Navigation

Skiplink navigation

الفن المسروق والفن المسترد

واحدة من عدة أعمال صادرها الأمن . tvsvizzera

الاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية الثقافية هو ثالث أكبر سوق غير قانوني بعد المخدرات والأسلحة ، وتسعى دول مثل إيطاليا ، ذات التراث الثقافي العريق ، إلى وضع حد لهذه الظاهرة منذ عقود ، وتبذل سويسرا ، التي كانت يوما ما مفترق طرق مفضلًا لهذه الأعمال الفنية المسروقة ، جهودا حثيثة من أجل ضمان عودة هذه الكنوز إلى إيطاليا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 نوفمبر 2020 - 11:00 يوليو,

مؤخرا ، أعادت سويسرا إلى إيطاليا سبعة وعشرين قطعة من الأصول الثقافية ذات القيمة التاريخية والفنية الأعظم من أن تُقدّر ، والتي هي عبارة عن تمثال نصفي من الرخام منذ ألفي عام يمثل شخصية رجل عارٍ ، و 26 قطعة أثرية أخرى تعود إلى الحقبة الأترورية كان قد حصل عليها من توسكانا الإيطالية مواطن سويسري توفي حديثا ، وأوضحت كارين سيموس ، رئيسة القسم المختص بالنقل الدولي للممتلكات الثقافية التابع للمكتب الفدرالي للثقافة ، قائلة: "لقد تم اقتناؤها بين عامي 1965 و 1968 من أرخبيل توسكانا ، وتمت إعادتها بشكل طوعي ، أما التمثال الرخامي ، الذي يمثل شخصية رجل عار مغطى جزئيًا برداء كلاميد ، وربما يعود تاريخه إلى ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي ، فقد تم العثور عليه في ميناء جنيف الحر".

أمرت السلطات القضائية في جنيف ، وبشكل نهائي ، بمصادرة التمثال الرخامي ذي المصدر غير القانوني وإعادته إلى إيطاليا ، وكون التحقيقات لا تزال جارية يحول دون معرفة تفاصيل أكثر حول القضية.

وأثناء عملية تسليم تلك التحف الفنية والأثرية إلى السفارة الإيطالية في برن ، كان من ضمن الحضور العقيد دانيلو أوتافياني ، نائب قائد قوات الدرك الخاصة بحماية التراث الثقافي ، الذي أعرب عن سعادته لسرعة الإنجاز كعلامة واضحة على التحسن المستمر للتعاون بين البلدين ، والأهم من ذلك أنه بات يثمر نتائج مهمة. 

وما العملية الأخيرة سوى أنها الأحدث من عمليات عديدة قامت بها سويسرا بإعادة الأصول الثقافية إلى ملاكها الشرعيين ، ويخبرنا المحامي داريو جوكر ، سليل مدينة لوغانو والخبير في قانون الفن ، أنه على المستوى الدولي: "تمثل الأصول الثقافية المسروقة ثالث أكبر سوق غير قانوني بعد تجارة المخدرات والأسلحة ، وهذه المشكلة تفاقمت في سويسرا بالذات ، وعلى مدى سنوات ، بسبب غياب التشريعات الملائمة لفترة طويلة" ، وتضيف كارين سيموس قائلة: "نقوم كل عام بنحو ثلاث عمليات إرجاع ، وقمنا ، في عام 2020 ، بأربع ، اثنتان منها إلى إيطاليا ".

التعاون بين إيطاليا وسويسرا

وما كان لهذا النجاح أن يتحقق لولا العلاقات الوثيقة بين إيطاليا وسويسرا ، والتي لم يكن هذا دأبها دوما ، وأشار أندريا راشير الرئيس السابق لقسم الشؤون القانونية والدولية في المكتب الفدرالي للثقافة ، والذي تبنى قانون النقل الدولي للمقتنيات الثقافية ، إلى أن مسألة الاتجار غير المشروع بالأعمال الثقافية هي محل نقاش جاد في سويسرا منذ نهاية القرن الماضي حين بدأ التفكير في مشكلة الممتلكات المصادرة من اليهود أبان الحرب العالمية الثانية.

وأما بخصوص التعاون بين سويسرا وإيطاليا في مجال حماية واسترداد الأصول الثقافية ، والذي كان فيما مضى سلبيا ، فقد شهد نقطة تحول في عام 1995 ، حين صادرت السلطات القضائية في جنيف عددًا كبيرًا من التحف الأثرية التي كانت مودعة في ميناء جنيف الحر (حوالي 4000 قطعة بقيمة تأمين تربو على 20 مليون فرنك سويسري) ، وكانت بداية العملية بطلب إيطاليا المساعدة من سويسرا في سياق قضية جنائية بحق تاجر إيطالي على علاقة بسرقة مقتنيات أثرية والاستيلاء عليها وحيازتها بشكل غير قانوني.

