تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

هارتموت فاندريش "الأدب هو الوسيلة المُثلى لرصد التحوّلات في المجتمع"

رغم أنه من الصعب الحديث عن حالة تسمى الأدب العربي في سويسرا، إلا أن ذلك لا ينفي وجود مجموعات وفئات من المجتمع السويسري تهتم بهذا الأدب، وتقرأ ما يُترجم منه برغم وجود مؤسستي نشر فقط تهتمان بهذا الصنف من الكتابات طباعة وتوزيعا.

ومن خلال اقتنائه للنصوص المترجمة، يتطلّع جمهور هذا الأدب إلى العثور على إجابات للعديد من الأسئلة التي باتت تطرحها بإلحاح المستجدات والتطوّرات الهامة التي تشهدها بلدان ومجتمعات المنطقة العربية في السنوات القليلة الماضية.

لتسليط الضوء على الظاهرة، أجرت swissinfo.ch حوارا شاملا مع الأستاذ هارموت فاندريش، وهو كاتب ومترجم وأستاذ جامعي يقوم بترجمة الأدب العربي وخصوصا الروايات إلى اللغة الألمانية منذ أربعة عقود. ومن أهمّ ترجماته روايات علاء الاسواني (مصر)، ونصوص إبراهيم الكوني (ليبيا)، ومؤلفات عدد من رموز الأدب الفلسطيني الحديث والمعاصر.

swissinfo.ch: من هم أبرز الأدباء العرب الذين تُرجمت أعمالهم أو طبعت في السنوات الأخيرة في سويسرا؟

هارتموت فاندريش: لدينا في سويسرا داريْ نشر باللغة الألمانية تهتمان بالأدب العربي، دار "Lenos" في زيورخ، ودار "لسان" في بازل. هاتان الداران أصدرتا في السنوات الأخيرة العديد من الترجمات الألمانية لمؤلفات عربية. دار "لسان" ببازل كانت سباقة في تعريف الجمهور السويسري بالأديب القدير نجيب محفوظ (مصر)، وسحر خليفة (فلسطين)، وترجمات من الفرنسية لأعمال كل من رشيد بوجدرة (الجزائر)، وآسيا جبار (الجزائر). بالإضافة إلى اعمال أخرى مثل اعمال منصورة عزالدين  (المصرية). وأنا الآن بصدد ترجمة رواية لرجاء عالم  (المملكة العربية السعودية)، وعنوان الرواية "طوق الحمامة".

أما الدار الموجودة بزيورخ، والتي كنت مسؤولا فيها عما ينشر من الأدب العربي لمدة 30 عاما، فقمنا فيها بأمرين: من ناحية بحثنا دوما عن أسماء جديدة من الأدباء العرب من بلدان مختلفة لنشر نصوصهم النثرية، ثم قمنا في مرحلة لاحقة بانتقاء عدد من الأسماء الناجحة ونشرنا المزيد من أعمالهم. نشرنا مثلا أربعة أجزاء من روايات وقصص الطيب صالح، ونشرنا أيضا العديد من مؤلفات غسان كنفاني، واخرى لإيميل حبيبي، فضلا عن 14 جزءً من أعمال إبراهيم الكوني.

لماذا هذا الإهتمام الكبير بإبراهيم الكوني؟

هارتموت فاندريش: هو الكاتب العربي المفضّل في سويسرا، ربّما لأنه أوّلا يعيش في سويسرا، وأنا شخصيا أكنّ له تقديرا كبيرا ومُعجب به وبأدبه، ثم هو الوحيد من الأدباء العرب الذي تتعرّض وسائل الإعلام السويسرية لأعماله. لكن هذه الشعبية بدأت تتلاشى لأنه ومنذ ثلاث سنوات لم تنشر له أي أعمال جديدة، ولا أحد تحدّث عنه بعد ذلك. وفي سوق الكتب، يُنسى المؤلف بسرعة ما لم يكن حاضرا بأعماله باستمرار.

أي شكل من الأدب العربي تتم ترجمته إلى اللغات الوطنية السويسرية: الشعر والقصيدة أم القصة والنثر؟

هارتموت فاندريش: أنا شخصيا لا أترجم إلا النصوص النثرية، وكذلك تفعل دور النشر في سويسرا، لأنه لا يمكن ببساطة بيع وترويج النصوص الشعرية. في المقابل، نجد جمهورا محدود العدد على استعداد للمشاركة في مسامرة شعرية، لذلك تتردد كل دور النشر وتستنكف عن فعل ذلك.

