Navigation

نبضُ القاهرة على قماشة فنان سويسري

لوحة تُـجـسّـد أجواء ومواجهات ثورة 25 يناير في شوارع القاهرة بريشة الفنان السويسري فيرنر فال - فراي. Werner Wal-Frei

في مرحلة اتسمت بالغليان في الشارع المصري قبيل وبعيد ثورة 25 يناير، وتحديدا من نوفمبر 2011 إلى مارس 2012، كان الفنان السويسري فيرنر فال - فراي يمسح بعينه وعدسته جغرافيا القاهرة، مشيا على قدميه غالبا، متشربا كل أبعادها، وخاصةً الإنساني منها، أثناء منحة إقامة فنية كان قد حصل عليها، مدتها أربعة شهور.

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 سبتمبر 2013 - 06:00 يوليو,
يوسف ليمود - القاهرة, swissinfo.ch

من مرسمه في جزيرة "القُرَصاية" في قلب النيل بالجيزة، وهي جزيرة ما زالت تدب فوقها حياة أقرب للبدائية، حيث بعض العائلات الصغيرة من الفلاحين والصيادين، وبين شقة في وسط البلد بالقاهرة، يحفل الطريق بآيات التناقض المربِكة والمليئة بالإشارات الفنية الملهِمة في آن، لفنان قادم من بلدٍ كل ما فيها نقيض، كسويسرا.

على خلفية إقامته القاهرية ومعرضه الحالي في مدينة فينترتور شرق سويسرا، الذي يقدم للجمهور السويسري نتاجه الفني عنها، كان هذا الحوار مع الفنان فال - فراي.

swissinfo.ch: ماذا كانت انطباعاتك الأولى عن القاهرة؟

فيرنر فال - فراي: شعرت بالرهبة من حجمها وأبعادها وهديرها. كان كل شيء فيها ضاغطا حدّ شعوري بالرغبة في الهرب منها بعيدا. الضجيج، الزحام، عادم السيارات، التلوث، أكوام الزبالة في كل مكان وروائحها، كل هذا كان طاغيا وغير محتمل. الفقر الجلي والرثاثة، كانا أكثر ما صدمني. كما كان التضاد الحاد بين المباني الجديدة المنمّقة وسط الخرابات، وتلك القديمة المتداعية الأشبه بالأطلال، صعبا عليّ تحمُّله واستساغته في البداية.

بعد أسبوعين، بدأتُ أعتاد هذا الواقع المقلق، وصرت أرى كثيرا من التفاصيل في ضوء آخر، بل إنني بدأتُ استمتع برصدها وتأملها. هنا في سويسرا، الكثير منزوع عنه الحياة، مغطيً ومنظّم بشكل قاس. بعد أربعة شهور، كان صعبا عليّ أن أضطر لمغادرة القاهرة.

فيرنر فال - فراي في سطور

من مواليد عام 1954 في مدينة تالفيل، بضواحي زيورخ.

درس الرسم  والتصوير في مدرسة الفنون بزيورخ وتخرج فيها عام 1974.

حاز على عدد من المنح والإقامات الفنية في عدد من المدن الكبرى، كانت القاهرة آخرها، والتي خرج الفنان منها بمجموعة من اللّوحات، بين الواقعي والتجريدي لأسطح القاهرة ومبانيها المرشّقة بمئات الآلاف من أطباق استقبال الإرسال التليفزيوني (الدش)، والتي تثير كثيرا من الأسئلة عن اللامرئي الذي تنقله إلى ملايين البشر داخل بيوتهم وتشّكل به أدمغتهم وأذواقهم، يعرضها حاليا في "أتيلييه ألكسندر" بمدينة فينترتور، حتى 27 سبتمبر 2013.

هذا المعرض يُضاف إلى قائمة من المعارض الخاصة والجماعية التي أقامها داخل سويسرا وخارجها.

يعيش الفنان ويعمل في مدينة فينترتور، حيث ابتاع، في نهاية الثمانينيات، بيتا قديما من منتصف القرن الثامن عشر، قام بترميمه وتجديده بنفسه.

End of insertion

كيف تقيّم تجربتك الفنية خلال إقامتك، وهل أثّرت هذه الإقامة على منطق تعاملك الفني مع مسطح اللوحة؟

فيرنر فال - فراي: التكدس والفوضى وتمدد المدن، كانت المواضيع التي اشتغلت عليها في أعمالي الأخيرة قبل رحلتي للقاهرة. تلك الأعمال نشأت من خلفية الثورات في تونس وليبيا ومصر. الثورة في مصر كانت سببا جوهريا في رغبتي في الذهاب إليها ومعايشتها في لحظة حية من تحولاتها.

كنت منفتحا تماما لإملاءات الواقع على أسلوبي الفني. لكني لم أشغل نفسي بضرورة فكرة إنجاز أعمال فنية أثناء إقامتي. أردت أن أغوص في تلك المدينة الهادرة وأعايش ثقافتها وأشعر بناسها وأقتنص مزاجها العام. اعتدت أن أصوّر بالفوتوغرافيا أثناء تجوالاتي الطويلة في المدينة وخلال التسكع الذي هو مهنتي الأساسية في الواقع. فقط بعد عودتي إلى سويسرا، بدأت العمل على انطباعاتي ومشاعري وأفكاري، وصياغتها في لوحات. الآن، أعرض نتاج هذه المرحلة، إلى جانب الأعمال التي أنجزتها قبل إقامتي في القاهرة مباشرة.