ميناء جنيف الحر

هو واحد من أكثر الأماكن المحمية والسريّة في أوروبا ، ومساحته التي تبلغ 150 ألف متر مربع ، يحتفظ بعدد لا حصر له من جميع الأشياء ، وتقدّر قيمتها بنحو مائة مليار دولار ، ومن بينها لوحات لفنانين كبار من أمثال بيكاسو ورامبرانت وليوناردو دافنشي ، وكذلك أحجار كريمة وأعمال فنية قديمة وأفخر أنواع النبيذ (بملايين الزجاجات) وغيره كثير ، وفي الأصل ، صُمّم المكان على أساس أنه مستودعات لتخزين البضائع التي تنتظر الاستيراد أو التصدير ، ومع الوقت ، تحولت بعض مستودعات ميناء جنيف الحر إلى خزْنات مهولة يودع فيها مضاربون ومحتالون من جميع أنحاء العالم ممتلكاتهم الثمينة في مأمن من مصلحة الضرائب والجمارك ، لكن ، في الوقت الحاضر تغير الحال بعض الشيء ، حيث يجري فحص البضائع الداخلة والخارجة من وإلى الموانئ الحرة ، ومنذ عام 2007 ، صار بإمكان ضباط الجمارك تفتيش المخازن التي تحوي المتعلقات الثقافية ، مع ذلك ، لا يزال دور هذه الموانئ الحرة غامضا ، وهناك الكثير من الحكايات والقصص التي تثار حولها.

End of insertion

وأكّدت التحقيقات ، أنه تم بيع القطع المسروقة من إيطاليا ، والتي نُقلت إلى سويسرا بشكل غير قانوني ، إلى "سوثبيز كريستيز وبوهامس Sotheby’s, Christie’s e Bonhams " (وهي دار للمزادات ، قد لا تكون معروفة لكثير من الناس ، إلا أنها واحدة من أقدم وأكبر المزادات في عالم الفن والتحف) ليتم بعد ذلك إعادة شرائها من قبل المجرمين أنفسهم عبر شركات وهمية سويسرية ، وبذلك يصبح لها مصدر "شرعي" ، وبمجرد أن تنظف تلك المقتنيات يُعاد بيعها إما من خلال دور المزادات أو لجامعي التحف أو لمتاحف متساهلة.

وأما في عام 2000 ، فلم تتم إعادة الأصول المصادرة في جنيف إلى إيطاليا إلا بعد 5 سنوات ، وبناءً على قرار من المحكمة الفدرالية التي رفضت آخر الطعون المقدمة من تاجر التحف الإيطالي الذي حُكم عليه في الأثناء بالسجن لمدة 10 سنوات وغرامة 10 مليون يورو.

وفي عام 2001 ، وفي إطار التحقيقات ، قادت عملية ضبط مقتنيات تراثية في جنيف إلى تفتيش معرض في بازل يعود لمواطن إيطالي ، و5 مستودعات تابعة له موجودة في الميناء الحر للمدينة الواقعة على ضفاف نهر الراين . وأسفرت العملية عن مصادرة حوالي 6000 تحفة أثرية مسروقة أو منهوبة من مواقع أثرية أو مستخرجة بالسرّ ، بالإضافة إلى أرشيف يحوي أكثر من ثلاثة عشر ألف وثيقة (فواتير ورسائل إلى المشترين وصور فوتوغرافية لتحف أثرية وأشياء أخرى ).

المكافحة عبر سنّ القوانين

وفي عام 2003 ، شكلت العمليتان السابقتان دافعا لسويسرا لكي تصدق على اتفاقية اليونسكو لعام 1970 ، وفي يونيو 2005 دخل حيّز التنفيذ قانون النقل الدولي للممتلكات الثقافية الذي ينظم استيراد وعبور وتصدير الفن الثقافي من وإلى سويسرا ، ويتيح لسويسرا الإسهام في الحفاظ على التراث الثقافي للبشرية ومنع ، أو الحد من ، سرقة ونهب الممتلكات الثقافية واستيرادها وتصديرها بصورة غير شرعية.