من يقرأ ترجمات النصوص الأدبية العربية في سويسرا؟ وما هي الفئات التي تهتم بذلك؟

هارتموت فاندريش: من الصعب تحديد هوية هذا الجمهور بدقة، ونحن لا نعرفه بدقة. نعرف أن هناك مجموعات صغيرة مهتمة بالعالم العربي، أو بالأدب العالمي عموما، لكن المجموعة الأولى بالتأكيد أهمّ وأكثر عددا. هناك أيضا مجموعة من النساء المدافعات عن حقوق المرأة اللواتي يُبدين اهتماما بالروايات والقصص المترجمة عن العربية. وعموما يمكن القول أن النصوص التي كتبتها وجوه نسوية أكثر رواجا من النصوص التي كتبها رجال.

ما هي المعايير التي تعتمدها دور النشر عادة في انتقاء النصوص العربية التي تترجم أو تطبع وتنشر؟

هارتموت فاندريش: يحتكم اختيار النصوص المرشّحة للترجمة إلى الألمانية أو الفرنسية إلى عنصريْ الموضوع وأسلوب الكتابة. بالتأكيد يسعى المترجمون ودور النشر إلى أن تكون تلك النصوص سهلة القراءة والإستيعاب بالنسبة لجمهور أوروبي. ولابد من الإقرار بأن هناك كتب من الصعب جدا بيعها أو ترويجها لأن موضوعها معقّد وترجمته متعبة ومضنية. والتجربة أثبتت أنه عندما غامرنا بنشر بعض نصوص الروائي الفلسطيني إيميل حبيبي، فإن المبيعات كانت ضعيفة جدا. لكن من المحتمل أيضا أن يكون ذلك بسبب موقفه الحاسم والواضح بشأن القضية الوطنية الفلسطينية. وأنا شخصيا بدأت مشواري كمترجم من العربية إلى الألمانية بالإشتغال على الأدب الفلسطيني، وبالتحديد بترجمة نصوص سحر خليفة وغسّان كنفاني في بداية الثمانينات.

هل كانت لذلك أسباب محددة، أسباب سياسية مثلا؟

هارتموت فاندريش: كان الكثيرون يتساءلون آنذاك هل هناك موضوع آخر في العالم العربي أو في الشرق الأوسط يمكن التطرّق إليه غير موضوع الإرهاب (الموضوع المحبّذ لدى وسائل الإعلام في الغرب)، وكان البعض يتساءل أيضا حول التعبيرات الثقافية في العالم العربي، لأن الترجمات في هذا المجال كانت نادرة جدا. لهذا كان اختيارنا على الأدب الفلسطيني. العامل السياسي لايزال حاضرا بقوة في ترشيح النصوص للترجمة. فقد ترجمنا رواية "تاكسي" للكاتب المصري خالد الخميسي، رغم قيمتها الفنية المتواضعة جدا، ونفس الأمر كذلك مع رواية "عايزه أتجوّز" للكاتبة المصرية غادة عبد العال.

هذه النصوص من السهل أن تجد لها جمهورا في سويسرا لأنها تتطرّق إلى الأوضاع الإجتماعية في العالم العربي، لكن فئة من الجمهور السويسري المعني بالأدب العربي إما يتعلقون بالشكل وأسلوب الكتابة أو بطريقة معالجة الكتاب العرب لمسألة المصير الإنساني مثل الكاتب الليبي إبراهيم الكوني الذي يعبّر عن القضايا الإنسانية العامة في إطار الصحراء وتحديدا في تجمّعات الطوارق أو كذلك جمال الغيطاني الذي يُعالج إشكالية السلطة في إطار المجتمع المصري وبأسلوب طريف يرتكز على التاريخ والتراث العربي.

هل يُقدم ما يترجم من الأدب العربي إجابات كافية للسويسريين عما يريدون معرفته عن العالم العربي؟

هارتموت فاندريش: السؤال الذي يطرحه السويسريون في علاقة بالعالم العربي هو ببساطة: ما الذي يحدث هناك؟ وهذا يتعلّق في المقام الأوّل بالتطوّرات السياسية والإجتماعية، ولكن هناك أيضا من يريد أن يعرف كيف يعبّر الكتّاب العرب عن واقع بيئتهم؟ وكيف يصفون مشاعرهم، وأحلامهم، وآلامهم؟ هي في النهاية نفس الاسئلة التي تطرح على كل مدرسة أدبية، وإن كان هناك استثناء بالنسبة لأدب العالم الثالث عموما، حيث تظل قضايا الفقر والتنمية وغيرها... من القضايا الجوهرية، والمنظار الأساسي الذي يوجّه قراءة السويسريين لأدب العالم الثالث تحديدا هو التوثيق الإجتماعي.

