تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مبادرة الدخل الأساسي غير المشروط خاسرون لكنهم راضون بحكم الديمقراطية المباشرة

بقلم
ثمانية ملايين قطعة نقدية من فئة الخمس سنتيمات ملقاة على أرضية ساحة القصر الفدرالي في برن

يوم 4 أكتوبر 2013، نشر أصحاب المبادرة بثمانية ملايين قطعة نقدية من فئة الخمس سنتيمات على ساحة القصر الفدرالي وسط العاصمة برن. الرقم يرمز إلى عدد سكان سويسرا، ويُحيل في الوقت نفسه على فكرة الدخل الأساسي  لكل مواطن. 

(Stefan Bohrer / Flickr)

بعد مرور حوالي عام على الإقتراع الذي أُجري في سويسرا حول الموضوع الشائك المتعلق بالدخل الأساسي غير المشروط أصبحت الأمور أكثر هدوءاً الآن. لكن الحال لم يكن كذلك في أنحاء أخرى من العالم: ففي فنلندا دخل الموضوع مرحلة الجَد، أما في مقاطعة شليزفيغ ـ هولشتاين الألمانية فقد أدرجت مسألة الدخل الأساسي في برنامج التحالف السياسي الحاكم، وفي الولايات المتحدة يؤيد اثنان من عمالقة عصر الرقمية الفكرة بقوة. 

لقد مُنيت المبادرة رقم 601رابط خارجي بهزيمة واضحة ودخلت بذلك السجل السنوي للإقتراعات الشعبية في سويسرا، الذي تقوم المستشارية الفدرالية في برن بمتابعته وتحيينه.. إنها المبادرة التي تحمل عنوان "من أجل دخل أساسي غير مشروط"، والتي لم تحظ بقبول سوى 23،1 % من الناخبين، إذن فقد ألقى حوالي 77% من الناخبين بهذا المشروع الخيالي إلى سلة المهملات.

هذه المساهمة هي جزء من منصة #DearDemocracyرابط خارجي التي تتيحها swissinfo.ch للحديث حول الديمقراطية المباشرة.

نهاية الإطار التوضيحي

إذن، لم يحصل هذا التعديل الدستوري المقترح على أغلبية في أي من الكانتونات السويسرية الستة والعشرين، إذ كان هذا التعديل يرى الإستعاضة عن المساعدات الإجتماعية الحالية التي توجه للمحتاجين بمبلغ من المال لكل مواطن. بمعنى آخر: إن جميع البشر الذي يعيشون في سويسرا كانوا سيحصلون في حالة الموافقة على المبادرة على مبلغ شهري قدره ألفين وخمسمائة فرنك. هكذا بكل بساطة. 

وقد كان من المفاجيء والمربك في آن واحد أن يقف أصحاب المبادرةرابط خارجي بعد الإعلان عن نتيجة الإقتراع المخزية ليعلنوا بكل انبهار أن "الديمقراطية ليست مسابقة يانصيب"، كما أعلن دانيل هيني، العقل المدبر للمبادرة الشعبية، ثم أضاف أن "النقاش سيستمر، حتى على المستوى العالمي أيضاً". 

وبعد مرور أكثر من عام على هذه "الخسارة الناجحة" لم يتغيّر شيء في تقدير هيني للموقف. فهو يرى أن نتيجة اقتراع الخامس من يونيو 2016 تستوجب الإحترام، كما صرح رجل الأعمال ذو الواحد والخمسين عاماً لـ #DearDemocracy، وهو الذي يدير في بازل أكبر مقاهي سويسرا منذ بداية الألفية. ويقول عن نفسه: "إن مسألة الدخل الأساسي تربط القلب الإجتماعي بالعقل الليبرالي"،إلا أنه يُعَقِّب بأن الأجواء في سويسرا أصبحت أكثر هدوءاً فيما يتعلق بمسألة الدخل الأساسي غير المشروط. 

دانيال هاني، ناشط دولي فيما يتعلق بالدخل الأساسي غير المشروط وشؤون الديمقراطية.

(Keystone)

لكن الأمر لم يكن كذلك في أنحاء أخرى من العالم: "لقد كانت مبادرتنا باعثاً هاماً للنقاش العالمي"، كما يعتقد هيني. حيث يُدعى مراراً وتكراراً لإلقاء كلمات في الدول الأوروبية المتحدثة بالألمانية، بينما يقوم آخرون من المشاركين في هذه المبادرة مثل الفنان والسينمائي إنو شميت بالترحال حول العالم، إذ يُعتبرون بمثابة حلقات وصل هامة في الشبكة العالمية الداعية إلى إقرار الدخل الأساسي غير المشروطرابط خارجي.  

الديمقراطية كمرآة للمجتمع

يرى هيني أن السبب وراء النجاح النسبي الذي حققته مبادرته يرجع إلى العلاقة الوثيقة بين فكرة الدخل الأساسي غير المشروط وبين ممارسة الديمقراطية المباشرة الحديثة: "ففي كلا المسألتين يتعلق الأمر بتقرير المصير بعيداً عن الأيديولوجيات اليسارية أو اليمينية"، على حد قوله. "فالديمقراطية هي مرآة المجتمع. إنها لا تريد شيئاً لنفسها. بل تعكس إرادة الناس".

بفضل التوسع في حقوق الشعب التي تعود إلى ممارسة الديمقراطية المباشرة، استطاعت سويسرا جعل العمل المهني والحرية الفردية جزءاً من الحياة اليومية. وقد قام الداعون إلى هذه المبادرة ببعض من التحركات الفجئية والإستعراضية والإعلامية في آنٍ واحد: فقد قامت سيارة نقل حين تقديم المبادرة الشعبية في الرابع من أكتوبر 2013رابط خارجي بإلقاء ثمانية ملايين قطعة نقدية لامعة كالذهب من فئة الخمسة سنتيمات في ساحة "بوندسبلاتس" (ميدان الكونفدرالية) وسط العاصمة برن، أي قطعة نقدية لكل مواطن! لقد كان هذا فحوى الرسالة الرمزية التي أرادوا إبلاغها.

وفي العاصمة الألمانية برلين، وتحديداً أمام بوابة براندنبورغ مباشرة وقبل الإقتراع السويسري بأسبوع واحد، قام نشطاء بفرد لافتة عملاقة طولها 450 متراً: "ما الذي يُمكنك فعله إذا ما وجدت من يضمن لك دخلاً؟"، كان هذا هو السؤال الذي وجّهه هؤلاء للعالم كله.

مثل هذه الفاعليات تُبيّن أن أصحاب المبادرة الشعبية السويسرية قد استطاعوا بدعوتهم إلى إجراء حوار مفتوح حول الدخل الأساسي إثارة انتباه العالم بالفعل: ففي الولايات المتحدة تبنى اثنان من أكبر العقول في عالم التقنية الرقمية الجديدة والجميلة نوعاً من الدخل الأساسي غير المشروط وهما: مارك تزوكربرغرابط خارجي وإلون ماسكرابط خارجي، وهما مؤسسا فايسبوك وتسلا. وفي فنلندا يَجري منذ بداية هذا العام وبناءاً على مقترح من الحكومة البرجوازية تنفيذ مشروع تجريبي مدته عامانرابط خارجي، وهو مشروع عملي للغاية: وبمؤداه يتم اختيار 2000 شخص عن طريق القرعة، ليحصلوا على 600 فرنك شهرياً لمدة عامين. والشرط الوحيد هو: حتمية تعطلهم عن العمل لمدة طويلة.

وفي مقاطعة شليزفيغ ـ هولشتاين، الواقعة في أقصى شمال ألمانيا، اتفقت الحكومة المحلية الجديدة والمسماة بـ "تحالف جامايكا"، في برنامجها كذلك على تنفيذ مشروع تجريبي بعنوان "مال المواطن"رابط خارجي. وتتكون حكومة الولاية من تحالف من الديمقراطيين المسيحيين والديمقراطيين الأحرار وحزب الخضر. وفضلاً عن ذلك انطلق في ألمانيا مشروع آخر: ففي كل شهر يتم إجراء قرعة بين المواطنين على دخل أساسي غير مشروط قدره 1000 يورورابط خارجي، ويتم تمويله عن طريق التمويل التشاركي. 

ومن المؤشرات الواضحة على تزايد أهمية هذا الموضوع عالمياً هو أعداد القراء الذين يتابعون تقارير swissinfo.ch، حيث كرست إدارة التحرير المسؤولة عن موضوعات الديمقراطية على منصة #DearDemocracy في العام الماضي سلسلة كاملة من المقالاترابط خارجي لمبادرة الدخل الأساسي غير المشروط: وفي أعقاب ذلك ارتفعت أعداد القراء خاصة على الصفحات الناطقة بالإيطالية واليابانية والروسية بدرجة كبيرة.

تحالفات متنوعة مؤيدة ومعارضة

كما حدث قبيل الإقتراع في سويسرا، تشكلت كذلك على المستوى العالمي تحالفات جديدة ومتنوعة سواء على جانب المؤيدين أم المعارضين: فأما المؤيدون لفكرة الدخل الأساسي، فينتمي أكثرهم إلى معسكر أصحاب الأعمال الإشتراكيين الليبراليين. أما الجبهة المعارضة فقد تكونت في أغلبها من النقابات والمتحفظين من رجال السياسة المالية. 

ونظرا لأن المسألة كانت غير محددة، وبما أن الحلول المقترحة أثارت القلق والشك لدى الكثيرين ـ كما كان الحال بقوة في سويسرا ـ  فقد واجهت المقترحات لاعتماد دخل أساسي غير مشروط لجميع المواطنين في دول أخرى صعوبات جمّة. 

لكن الموضوع سيظل مطروحاً لدينا: ولا يدل على ذلك فقط الإزدياد كماً وكيفاً للنقاشات والمشروعات التجريبية التي تدور رحاها عالمياً. ففي استطلاع تمثيلي للرأيرابط خارجي أجراه معهد الأبحاث واستطلاعات الرأي gfs.bern بعد نهاية الاقتراع عام 2016، أعرب 62% من السويسريين والسويسريات الذين شملتهم الدراسة عن قناعتهم بأن مسألة الدخل الأساسي لم تنتهِ بانتهاء التصويت. لهذا السبب، لم يكن فقط لدى الفائزين في الإقتراع مبرّر للشعور بالرضا، بل كذلك لدى الخاسرين.

دانيل هيني، مؤلف الكتاب 

من المرجّح أن يؤدي الإقبال المتنامي على استخدام الروبوتات في مواقع العمل إلى إضفاء أهمية كبرى على فكرة الدخل الأساسي غير المشروط خلال السنوات القليلة القادمة.

قام دانيل هيني الذي أطلق هذا النقاش في سويسرا عن طريق إطلاقة للمبادرة الشعبية التي عُرضت على التصويت الشعبي في عام 2016، بنشر كتابين حول هذا الموضوع بالإشتراك مع الألماني فيليب كوفتشه، وهما: 

"ماذا كنت تفعل، إذا ضُمن لك دخل شهري؟ ميثاق الدخل الأساسي"رابط خارجي، در إيكوفين للنشر، 2017. 

"ماذا ينقص، إذا ما توفر كل شيء؟ لماذا يَطرح موضوع الدخل الأساسي الأسئلة الصحيحة"رابط خارجي. دار نشر أوريل فوسلي، 2015. 

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×