التظاهر يوم عيد العمال بين أربعة جدران

لحظة الهوية والمطالب: خطاب السياسي الهندي آني راجا في 1 مايو 2019 في مدينة زيورخ. © Keystone / Ennio Leanza

لأول مرة منذ 130 عامًا، لا يمكن الاحتفال بعيد العمال في الشوارع في سويسرا. وباء كورونا أجبر النقابات والأحزاب والحركات الاجتماعية على اختراع أشكال جديدة من التعبئة والحشد، لتنتقل بذلك التظاهرات التقليدية إلى الفضاء الافتراضي.

أندريا طونينا أندريا طونينا

لا ترتبط سويسرا عادة بتاريخ الحركة العمالية - على الأقل ليس في نظر بعض المراقبين. ومع ذلك ربما تكون سويسرا الدولة الوحيدة في العالم التي يتم الاحتفال فيها بعيد العمال في 1 مايو  بدون انقطاع منذ عام 1890، مع وجود بعض الاستثناءات.

بالطبع، هذا التقليد الطويل ليس بالضرورة نتيجة قوة الحركة العمالية السويسرية ولكن يعود إلى حقيقة أن سويسرا كانت محمية بشكل أو بآخر من الصراعات والاضطرابات السياسية التي شكلت تاريخ القرن العشرين.

صحيح أنه خلال الحرب العالمية الثانية، أعاقت السلطات احتفالات أول مايو بعدة طرق، كما يشير المؤرخ برنارد ديغن: "في جنيف، تم حظر المظاهرات العامة خلال الحرب، ونُظّمت الاحتفالات في غرف مغلقة. وفي أماكن أخرى، لجأت السلطات إلى رقابة الشعارات واللافتات، حتى ولو بشكل وقائي لتجنب التصادم مع الأنظمة الفاشية في البلدان المجاورة".

رغم ذلك، تم الاحتفال في 1 مايو أيضًا في الشوارع خلال الحرب، وإن كان ذلك مع نغمات أكثر استرخاء من المعتاد. ولكن ما لم يتمكن الحكام ولا الفاشيون ولا الحروب من القيام به، نجح فيروس كورونا الآن في تحقيقه: في 1 مايو 2020 يخيم الصمت على الساحات والميادين في سويسرا . فاليوم لن تكون هناك شعارات أو خطب أو موسيقى أو نقانق  ولا عجة.

من الفضاء الحقيقي إلى الفضاء الافتراضي

التجمعات العامة محظورة حاليا في سويسرا بهدف احتواء وباء كورونا ولا يمكن الاحتفال بـ 1 مايو في الشوارع. يقول ديغن بشيء من السخرية : "وهذه المرة، على عكس سنوات الحرب النقابات موافقة".

تقوم النقابات والمنظمات اليسارية الآن بتحويل الأزمات إلى نجاحات عبر نقل احتفالات عيد العمال إلى الجمهور الافتراضي. يقدم اتحاد النقابات السويسري (SGB) مجموعة من الفعاليات عبر الإنترنت.

ولكن بدون الغناء معًا، لا يمكن الاحتفال بالأول من مايو، نظرًا لوجود تقليد غنائي طويل في الحركة العمالية. النقابة العمالية في مدينة زيورخ  (SGB Zurich) دعت مؤيديها إلى الوقوف في الشرفات الساعة 11 صباحًا والمطالبة بصوت عالٍ بأجور عادلة للجميع . وتبث القيادات النقابية في زيوريخ خطب ومناظرات عبر موجات راديو لورا.

وقال أوربان هودل المتحدث باسم اتحاد النقابات السويسري "في المناقشات عبر الإنترنت، سنتناول العديد من الأسئلة المتعلقة بالوضع الحالي. الوباء  خلق الكثير من عدم اليقين ونحن نواجه أسئلة جديدة. لم نناقش مثل هذا الكم الكبير من القضايا في الأول من مايو من قبل".

ولكن هل القاعدة النقابية جاهزة لهذه الخطوة نحو الرقمنة؟ يرد هودل: "ردود الفعل مختلفة للغاية". ويوضح  "لأسباب تتعلق بالسن، بعض المنظمات الأعضاء غير معتادة على الأدوات الرقمية. ولكن في السنوات الأخيرة، كان لدى النقابات خبرة كبيرة في استخدام الشبكات الاجتماعية." 

القدرة على الابتكار

ولكن ما مدى تأثير النشاط السياسي المقصور على العالم الافتراضي؟ وهل يمكن أن يكون لها نفس تأثير المظاهرات في الشوارع الكبيرة؟

"تعلمت الحركة الاحتجاجيةمن أجل المناخ بالفعل في باريس في عام 2015 إيجاد سبل للتعبير عن نفسها على الرغم من قيود حالة الطوارئ [التي فرضتها الحكومة الفرنسية بعد الهجمات الإرهابية في 13 نوفمبر 2015] ، حسبما يقول بايال باريك، الناشط المقيم في مدينة برن والذي يتمتع بخبرة في تنسيق الحملات على مستوى العالم.

ويضيف باريك "تتيح الشبكات الاجتماعية أدوات فعالة للعمل. على سبيل المثال الحملة ضد الاستثمارات المدمرة للمناخ من قبل بنك كريدي سويس، والتي شارك فيها روجر فيدرر".

لكن هناك حدود، كما يوضح باريك. يمكن الاستفادة من الأدوات الرقمية بشكل جيد في قضايا محددة. من ناحية أخرى تتيح المظاهرات في الشوارع تعبئة أوسع لمواضيع أكثر عمومية والتواصل مع أشخاص جدد وإشراك الناس خارج دوائر الناشطين وإظهار عدد المتظاهرين. وأخيرًا وليس آخرًا، تزويد وسائل الإعلام بصور مذهلة.

ويرى ماركو جيوني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جنيف والمتخصص في الحركات الاجتماعية: "المظاهرات الكبيرة مهمة بلا شك لتشكيل هوية الحركة". وينوه "تحقيق المطالب يتطلب عاملين مهمين: القدرة على أن تصبح مرئياً والقدرة على التعطيل. هذا ما يصفه العلماء بـ" disruption"، وهي آلية أساسية للحصول على تنازلات".

بالطبع، كل هذه الأهداف يصبح من الصعب  تحقيقها عبر الإنترنت. من ناحية أخرى، أصبحت الأدوات الرقمية حيوية لتنسيق الحركات وأشكالها الاحتجاجية، كما يوضح جيوني: "وربما يعطي الوضع الحالي دفعة لتجديد العمل الجماعي. كما أن القدرة على الابتكار التكتيكي تلعب أيضًا دورًا أساسيًا في نجاح الحركات الاجتماعية".

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة