Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

المخرج السوري محمد عبد العزيز


"الحياة في سوريا أكثر مأساوية من أيّ سيناريو يُمكن كتابته"


بقلم مي المهدي، زيورخ


لقطة من فيلم "الرابعة بتوقيت الفردوس" للمخرج السوري محمد عبد العزيز، والذي شارك في الدورة الأخيرة لمهرجان الفيلم العربي زيورخ. (Arab Film Festival)

لقطة من فيلم "الرابعة بتوقيت الفردوس" للمخرج السوري محمد عبد العزيز، والذي شارك في الدورة الأخيرة لمهرجان الفيلم العربي زيورخ.

(Arab Film Festival)

"في دمشق قد يذهب المرء في الصباح إلى سرداق عزاء وفي المساء إلى عرس أو دار الأوبرا". هذه التناقضات المتداخلة هي جزء من طبيعة الحياة في سوريا الآن ومن يوميات محمد عبد العزيز وأفلامه في ظل الحرب. 

 في حوار خاص أجرته معه swissinfo.ch يوم 19 نوفمبر 2016 خلال مشاركته في مهرجان الفيلم العربي زيورخ، يتحدث المخرج السوري محمد عبد العزيز عن الحياة في زمن الحرب وجدلية فنه السينمائي وعلاقته بالسياسة، وعن الأزمة السورية وتعقيداتها. 

مهرجان سينمائي في سطور 

تأسست جمعية مهرجان الفيلم العربي زيورخ عام 2008 بهدف تقريب السينما والثقافة العربية للجمهور السويسري.

في دورته الثالثة، عرض المهرجان مجموعة مهمة من الأفلام العربية الجديدة التي تعكس التنوع الثقافي في العالم العربي، كما سلط الضوء على صناعة الأفلام في سوريا عبر عدد من الأفلام وحلقات نقاش مع المخرجين.

من أهم الأفلام المشاركة "الرابعة بتوقيت الفردوس"، "نوارة" ، "ياللا تحت الأرض"، "من ألف إلى باء".

يسعى المهرجان غير الربحي إلى دعم ثقافة الحوار وتقديم صورة متباينة ودقيقة للتغيرات والتطورات في العالم العربي تختلف عن التغطيات الإعلامية النمطية.

يتواصل عرض الأفلام المشاركة حتى 15 ديسمبر 2016 في بعض دور العرض السينمائية في مدن سويسرية عدة. 

swissinfo.ch: لم تكتف في فيلمك الأخير "الرابعة بتوقيت الفردوس" بإظهار معاناة الحرب بل مزجتها بمآسي مرض السرطان والفقر والعلاقات الإنسانية الفاشلة. لماذا هذا الطرح المفجع؟

محمد عبد العزيز: بداية الفيلم تبلورت بنفس الغرفة التي ظهرت في الفيلم بالطابق الثاني عندما رافقت انساناً عزيزا عليّ. طوال فترة العلاج كنت أقف عند ذات النافذة وأراقب سائق الرافعة من بعيد، وهذا السائق هو نفسه الذي قام بهذا الدور في الفيلم، ولم أستعن بممثل محترف. فكرة الفيلم لم تطرأ على بالي من قبل، لكن بعد عودتي إلى المنزل، شعرت وكأن هناك قوة خفية دفعتني لكتابة سيناريو الفيلم خلال أسبوع واحد، رغم أنني عادة أحتاج إلى عامين للكتابة. قصة الحرب في الفيلم هي جزء من حياتي، وقصة مرض السرطان تسرد حكاية عزيز عليّ، وهذه هي السينما الحقيقية التي تستمد محتواها من مشاعر الناس ويعاد تدويرها على الشاشة. نحن شعوب تضحك كثيرا رغم التراجيديا الكبيرة في حياتنا.

swissinfo.ch: لكن هذا الفيلم برواياته الصادمة يقتصر على التراجيديا، ومن الصعب تصور أن يذهب المواطن السوري إلى دار السينما لمشاهدة فيلم بهذا الكم من الألم والحزن. هل أفلامك موجهة للخارج وهدفها المهرجانات الدولية؟

محمد عبد العزيز: عندما أصنع فيلما أحاول أن لا أحدد الجمهور، وكنت أتصور أن الأوروبيين، على سبيل المثال، قد يتفاعلوا بشكل أكبر مع فيلم من هذا القبيل، لكن الفيلم لقي قبولا جماهيريا في سوريا لم أكن أتخيله. لم أتصور أن يأتي الناس لمشاهدة تراجيديا يعيشونها يوميا في الحياة، لكن قد يكون الجمهور في وقت الحرب بحاجة إلى لحظة للتطهير.