وأوضح داريو جوكر أن: "إعادة الفن المستولى عليه بشكل غير قانوني ، من بلد ما ، يتوقف على وجود رغبة حقيقية لدى الدولتين في التعاون" ، وبالنسبة لإيطاليا وسويسرا فقد تعلمتا كيف تتعاونا وتثقا ببعضهما البعض ، فأبرمتا اتفاقية ثنائية في أكتوبر 2006 ، دخلت حيّز التنفيذ في أبريل 2008 ، وهي أول اتفاقية ثنائية توقعها سويسرا ، ثم تبعتها اتفاقيات أخرى مع اليونان وكولومبيا ومصر ، وأخرى بعد سنوات مع الصين وبيرو والمكسيك.

وبناء عليه ، كان توقيع الاتفاقيات واعتماد قوانين جديدة وسيلة سويسرا لمواجهة استمرار نعتها بلدًا مفضلا لعبور الأعمال الفنية المسروقة (بسبب إحجامها لفترة طويلة عن تشديد القوانين الخاصة بنقل الأعمال الفنية المسروقة).

الجريمة المنظمة

وتطرق داريو جوكر ، خبير قانون الفن الثقافي ، في المقابلة معه إلى الحديث بشأن وجود منظمات إجرامية قوية تقف وراء الاتجار غير المشروع بالممتلكات والأصول الثقافية ، وأن هناك سوق سوداء مزدهرة والحديث يدور حول وجود تجارة بمليارات الدولارات.

وكشفت التحريات الواسعة التي أجراها مكتب المدعي العام في روما في مطلع هذا القرن والتي أدت بمساعدة المحققين السويسريين إلى مصادرة المقتنيات الثقافية في جنيف وبازل ، عن وجود منظمة إجرامية متغوّلة منذ أكثر من ثلاثين عامًا ومحترفة في مجال الاتجار الدولي بالأعمال والتحف الفنية والأثرية ، التي يأتي معظمها من حفريات سرية لمواقع إيطالية (وبشكل خاص من سيلينونتي في جنوب صقلية) ، وتم تصديرها إلى سويسرا بشكل غير قانوني ليتم طرحها لاحقًا في السوق الدولية ، ووفقًا للسلطات القضائية ، كان تاجر القطع الفنية الإيطالي ، وهو في الأصل من كاستيلفيترانو الواقعة على بعد كيلومترات من سيلينونتي ، على ارتباط بمنظمة كوزا نوسترا وتحديدا بابن بلدته ماتيو ميسينا دينارو.

وعلى حد قول الكولونيل دانيلو أوتافياني ، لابد لمكافحة هكذا حالات جريمة منظمة ، على نطاق واسع ، من تعاون إيطالي سويسري ، ولقد عززت المضبوطات في حالتي جنيف وبازل التعاون بين المكتب الفدرالي للثقافة ومكتب العدل الفدرالي السويسريين مع السلطات الإيطالية.

مفترق طرق الاتجار غير المشروع

وأشار داريو جوكر إلى أن الجانب التشريعي قد تم في الوقت الحاضر إنجاز أكثره بالرغم من عدم وجود اتفاقية تأخذ في الاعتبار الأعمال الفنية الحديثة وليس فقط الأعمال الأثرية أو التراثية ، ومع ذلك ، يبقى السؤال مطروحا عمّا إذا كانت سويسرا لا تزال مفترق طرق للتجارة بالسلع الثقافية غير المشروعة.

من ناحية ، تقول كارين سيموس أنه: "وفقًا للمعلومات الواردة من فيدبول FedPol أي الشرطة الفدرالية، ومن منظمة اليونسكو ، لم تعد سويسرا المكان المفضل للاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية" ، أو أنها على الأقل لم تعد كما كانت سابقا.

ومن ناحية أخرى ، على لسان العقيد دانيلو أوتافياني ، أن سويسرا تظل بلد عبور للأعمال والمقتنيات المشروعة وغير المشروعة مثلها مثل عدة بلدان أخرى ، ذلك أن السوق السوداء للفن عالمية ، وعمليا لا يمكن لأحد أن يكون آمنا منها ، ذلك أن الأعمال التي تخرج من إيطاليا ، لابد وأن تمر عبر بلدان مثل فرنسا وسويسرا والنمسا وسلوفينيا ، بحكم موقعها الجغرافي المتاخم لإيطاليا بلد التراث الثقافي الغني.

ومن المؤكد أن وجود سبعة موانئ حرة حتى اليوم ، لن يساعد سويسرا في تحقيق مسعاها للتخلص نهائيا من وسم مفترق طرق الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة