليهما القدوم بمفردهما وترك أطفالهما خلفهما في البلد.

وباستثناء بعض الامتيازات التي حظيت بها إيطاليا، كتحصلها في عام 1964 على الحق في تحويل التصاريح الموسمية بعد خمسة مواسم متتالية إلى تصاريح سنوية تتيح لمّ الشمل العائلي، استمر الوضع حتى عام 2002، حيث انتهى وضع التصاريح الموسمية مع سريان العمل باتفاقية حرية تنقل الأشخاص بين سويسرا والاتحاد الأوروبي.

صحيحٌ - كما تمت الإشارة إليه سابقًا - أن هذا النوع من العقود حقق النفع للاقتصاد السويسري، إلا أنه خلّف عند العديد من العائلات ألمًا لا يُنسى.

فكم هي العائلات التي حيل بينها وبين أبنائها لأشهر طويلة، أو تلك التي أحضرت أبنائها إلى سويسرا بشكل غير قانوني، فاضطر الأطفال إلى البقاء مختبئين خشية تعرّف السلطات عليهم وترحيلهم من البلاد.

غادر القطار.. وبقي الطفل!

تلك قصة عاشها بنفسه إيجيديو ستيليانو، أخصائي التثقيف العصبي، الذي يبلغ من العمر حاليًا 61 عامًا، ويعمل في إحدى عيادات كانتون سانت غالن.

غادر والدا إجيديو مسقط رأسهما في منطقة باسيليكاتا، في جنوب إيطاليا في عام 1963 عندما كان في الثالثة من عمره، وعُهد به إلى جدته التي اصطحبته في نفس يوم مغادرة والديه إلى الريف ليودّع قطارًا عابرًا ، لم يكن يدرك في حينها أن والديْه يُوجدان على متن ذلك القطار المتجه إلى سويسرا.واليوم ، يتحدث بعَبرة مشبعة بالعاطفة عن معاناة تلك الأم الشابة والأب الشاب اللذان رأيا صغيرهما يفارقهما بعيدًا دون أن يعرفا متى سيرانه مرة أخرى.

وفي سنه السابعة، تُوفيت جدته بسكتة دماغية ، فقرر الوالدان تحدي القانون وإحضاره إلى سويسرا، وبمجرد وصوله إلى ألتِشتاتن إحدى قرى كانتون سانت غالن، كانت القاعدة واضحة: "قالوا لي: يا ولد، يجب أن تبقى في المنزل طوال اليوم، وإذا كنت تريد الخروج، فاخرج من الباب الخلفي والعب في الغابة دون أن يراك أحد".

ويتذكّر إيجيديو: "لقد أصبحت الغابة كأنها هي البيت بالنسبة لي، أمضي فيها كامل نهاري لوحدي، وبمجرد أن أسمع صفارة إنذار أركض وأختبئ في مخبأ استدللت عليه واعتقدتُ أنه لن يعثر عليّ فيه أحد، وكنت أتوجّس دائمًا أن يأتي أحد وينتزعني من أمي".

"أكثر الذكريات رسوخا؟ الخوف!"

مثله، أجبر آلاف الأطفال، خاصة في عقديْ الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، على "العيش في خزائن" كما يُقال، وتحولوا إلى مجرد أشباح. ومع أنه لا توجد أرقام رسمية، إلا أن بعض التقديرات تتحدث عن حوالي خمسة عشر ألف طفل في عشرية السبعينيات وحدها.

واليوم، وبعد انقضاء سنوات طويلة، يقول إيجيديو: "أكثر ما بقي لي من الذكريات الحية هو الخوف".

ومرت الأشهر إلى أن جاء اليوم الذي لمح فيه تلميذة في الغابة، وقرر ألا يختبئ بعد ذلك: "لأن الرغبة في التواجد مع أطفال آخرين كانت أقوى مني"، ثم إنهم "كانوا يلعبون دائمًا تحت الشمس، أما أنا فكان لزامًا عليّ البقاء في الظل".