يلاحظ المتابع لجوء وسائل الإعلام السويسرية عموما فيما تنشره عن العالم العربي وعن الإسلام (خلال حملة مبادرة حظر المآذن مثلا) إلى الإقتضاب والمعالجة المتسرّعة، إلى أي حدّ تساهم ترجمات الادب العربي في تعديل تلك الصورة؟

هارتموت فاندريش: بداية، لا أتفق مع من يقول أن التصويت لحظر المآذن سببه عدم المعرفة أو الأفكار النمطية السلبية السائدة عن الإسلام. نعم يتقاسم السويسريون قدرا من مشاعر الخوف، وهم يجدون غرابة في بعض التقاليد الواردة عليهم من الخارج. لا ننسى أيضا أنه لدينا في سويسرا نسبة كبيرة من المهاجرين الأجانب. لفهم ما حدث، لابد من أخذ هذه العناصر كلها بعين الإعتبار. الكثير من المجموعات الإسلامية المتشددة، رغم قلّة عددها لا تقدّم خدمة للجالية الإسلامية في سويسرا. فهم يُشيعون عن الإسلام نوعا من الإنطباع غير مقبول لدى السكان المحليين في سويسرا. من طبيعة هذا الشعب أنه لا يريد الحديث عن الدين، وعن الله، وعن الطقوس الدينية بإطناب وفي كل حين. ليس ذلك من عاداته، ولا يريد أن يكون مُجبرا أو مُرغما على فعل ذلك.

ولكن لنعد إلى السؤال، كيف تنظر إلى دور الأدب في التعارف بين الشعوب والأمم؟ 

هارتموت فاندريش: الأدب كما أراه هو الأداة المثلى لمعرفة أحوال المجتمع.. أي مجتمع. هو الوسيلة المثلى لأن نصوصه يكتبها مبدعون من رحم تلك المجتمعات، ويعبّرون من خلالها عما تشاهده أعينهم وتسجّله مشاعرهم، وتلتقطه آذانهم. إنه الأداة التي تقيس بدقة التحوّلات الإجتماعية مهما كانت محدودة. كل ذلك بأسلوب وطريقة لا تقلّ إبداعا وطرافة ونشوة، فضلا على أن مطالعة نص أدبي أسهل على عموم الناس من قراءة تحليل سياسي.

هارتموت فاندريش في سطور

كاتب ومترجم وأستاذ جامعي ألماني الأصل متخصص في الأدب العربي والدراسات الإستشراقية.

هاجر من ألمانيا إلى سويسرا في موفى السبعينات بعد انهائه لدراساته الجامعية في مجال الإستشراق في ألمانيا والولايات المتحدة.

يقيم في العاصمة السويسرية برن منذ أزيد من 30 سنة.

تعلّم اللغة العربية في ألمانيا ثم في جامعة كاليفورنيا.

يركّز جهوده منذ بداية ثمانينات القرن الماضي في مجال ترجمة الادب العربي المعاصر.

زار العالم العربي بعد إكماله لدراساته الجامعية. وكانت مصر أوّل بلد عربي يتوجه إليه في منتصف السبعينات.

تعلّم الكثير عن العالم العربي من خلال الأدب الذي يعتبره "الموسوعة المُوثقة لأوضاع المجتمعات".

ترجم نصوص العديد من الكتاب والأدباء العرب المعاصرين من بينهم علاء الأسواني، وجمال الغيطاني، وإيميل حبيبي، وإدوارد الخرّاط، وغيرهم.

يدرّس الأدب العربي في العديد من الجامعات الغربية في كل من برن وزيورخ (سويسرا) وليون (فرنسا) ونابولي (إيطاليا) وفريبورغ (ألمانيا).

نهاية الإطار التوضيحي

من أقواله:

"أنا أعتقد أن عصرنا هو عصر الرواية، وأتعلّم منها أشياء مختلفة عن الحياة الموصوفة، وعن الأحلام والعواطف والشكاوى، وكل شيء".

"ما أترجمه يصف للجمهور الأوروبي عالم جيرانهم العرب".

"في بيئتي، أجد أن رجال الإعلام والكتاب الغربيين هم الذين يعبّرون عن العالم العربي، وما أسعى إليه أنا كمترجم هو أن أسمح للعرب لكي يقدّموا أنفسهم بأنفسهم للجمهور الغربي، لذلك أنا أفضّل الترجمة عن الكتابة".

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×