swissinfo.ch: هل تشعر أيضا بأن العالم تخلى عن سوريا وأردت إيقاظ المشاهد بهذه الأقدار المفجعة لأبطال الفيلم؟

محمد عبد العزيز: لا أشعر بأن العالم تخلى عن سوريا لأنه يتعيّن على السوريين أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، ولأن هذه المشاكل نابعة من مخاض المجتمع السوري، لكن عندما تكون الفاجعة بهذه التراجيديا القاسية، تصبح السينما أداة مهمة للوصول إلى المجتمع الدولي ليتعرفوا على سوريا وما يجري فيها بواقعية مجردة، بعيدا عن التغطيات الإخبارية. طبيعة الصراع في سورية لا يمكن اختصارها بين القوى السورية على الأرض، بل تتعداها إلى الفكرة القائلة أنه يجب إعادة تفكيك النظام العالمي الجائر بما يتناسب مع طبيعة الصراع في العالم أجمع وبما يتواءم مع مشكلات الحاضر.

swissinfo.ch: هذا الفيلم يحمل نفس القدر من الجدلية كشخصيتك، هناك من يصنفك مواليا للنظام السوري وآخرون كمعارض، في أي خانة تضع نفسك؟

محمد عبد العزيز: المحك بالنسبة لي هو القيم الإنسانية. عندما يضع السينمائي نفسه في خانة ما فهو يحد من قدرته على رؤية الأشياء ومن علاقاته ومن شمولية السينما، والمشكلة في سوريا أنه يوجد الآن حالة استقطاب شديد، فإما أن يكون الشخص من الموالاة أو المعارضة، أما أنا فأسير على طريق ثالث وتعودت على الانتقادات.

محمد عبد العزيز

وُلد عام 1974 على الحدود السورية التركية في أسرة متنوعة عرقيا، جدته أرمينية مسيحية وجده كردي وتوفي والده وأمه حبلى به في الشهر السابع. ويقول إن علاقته بوالده تنحصر في صورة واحدة بالأبيض والأسود، وأن أمه الفلاحة التي ربته لعبت دورا في انحيازه للمرأة عاطفيا وفنيا.

من أوائل من عملوا في السينما المستقلة في سوريا وأخرج العديد من الأفلام الروائية: "نصف ملغ نيكوتين"، "دمشق مع حبي"، "الرابعة بتوقيت الفردوس". وتم ترشيح الأخير لسبع جوائز للغولدن الغلوب هذا العام.

يُعرض فيلمه "الرابعة بتوقيت الفردوس" في عدد من دور العرض السينمائية الآن في سويسرا ضمن فعاليات مهرجان الفيلم العربي زيورخ.

swissinfo.ch: لكن دعم المؤسسة العامة للسينما التابعة للدولة طرح أيضا تساؤلات حول مغزى الفيلم وهدفه، ولاسيّما أن هناك مشهدا في الفيلم يحاول فيه جندي سوري انقاذ حياة فتاة معجب بها بعد إصابتها في سيارة مفخخة؟ أليس هذا الفيلم محاولة لتبييض صورة الجيش السوري المتهم بارتكاب جرائم حرب؟

محمد عبد العزيز: الفيلم ينتهي بترك الجندي موقعه في الجيش وبقائه في المشفى. الجندي لا يعود إلى مكانه في نقطة التفتيش، فمكانه هو الحياة والحب، بينما حبيبته في غرفة العناية المكثفة. لم يأت الفيلم لتبيض صورة الجيش، ولم أتعرض لأي ضغوط من أي جهة. هناك كثيرون في الجيش السوري يفهمون الحياة وطبيعة العلاقة المركبة المرتبطة بالحدث السوري. لا يمكنني أن أضع كل جندي سوري في سلة القاتل، ولا كل المعارضة في سلة واحدة. كنت دائما ضد سيطرة العسكر على الحكم بأي منطقة وليس فقط بسوريا، وإذا قرأنا دلالات الفيلم بطريقة مختلفة فيمكن أن نستخلص تفسيرا مغايرا تماما.

swissinfo.ch: الفيلم يحمل فعلا دلالات كثيرة، ومن بينها أنك أظهرت كل أبطال الفيلم كضحية. لماذا نأيت بنفسك عن الإشارة إلى الجلاد؟

