Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

"خبز الحصار"


سُؤدد كعدان: "حجمُ المأساة المريعة في سوريا يتجاوز أيّ فيلم"


بقلم إصلاح بخات, فريبورغ


لقطة من "خبز الحصار" الذي عرض للمرة الأولى عالميا في الدورة الأخيرة من مهرجان فريبورغ السنمائي الدولي. (FIFF)

لقطة من "خبز الحصار" الذي عرض للمرة الأولى عالميا في الدورة الأخيرة من مهرجان فريبورغ السنمائي الدولي.

(FIFF)

شهدت الدورة الأخيرة لمهرجان فريبورغ السينمائي الدولي العرض العالمي الأول للشريط القصير "خبز الحصار" للمخرجة السورية سؤدد كعدان. swissinfo.ch ذهبت للقاء فنانة مُرهفة الحسّ، كسرت بلغتها السينمائية الصّور النمطية عن الحرب.

ملامحها بشوشة، طبيعتها متواضعة، صوتها هادئ، وعيناها مرآة لمشاعرها. بعفوية وتواضع وإحساس، حكت سؤدد كعدان الظروف الحزينة التي دفعتها إلى مغادرة بيتها بدمشق، والإستقرار في بيروت حيث تعيش منذ أربع سنوات. لم يكن قرارا سهلا، لكن بعد سنة ونصف من اندلاع الحرب، لم تعُد تقوى على تحمّل رؤية القصف اليومي للمدن المجاورة. شعورها بالعجز أمام هول الحرب اضطرها للرحيل. 

وها هي تعود للظهور في المهرجانات السينمائية بـ "خبز الحصار" الذي صورته العام الماضي على الحدود السورية اللبنانية. هذا الشريط القصير يأخذك في رحلة تستغرق 12 دقيقة إلى غابة يلتقي فيها البطلان الشابان: مُهرّبة خبز وهواتف محمولة تختبئ في شجرة، و"جندي" فـرّ من الحرب السورية بعدما قتل صديقا له أثناء تمارين إطلاق النار على .. الشّجر. والإثنان على يقين أنه لا يوجد أيّ مفر.

آخر عمل لها قبل اندلاع الحرب يعود إلى عام 2010 عندما أخرجت الشريط الوثائقي "سقف دمشق وحكايات الجنة" من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية، الذي فاز بالجائزة الثانية في مسابقة المهر الذهبي للأفلام الوثائقية بمهرجان دبي السينمائي. قد نفترض ببساطة أن الحرب التي لازالت تدور رحاها في سوريا هي التي أبعدتها عن عمل التأليف والإخراج، وقد يكون افتراضنا صحيحا وخاطئا في الوقت نفسه، مثلما يتضح من أجوبتها على أسئلة swissinfo.ch في الحوار التالي:

سؤدد كعدان

ولدت المخرجة السورية سؤدد كعدان في فرنسا. درست النقد المسرحي في "المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق"، وتخرجت من "معهد الدراسات المشهدية والسمعية البصرية والسينماتوغرافية" بجامعة القديس يوسف في بيروت.

أخرجت وأنتجت أفلاما وثائقية لفائدة قناة الجزائرية الوثائقية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وصندوق الأمم المتحدة لرعاية الأطفال يونيسف.

عرضت أفلامها في مهرجانات وطنية ودولية عديدة، وحصلت على جوائز دولية مثل "مارتين فيليبي"، والجائزة الكبرى للإتحاد الدولي للإذاعة والتلفزيون URTI، وجائزة مهرجان تلفزيون مونتي كارلو، وجائزة المهر الذهبي للأفلام الوثائقية في مهرجان دبي السينمائي الدولي.

swissinfo.ch: هل وجدت صعوبة في استئناف عملك الفني بعد الحرب؟

سؤدد كعدان: استغرق إنجاز "خبز الحصار" وقتا طويلا لأسباب عديدة، فما حدث تسببّ لي في صدمة. أنا، كمخرجة، بحاجة إلى تفكير طويل وتأمل فنّي قبل الشروع في تصوير أيّ عمل، لست مخرجة للأفكار الآنية. أحب وأحترم الأفلام التي تُنجز بشكل طارئ، ولكنني أنا لا أستطيع صناعتها لأنني أحتاج أولا لاستيعاب الأحداث كإنسانة، ثم أمنح نفسي الوقت الكافي للإخراج. صحيح أنه قد يبدو أنني لم أقم بشيء منذ بداية الحرب، لكنه كان من الصعب عليّ التعبير عمّا يجول في خاطري من خلال فيلم، لأن حجم هذه المأساة المُريعة يتجاوز أيّ فيلم. بدأت بالكتابة، وكتبت خلال السنوات الأربع الأخيرة أول فيلم روائي مطول لي سأصوره في نوفمبر القادم بعنوان "اليوم الذي فقدت فيه ظلي"، وهو إنتاج مشترك سوري فرنسي يحكي ثلاثة أيام من حياة امرأة خلال الحرب. والفيلم القصير "خبز الحصار" يدوم 12 دقيقة، لكن إنجاز الفكرة تطلبت مني عاما كاملا.

