"سينما الواقع".. موعـد فنيّ متجدد مع نبض العالم على ضفاف بحيرة ليمان


بقلم
بيار فرانسوا - بيسون


عندما يحاول فيلما ما تصوير ما يحسه العالم. في الفيلم السويسري Abendland يبيّن إلى أي حد تحوّلت البلدان الغربية إلى قلاع محصنة للإحتماء من مآسي العالم.

عندما يحاول فيلما ما تصوير ما يحسه العالم. في الفيلم السويسري Abendland يبيّن إلى أي حد تحوّلت البلدان الغربية إلى قلاع محصنة للإحتماء من مآسي العالم.

في نيون، الواقعة على مسافة قصيرة من جنيف، أنطلقت الخميس 7 أبريل 2011 أعمال الدورة السابعة عشر لواحد من أشهر المهرجانات الثلاث الدولية الأولى للسينما الواقعية في العالم. هذه الدورة هي الأولى في ظل إدارة الإيطالي لوتشانو باريزوني، والذي لا يخفي رهبته وخوفه، مع انطلاق فعاليات هذه الدورة لكنه يعلن تمسكه بالتنوع والاختلاف.

أما المدير السابق، جون بيريت، فقد تولى مهام جديدة إذ أصبح مدير قسم السينما بالمدرسة العليا للفنون والتصميم بجنيف ((HEAD.

باريزوني الذي خلفه في مهمته، هو صحافي وناقد سابق، مولود بجنوه، سبق أن أصدر العديد من المؤلفات التي خصصها لكلينت إيسترفود، وسيدني بولاك. وأنشأ مهرجان ألبا الشهير عندما كان يعمل لصالح "لاموسترا" في البندقية، وفي مهرجان لوكارنو.

وقبل توليه إدارة مهرجان السينما الواقعية بنيون الذي كان يتابع أعماله منذ عدة سنوات، كان المدير الفني لمهرجان "داي بوبولي" بفلورانس.

swissinfo.ch: أي شعور يحدوك، وأنت تفتتح أول دورة لمهرجان السينما الواقعية تحت إدارتك الفنية؟

لوتشانو باريزوني: في نفس الوقت، أشعر بالرغبة في إشراك الجمهور ثمرة عملية الإختيار التي شغلتنا خمسة أشهر كاملة، ولكن يغمرني أيضا خوف ورهبة، وهي حالة عادية نشعر بها عندما نصعد فوق الركح. ولكن وصولنا إلى هذه المرحلة، يطمئننا إلى أننا سوف نتجاوزها (بنجاح)...

ما دمنا نتحدث عن اختيار الأعمال المشاركة، ما هي الطريقة التي اعتمدتها في ذلك؟

لوتشانو باريزوني: هي نفس الطريقة التي كان يعتمدها جون بيرات، المدير الفني السابق. المهم بالنسبة لنا هو الإخراج الفني الذي يكون عليه العمل، وليس فقط الموضوع أو أحداث الفيلم.

الفيلم، مثله مثل أي عمل فني آخر، يصل إلى الجمهور عبر الإخراج والأشكال التعبيرية. فلو أخذنا مثلا  لوحة "لاجوكوند" la Joconde، سوف نجد ان الموضوع هو مجرد إمرأة، لكن اللحوحة الفنية هي "لاجوكوند"

أما المعايير المعايير الأخرى فهي معايير أخلاقية. نحن نعرض أفلاما، وإن كانت تريد أن تحوّل الواقع إلى نوع من الحضور الفني، فإنه يجب عليها أن تبدي احتراما للأشخاص الذين يصورهم الفيلم، وللجمهور الذي سوف يشاهده. وهذا الأخير يجب ان ينظر إليه على انه مسؤول، وقادر على التمييز، وليس كطفل صغير يمكن تلقينه او مغالطته.

هل تعتبر نفسك في تواصل وإستمرارية مع العمل الذي قام به جون بيرات، أم على العكس في قطيعة معه؟

لوتشانو باريزوني: أنا أجد نفسي اقرب إلى الاستمرارية لكن مع التجديد. ولكل واحد منا تجربته. لا يمكن الحديث عن قطيعة بل عن رغبة في إعادة ضبط وتعديل وجهة المهرجان نوعا ما.

السينما بالنسبة لي كانت دوما لحظة من لحظات اكتشاف العالم. ومن الواضح جدا بالنسبة لي أنه عبر هذا المهرجان يمكن اكتشاف العالم ليس فقط من حيث هو فضاء مادي، ولكن أيضا كمكان للتأمّل والتفكير.