محمد عبد العزيز: لا يوجد جلاد أو مسؤول واحد. هذا ما تقوم به نشرات الأخبار التي يحمل بعضها بشار الأسد مسؤولية ما يحدث أو الإسلاميين أو الأميركيين أو الإيرانيين أو الروس، لكن الحقيقة أن المجتمع السوري والأزمة السورية أكثر تعقيدا من هذا الشرح المبسط. بالطبع تتحمل الدولة وسلطاتها جزءا كبيرا من المسؤولية، وأيضا قطر وتركيا والسعودية والأردن. هذه الدول التي لعبت دورا رئيسيا في تحويل الإنتفاضة السلمية إلى صراع مسلح ودعمت الحركات الإسلامية المتطرفة. لا توجد جهة تتحمل وحدها المسؤولية، ولا يمكن الحديث الآن عن ثورة بيضاء تم قمعها، فمن يتفوه بكلمة الديمقراطية في المناطق الواقعة الآن تحت سيطرة الثوار، يقتل.

swissinfo.ch: لكن ألا ترى بأن عدم استجابة الرئيس بشار الأسد لمطالب الثوار كان السبب الرئيسي في تحول الإنتفاضة السلمية إلى المقاومة المسلحة؟

محمد عبد العزيز: هذا ما قصدته عندماُ قلت بأن المسؤولية الكبيرة تقع على عاتق الدولة وهي مسؤولية سياسية وأمنية وأخلاقية، ولكن لا أظن أن هذا السبب الرئيسي، فهذا النوع من الأنظمة بحاجة إلى وقت أكبر لانتقال السلطة بصورة سلمية، والثورة بدأت في مناطق هي موطن حزب البعث، وأعمال العنف بدأت من الطرفين. سوريا بلد غني بالثقافات والمجموعات العرقية المختلفة، وعملية التحول الديمقراطي فيها بحاجة إلى وقت أكبر لضمان السلم الأهلي. النظام السوري ليس من كوكب آخر، هو أيضا سوري ولديه أيضا كالمعارضة مؤيدون بالملايين.

swissinfo.ch: أيضا حصر الفيلم في تصوير مأساة المدنيين في دمشق فقط، أضفى على الفيلم طابع التحيز من البداية لأن المأساة الإنسانية الكبرى تقع خارج دمشق، ولأن الفيلم تجاهل مآسي ملايين السوريين الذين قتلوا أو نزحوا جراء الصراع المسلح؟

محمد عبد العزيز: في السينما يجب أن يحدد المخرج وحدة المكان ويمكن تعميم القصة على أماكن أخرى. قد أشاهد فيلما مكسيكيا يعالج قضية الفلاحين في قرية هناك، ورغم ذلك قد أشعر بأنه يتطرق للشأن السوري أيضا أو لقضايا الفلاح المصري أو الفلسطيني. 

swissinfo.ch: هل لديك أيضا ارتباط شخصي بمدينة دمشق، مكان تصوير الكثير من أعمالك؟

محمد عبد العزيز: دمشق مدينة لها دلالات مركبة ومتناقضة. هي أقدم مدينة مأهولة بالسكان في التاريخ وغنية بالثقافات، عاش فيها أدباء وشعراء وفنانون وبها أسرار خفية لن يكتشفها إلا ساكنوها. زرت دمشق أول مرة عام 1989 في فبراير لأرى بنتا كنت أحبها، وظللت أدور حول بيتها طوال الليل حتى رأيتها تطل من النافذة. هذه هي أول مرة اكتشفت فيها هذه الفتاة وهذه المدينة.

swissinfo.ch: وكيف أثرت ظروف الحرب على أجواء تصوير الفيلم في دمشق؟

محمد عبد العزيز: ظروف الحياة والعمل في سوريا صعبة للغاية عموما، من يخرج من بيته يودع أبنائه قبلها لأنه لا يعرف إن كان سيعود حيّا مرة أخرى. اضطررت إلى الغاء دور في فيلم صورته مؤخرا لأن الممثلة توفيت جراء قذيفة أصابت منزلها فغيرت السيناريو احتراما لغيابها. نحن في سوريا نعيش في فيلم داخل الفيلم والحياة هنا هي أكثر تراجيديا من أي سيناريو يمكن كتابته، لكن الناس ما زالت قادرة على الحياة رغم الموت الذي يحاصرها. في دمشق، قد تذهبين في الصباح إلى سرداق عزاء وفي المساء إلى عرس أو دار الأوبرا، رغم الحرب نواصل العيش ونختبر كل يوم الموت، الذي يترصد بنا في كل مكان.

swissinfo.ch: ورغم ذلك فأنت باق في سوريا ولا تفكر في الرحيل..

محمد عبد العزيز: كثيرون رحلوا. لا بد أن يبقى أحد هنا. 

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×