swissinfo.ch: من أية أحداث استلهمت فكرة الشجرة والخبز في هذا الفيلم؟

سؤدد كعدان: كان لي صديق صحفي يُحبّ السينما يعيش في مدينة الغوطة المُحاصرة حيث لا يُوجد لا خبز ولا إنترنت. كنا نتحدث ذات يوم وقال لي إن الجنود السوريين يطلقون النار على الشجر بشكل يومي. بدا لي الأمر سرياليا: كيف يخاف الجندي من الشجر ويقتله؟ كانوا خائفين لأنه كان يقال إن الناس تختبئ وراءها، وهم ليسوا جنودا بالفعل، فهم شباب تتراوح أعمارها بين 18 و25 عاما لم يحملوا السلاح أبدا، ويُرسلون إلى الخط الأمامي حيث يموتون في الأسبوع الأول.

وكانت المدينة محاصرة لدرجة أن الخبز أصبح أغلى من الذهب. فماذا تفعل النساء بالذهب الذي اشترته لوقت الشدة؟ الذهب كان موجودا لكن الخبز منعدم. وكانت الوسيلة الوحيدة للحصول على الخبز تهريبه من قبل النساء لأنه لم يكن يتم تفتيشهن وكن يخفينه تحت معاطفهن، كما لو كُن يحملن السلاح. ونرى في الفيلم أن الشابة تخفي الخبز حول خصرها وكأنه حزام ناسف.

swissinfo.ch: في إحدى أقوى لحظات الشريط، تقوم المُهربة الشابة بإطعام الجندي بخبزها وسترته بمعطفها، ولو لم يكن هاربا من الجيش لكان قتلها في تلك الغابة. ماهي الرسالة التي أردت إيصالها من خلال هذا الموقف؟

سؤدد كعدان: عندما يذهب الرجال إلى الحرب، يتركون تربية الأطفال وتدبير الأمور للمرأة. رأينا ذلك في لبنان خلال الحرب الأهلية، وفي العراق وسوريا الآن. المرأة هي التي تتزعم الأمور، هي التي تحمي، وهي التي تُطعم الأطفال، وهاهي الآن تُهرّب الخبز. إنها مُناضلة بأسلوبها. فهي لا تحمل السلاح، ولكنها تجسّد نورا يخترق الظلمة السورية. فهي أصبحت أقوى، خرجت من منزلها وعبّرت عن نفسها، وشاركت في المظاهرات.

swissinfo.ch: ألم يكن تصوير الفيلم على الحدود السورية اللبنانية مخاطرة؟

سؤدد كعدان: اليوم فقط أقول إنني جازفت كثيرا، أدركت لاحقا أنني لن أفعل ذلك بعد. أما حينها، فكنت كنت أشعر أنني قرب بلدي، حتى أننا كنا نستطيع رؤية المخيمات.

ثم إن الحرب، كما هو معلوم، أنتجت منذ 2011 حراكا سينمائيا وجيلا جديدا من المخرجين السوريين، فمنهم من أخرج أولى أفلامه في بداية الحرب. فنحن لا نستطيع عيش هذه التجربة الإنسانية بشكل عادي دون التعبير عنها ومحاولة التأثير في الناس. 

قالت عن مشاركتها في مهرجان فريبورغ

كان العرض العالمي الأول لـ "خبز الحصار" في الدورة الأخيرة لمهرجان فريبورغ في مارس الماضي. فما هو الشعور الذي انتاب المخرجة سؤدد كعدان في هذه المناسبة؟

سؤدد كعدان: "العرض العالمي الأول يكون دائما مبعث سرور وقلق في الآن نفسه. لكنني سعيدة جدا بتواجدي هنا لأنني أحببت كثيرا برمجة مهرجان فريبورغ، فهو يبرز قيمة الفيلم القصير، ليس فقط كشكل فني، بل أيضا كلغة سينمائية تميّز المخرجين. إنه مهرجان يعرض تجوالا ثقافيا وسينمائيا في العديد من البلدان دون الوقوع في المقاربات التي تبحث عن مجرد الغرابة والإثارة، وهذه ميزة أقدرها كثيرا".