هل يوجد فيلم يجسّد فعلا تمشيكم هذا؟

لوتشانو باريزوني: أكاد أقول كل الأفلام المبرمجة في هذه الدورة (يضحك). لكني اعود إلى دورة العام الماضي: فالفيلم الذي حصد الجائزة الكبرى Into Eternityهو عمل قد استبق ما يحصل الآن. والإهتمام البالغ اليوم بالمنشآت النووية والأخطار التي ترتبط بها . ويختص مهرجان نيون بعرض أفلام تصف في العمق الأوضاع التي تمر بها المجتمعات المعاصرة.

 

في هذا السنة، نجد أن الأفلام الثلاث  Abendland وMercado de futuros  و Sonnensystem لا تروي قصصا أو وقائع تاريخية بعينها، بل هي أعمال تحاول أن تصف أحاسيس العالم في لحظة بعينها. في فيلم Abendland، نرى كيف بنيْنا قلعة محصنة من حولنا من الولادة وحتى الوفاة، وتحولت مجتمعاتنا إلى فضاء ندافع عنه من الخارج، لكننا سجناء له في الداخل، فتحولت إلى فضاء منغلق مرتيْن. هذا هو على الأقل ما يشعر به المخرج نيكولوس غيرهالتر تجاه المجتمعات الغربية.

 

بالنسبة لفيلم Sonnensystem، يتناول المخرج طوماس هايس مسألة ضياع التنوع والإختلاف، واختفاء المجموعات الصغيرة، وثقافة الأقليات، المتباينة داخل نفس المجتمع. إنه تنديد ونقد لهذه العولمة التي تتلخص في النهاية في اختفاء التباينات والإختلافات.

أما فيلم Mercado de futurosفهو يعالج قضية ضياع الذاكرة. ويشير إلى اننا نعيش اليوم في ظل نظام يحتقر الذاكرة ويتناساها. لا ننظر إلا إلى المستقبل، ولكن أي مستقبل؟

 على هذا المستوى، هل من دور بالإمكان ان يلعبه مهرجان السينما الوثائقية ؟

لوتشانو باريزوني: أعتقد نعم، مهرجان السينما الواقعية يعرض أفلاما، ويوفّر فرصة للحوار بشأن ما تعالجه تلك الأعمال من قضايا مهمة. أنه كذلك بمثابة السوق التي تسمح بنشر هذه الأعمال بين السكان . هذان البعدان مهمان بالنسبة لي. لكن هذا الفضاء المخصص للحوار وتبادل الرأي الذي يلتقي فيه المشاركون والجمهور يجب أن يكون منسجما تماما مع ما يطلبه المشاهد. هذا هو على الأقل أملي الشخصي.

أتوقّع أن لدى المشاهدين رغبة في الالتقاء، وأن يذهبوا إلى قاعات السينما بدلا من ان ينكفئوا في بيوتهم لمشاهدة الأقراص المدمجة أو شاشات التلفزيون . وفي اللحظات التاريخية الصعبة، يبدو لي أن الناس ينتابهم شعور ورغبة في الإلتقاء والتواصل.

في أي حالة تريد ان يختتم الجمهور هذه الدورة السابعة عشر من مهرجان السينما الوثائقية؟

لوتشانو باريزوني: أتمنى ان يكونوا قد نموا وعيهم وإدراكهم بقضايا العالم وتنوّعه. وأن يكونوا على إستعداد للدفاع عن هذا التنوّع. آمل أن تنجح الأفلام المختارة هذه السنة في بذر هذا الإستعداد وهذه الشجاعة، وأنا من دعاة الحفاظ على الإختلاف، لأنه عامل إثراء للتجربة البشرية. اما العولمة، والنمطية، فهي تمثل الليل والظلمة، لأنها تؤدي إلى اختفاء العالم.

التغيير الأساسي الذي شهدته هذه الدورة هو تقسيم المسابقة الدولية إلى ثلاثة أقسام بحسب طول الأفلام، ما مبرر ذلك؟

لوتشانو باريزوني: فعلنا ذلك للخروج عن النمطية، خاصة والجميع يعلم أن الكثير من المهرجانات تختار في نفس المسابقات أفلاما طويلة وأخرى متوسطة وقصيرة، مع الوعي بأن بعض الأعمال القصيرة في بعض الأحيان تكون أهم من الأفلام الطويلة.

وأنا متفق تماما مع ما سبق، لكن هذا يتطلب كذلك شجاعة ووعيا من لجان التحكيم لكي يمنحوا جوائز إلى الأفلام القصيرة من حين لآخر. تصوروا ردة فعل أحد المخرجين المشاركين في المسابقة والذي قضى ثلاث سنوات وهو منكب على إنجاز عمله...أجد من المنطقي القول اننا سوف نختار الأفضل من داخل كل فئة على حداها.

كذلك أردت من وراء ذلك أن أثبت انه في العديد من المهرجان لا يولى أي اهتمام للأفلام متوسطة الطول، لأنه ينظر إليها في العادة كما لو أنها شيء يصعب تحديده. ويقال في العادة الفيلم المتوسط هو الذي يصل طوله إلى 50 دقيقة، وله شكل العروض التلفزيونية. هذا الأمر ليس صحيحا وبالإمكان ببساطة العثور على أفلام يتراوح طولها بين 33 دقيقة و58 دقيقة، أشرفت على إنتاجها معاهد فنية ومدارس عليا متخصصة. أردنا من خلال هذا التصنيف الثلاثي، منح الأشكال الفنية المبتكرة، الأهمية التي تستحق.

الدورة السابعة عشر للسينما الوثائقية

تنظم فعاليات الدورة السابعة عشر لمهرجان السينما الواقعية بنيون القريبة من جنيف في الفترة المتراوحة بين 7 و13 ابريل 2011 بمشاركة ازيد من 180 فيلما. و95% من الأفلام المشاركة في المنافسة تعرض لأوّل مرة على المستوى العالمي، و5% على المستوى السويسري. وسوف يعلن عن الجائزة الكبرى مساء الأربعاء 13 أبريل الجاري.

تنقسم المسابقة الدولية إلى ثلاث مجموعات بحسب طول الأفلام. فقرة "نظرات جديدة" التي اختفت لتظهر عوضا عنها فقرات أخرى بعضها يهتم بالأفلام الجديدة في سويسرا، وبعضها الآخر يركز اهتمامه على ما يحدث في كولومبيا.

أما ضيفا الموائد المستديرة التي كانت تنظم أيضا في الدورات السابقة فهما الإسباني جوزاي لويس غيرين، والأمريكي غاي روزانبلاط. فضلا عن الإيطالي جيوفاني شيوني والبرازيلية ماريلغا روخا بالنسبة للحصص الخاصة.

معلومات الأساسية

المهرجان الدولي "رؤى من الواقع" الذي ينظّم سنويا بمدينة نيون الواقعة على ضفة بحيرة جنيف هو الأول من نوعه في مجال عرض الأفلام الوثائقية. ومن أهدافه كما يقول المنظمون "عرض العالم كما هو معاش في تنوع تعبيراته الثقافية وتعدده الحضاري". وهو الأول ضِـمن المهرجانات السينمائية في سويسرا الروماندية (الناطقة بالفرنسية)، والثالث من حيث الميزانية والفعاليات على المستوى الوطني إلى جانب مهرجان لوكارنو وسولوتورن.

تستمر فعاليات مهرجان السينما الواقعية بنيون من 7 إلى 13 أبريل 2011.

 

يعرض المهرجان 180 فيلما تم اختيارها من المئات من الأفلام تقدمت بطلبات مشاركة.

تبلغ ميزانية هذه الدورة 2.5 مليون فرنك سويسري، وتشارك في تمويله العديد من المؤسسات العامة والخاصة، ومن ذلك الإدارة الوطنية للبريد، والمكتب الفدرالي للثقافة الذي تبلغ مساهمته السنوية 400.000 فرنك. ويتوزع التمويل بين 50% من القطاع العام و45% من القطاع الخاص، والبقية من مداخيل تذاكر الدخول إلى العروض.

يشارك في هذه الدورة السابعة عشر أفلام حول الواقع السياسي والتحولات الاجتماعية والقيمية في العالم، بعضها بعيون أوروبية وأخرى برؤى دولية. كما تطغى على مجمل الأعمال المعروضة مسحات متباينة تعكس تنوع الرؤى الإنسانية على الساحتين المحلية والدولية.

يصل الدعم الحكومي الذي تقدمه الحكومة السويسرية سنويا إلى السينما إلى 1.3 مليون فرنك، نصف تلك المنحة يذهب تقريبا إلى دعم المدارس العليا المختصة، و350.000 إلى حملات التوعية والتحسيس في صفوف الأطفال والشباب.


(نقله من الفرنسية وعالجه عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch



وصلات

×