اقتربت منه سيدة وتحدثت إليه باللغة الإيطالية: "ربما لأنني لم أكن أشقرًا"، وسألته عن اسمه وماذا يفعل. ويضيف إيجيديو موضحا: "لقد كانت معلمة، وما إن عادت إلى القرية حتى صدعت بالأمر، فقد كانت تريد إلحاقي بالمدرسة".

وما هي إلا بضع ساعات، وإذا بالشرطة تقرع جرس باب عائلة ستيليانو قائلة إن الطفل يجب أن يعود إلى إيطاليا، ثم إن صاحب العمل حيث يعمل الأب تدخّل بصفته كفيلًا وأقنع الشرطة بالسماح للصبي إيجيديو بالبقاء مع والديْه والالتحاق بالمدرسة. واليوم يستذكر إيجيديو الموقف قائلا بنبرة ساخرة: "لقد فرضت الرأسمالية نفسها".

تحريك الضمائر

مع ذلك، بقيت الجروح، وظلت تُنكأ حين الاجتماع أو الالتقاء، ولو عرضًا، مع أشخاص عاشوا هذا الماضي الأليم، ومنه وُلدت فكرة جمعية "تيزورو" (أي "عزيزي") .

"فكرتنا ليست انتقامًا، كل ما نريده، وأيضًا بالنظر إلى الواقع الحالي وكيف يُعامَل المهاجرون في العديد من الدول، أن نستثير في الجميع، ولا سيما لدى الطبقة السياسية السويسرية، لحظة تفكير، لكي لا يحدث نفس الشيء مرة أخرى"، يُؤكد نائب رئيس الجمعية.

وبالإضافة إلى الاعتذار، تطالب جمعية "تيزورو" السلطات الفدرالية بتعويض الضحايا، ويُحدّد إيجيديو ستيليانو تعويضًا "رمزيًا"، ويضيف: "أنا شخصياً لا أريد حتى استخدام هذه الكلمة، ومن المُمكن أن يكون ولو فرنكًا واحدًا، إنها مسألة صورية، ولا يعنينا أكثر من ذلك".

وفي الواقع، فإن الهدف هو تحريك الضمائر قليلاً مثلما حدث قبل ذلك بشأن قضية ما يسمى في سويسرا بـ "فيردنغ كيندر" (Verdingkinder) أو "أطفال الرعاية الذين تعرّضوا في الماضي للاستغلال"، ويشرح ستيليانو أن الأمر مجرد اعتراف بالصدمة التي تعرّض لها وعانى منها هؤلاء الأطفال ومنهم من لم يتمكن من الخروج منها سالمًا، ثم أخيراً وليس آخراً، من أجل إثارة البحث التاريخي حول تلك السنوات، التي لطالما أغفلت من الدراسة، ولم يُعن بالموضوع إلا ما كان من بعض الدراسات، كتلك التي أعدّتها مارينا فريجيريو في عام 2012، بعنوان "الأطفال ممنوعون؛ قصص العائلات الإيطالية في سويسرا بين السرية والفراق".

تقديم مذكّرة في الأفق

على كلٍ، سيتم تداول الموضوع قريبا، فقد أصبح الملف في عهدة النائبة الاشتراكية سميرة مارتي، التي ترى أنه "لابد من إحياء قضية تجريم أطفال العمال الموسميين سواءً على مستوى الرأي العام أو السياسي أو التاريخي، فضلًا عن الاعتراف والاعتذار الرمزي عن تلك الانتهاكات لحقوق الإنسان"، على حدّ قول العضوة في مجلس النواب (الغرفة السفلى في البرلمان الفدرالي). 

وخلال الدورة البرلمانية الشتوية التي تلتئم في شهر ديسمبر المقبل، ستطرح مارتي مذكّرة تطالب فيها الحكومة بإبداء موقفها من المبادرة، وأضافت قائلة: "بعد ذلك، سنقوم بالتعاون مع جمعية "تيزورو" بتقييم الخطوات التالية".

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

اكتب تعليقا

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