لقد عشنا فترة صمت طويلة، كان هناك حظر على التعبير، والتصوير، والإنجاز. فلا توجد في سوريا مدرسة سينما. وعندما جاءت فرصة التعبير عن الرغبة في الحرية، ظهر مخرجون كثيرون، هم نشطاء يصورون باستمرار، وهذا خلق نوعا جديدا من الفيديوهات تتميز بأسلوب تصوير خاص. وفي فيلمي أيضا، استخدمت كاميرا تهتز خلال ركض الجندي في الغابة المحروقة، وأردت من خلال ذلك تكريم هؤلاء المخرجين. حاولت التصوير بنفس الأسلوب ونفس الأصوات المرافقة لأن هذا النمط من تصوير الفيديوهات سيؤثر على لغتنا السينمائية في سوريا، نحن كمُخرجين [من الأجيال السابقة].

وفضلا عن كيفية التصوير، أردتُ إظهار المرأة جسديا وهي تتاجر بالخبز والهواتف المحمولة، لأن الإتصالات في سوريا أصبحت حيوية مثل الخبز تماما. فالناشطون في المدن المحاصرة قد يفتقرون للخبز ولكنهم بحاجة ماسة إلى التواصل، فهم لا يُريدون عيش المذبحة في صمت.

swissinfo.ch: تحدثت في هذا الفيلم عن الحرب لكن بأسلوب غير متوقع يكسر العديد من الصور النمطية؟

سؤدد كعدان: لا يمكنني تصوير فيلم خارج السياق لأننا نعيش هذه الحرب جميعا، ولكننا، كمخرجين سوريين، سئمنا من الأفلام المتشابهة عن الثورة والحرب. أردت أن أحكي قصة خلال الحرب، ولكني حاولت، مثلا، التعبير عن القتل بإطلاق النار على الشجر وبذلك الضوء الذي ينبعث من الثقب الذي تخلفه الرصاصة في جذع الشجر.

كثيرا ما يُنظر لنا فقط من باب الأفلام التي أنجزت خلال الحرب وإطلاق النار، فذلك ما تتوقعه منا العديد من المنصات العالمية والمهرجانات، ولكن ذلك يعني إقصاء الأشكال السينمائية الأخرى واختزال سوريا في صورة واحدة. السينما السورية ليست فقط أفلاما عن الجنود، وداعش، واللاجئين، بل لدينا تقليد عريق، وأسماء لامعة مثل محمد ملص، وأسامة محمد، وعمر أميرلاي. نحن لسنا معروفين جيدا نتيجة الحصار الذي كان يفرضه النظام. والآن، يجب التمكن من تقديم صورة متعددة عن سوريا في منصة واحدة. 

swissinfo.ch: قلت بعد إخراج "سقف دمشق وحكايات الجنة" إن الذكريات مرتبطة بالأماكن، واليوم أي ذكريات لأي أماكن؟

سؤدد كعدان: (تتنهد بعمق وتصمت طويلا). هناك أسئلة تصعب الإجابة عنها لأنها تمس عمق الروح البشرية. لقد أصبحت الذاكرة مرتبطة بالشتات، إنها ذاكرة الهجرة وذاكرة الإغتراب. لدينا ذاكرة جماعية للحرب، وفي هذه الذاكرة ثغرات عديدة. نحن فقدنا الترسيخ في الجذور، ولكننا نقتسم صور الحرب سواء عشنا القصف أو لا. إن تجربتنا واحدة، وألمنا واحد. صار لدينا نوع جديد من الذاكرة، فنحن قد ننسى كوسيلة للدفاع عن النفس، ولكننا لا ننسى في الآن نفسه لأننا نريد بناء سوريا الجديدة وعدم الوقوع في أخطاء الماضي.

نحلم بسوريا جديدة ونخاف أيضا من حلمنا. نحن متأكدون أنها لن تعود كما كانت، فكيف سنبنيها؟ وكيف ستعود الناس التي سافرت وتغيّرت وعاشت تجارب كثيرة؟ إن فقدان الأمكنة خسارة كبيرة، وهي جزء من عنوان فيلمي الجديد "اليوم الذي فقدت فيه ظلي"، فعندما يفقد المرء مكانه، يفقد خياله ويصبح شخصا آخرا. أما الجواب المثالي على سؤالك، فسيكون بعد الحرب، عندها سنرى ماذا سنكون وماذا سنفعل.

×