عايشت وشاهدت هناك أحداث سياسية مهولة. ماذا يمكنك القول عن تلك الفترة؟

فيرنر فال - فراي: كان الوضع السياسي متوترا جدا، وتفاقمت الإحتجاجات ضد المجلس العسكري الذي كان يحكم البلد وقتها، خصوصا بعد مذبحة ملعب كرة القدم في بور سعيد، والتي راح فيها ضحايا كثر من مشجعي فريق الأهلي. مع هذا، كنت أشعر بالأمان، رغم أني كنت أحد الأجانب القلائل الموجودين بمصر.

كنت أدرك أن كثيرا من الشباب كانوا ضد أولئك القادمين من الغرب، الذي يأتي منه ليس فقط الغاز الفظيع المُسيّل للدموع، بل الأسلحة الفتاكة الأخرى. ولكن ألفاظا ناهرة مثل "غور.. غور" أو "إمشي.. إمشي"، كانت في الواقع نادرة. كثير من الشباب وأيضا كبار السن، كانوا يتناقشون معي عن الأوضاع. واحدة من أجمل الخبرات وأكثرها إثارة لي، كانت ليلة رأس السنة في ميدان التحرير وسط عشرات الآلاف من المصريات والمصريين الذين، ولأول مرة منذ أحقاب، سُمح لهم أن يجتمعوا في حشد كهذا ليحتفلوا بها بهذا الشكل.

لوحة للفنان فيرنر فال - فراي Werner Wal-Frei

كيف وجدت المشهد الفني بالقاهرة، وما هو تقييمك له من وجهة نظرك كفنان سويسري؟

فيرنر فال - فراي: المشهد الفني القاهري، حيّ ونابض بفعاليات كثيرة ومتنوعة، ولا شك أن الثورة أضافت إليه روحا وبُعدا جديدين. غير أن هذه الروح لم تصل بعدُ إلى المؤسسة الرسمية. فقد بدا لي أن النظرة الضيّقة والمتصلبة إلى ما هو فن أو ما يمكن أن يكون فنا، هي المسيطرة على المشهد.

لقد صُدمت عندما زرت معرضا للحاصلين على منحة التفرغ. في سويسرا، فنان واحد أو اثنان فقط من بين الخمسين فنانا الذين رأيت أعمالهم في ذلك المعرض، مَن كان يمكن أن يحصل أو يحصلا على منحة الدعم المادي.

وماذا عن علاقاتك بالناس هناك؟

فيرنر فال - فراي: ما زلت أتصل هاتفيا بانتظام ببعض من عرفتهم في القاهرة، وبالبعض الآخر، أتواصل عبر البريد الإلكتروني. وفي نيتي، عندما تتحسن صحتي وتتحسن الأوضاع السياسية هناك، أن أسافر مرة أخرى إلى القاهرة وأمكث فترة أطول وأرى مرة أخرى الناس الذين تعرفت عليهم هناك.

وما هي طبيعة علاقاتك بالوسط الفني في مصر؟

فيرنر فال - فراي: قليلة كانت علاقاتي بفنانين مصريين. حوالي عشرة فنانين قابلتهم أو رأيت شيئا من أعمالهم أو حضرت معرضا لأحدهم. إقامتي في القاهرة، لم يكن هدفها الإطلاع على الفن فيها، بل على الحياة والناس فيها. لو كان اهتمامي الأول بالفن، لكنت قدّمت على منحة فنية في مرسم في برلين أو باريس أو غيرهما من مدن الفن الكبرى.

رسم للفنان فيرنر فال - فراي Werner Wal-Frei

كيف تنظر إلى الوضع السياسي الحالي في مصر؟

فيرنر فال - فراي: الوضع الحالي في مصر مؤلم جدا وفي غاية التعقيد. وتبدو القوى الليبرالية والديمقراطية، في حاجة ماسة للدعم والمساندة، بدلا من إملاء التعليمات أو حتى التهديدات. فالتنوع الثقافي والديني والسياسي للمجتمع، يجب أن يُنظر إليه كثراء وكتعبير عن روح التسامح والديمقراطية، وليس كذريعة للفرقة والتهديد.

وهذا هو الحال في الواقع عند الأغلبية من المصريين. لذلك، كان على محاولةٍ متطرفة لأسلمة مصر من قِبل جماعة الإخوان المسلمين أن تبوء بالفشل. الأمور الآن من السوء إلى درجة أنه فقط عبر التعددية والديمقراطية والإصلاح الاقتصادي، يمكن للوضع الإجتماعي أن يتحسن على المدى الطويل. ومن الأجدى للبلد، بدلا من الحلم بزعيم أو قائد قوي، أن يكون فيها أحزاب متعددة، تيارات سياسية متنوعة، أديان وعقائد مختلفة، شريطة أن يكون للأقليات مَن يمثلهم في هذا الحراك.

في الوقت ذاته، فإن الوعي الحاصل عند بعض شرائح المجتمع، يجب أن يُعمل على تعميمه للوصول إلى الإستقرار السياسي المطلوب، ولتحسُّن الحالة الإقتصادية للجميع. هذا لن يحدث فورا. سوف يأخذ وقتا مشوبا بالإنتكاسات وعدم الرضى، كما هو الحال دائما. وحتى بدون اضطرابات أو سيناريوهات أسوأ، فإن مصر تواجه مستقبلا صعبا، يمكن ترويضه والتغلب عليه فقط عن طريق الإصلاح العاجل في كافة المجالات تقريبا.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.