The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

المبادرات المواطنية: نجحت في سويسرا وتعثّرت في الاتحاد الأوروبي

جرار وعلم فرنسا
عندما يتعلق الأمر بالتأثير في المفوضية الأوروبية، قد يكون النزول إلى الشوارع أكثر فعالية من جمع التوقيعات. هنا، مزارعة فرنسية تحتج في عام 2024. Afp Or Licensors

بعد أكثر من عقد على إطلاقها، تبدو 'مبادرة المواطنين الأوروبية' أداة ديمقراطية متعثرة، لا سيما عند مقارنتها بالنموذج السويسري الناجع. فبينما ينجح السويسريون في فرض استفتاءات شعبية ملزمة، تصطدم المبادرات الأوروبية بعقبات بيروقراطية وسياسية تجعل تأثيرها شبه معدوم، مما يطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على سد 'العجز الديمقراطي' في الاتحاد.

في سياق المحادثات حول مجموعة من الاتفاقيات الثنائية الجديدة مع بروكسل، تثير أية إشارة إلى تدخل الاتحاد الأوروبي في المسائل الداخلية السويسرية، وخاصة ديمقراطيتها المباشرة، ردود فعل سلبية. ومع ذلك، قد يكون التأثير أيضًا في الاتجاه المعاكسة، من سويسرا نحو الاتحاد الأوروبي.

ففي الآونة الأخيرة، حملت إحدى مبادرات “المواطَنة الأوروبية” طابعًا سويسريًا لافتًا. فقد ارتبطت مبادرة “هاوس يوروب” (HouseEurope!رابط خارجي)، الداعية إلى تشجيع ترميم المباني القديمة بدل هدمها، بأبرز جامعات سويسرا. إذ شارك أستاذ من قسم العمارة في المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ (ETH) في إطلاق الحملة. كما كان القسم نفسه على قائمة الجهات التي قدّمت دعمًا بقيمة 50 ألف فرنك سويسري (نحو 63،300 دولار). وأيضًا، ساهمت مؤسسة مقرّها كانتون تسوغ في تمويل المبادرة.

فهل يُعدّ ذلك تدخّلًا أجنبيًّا من دولة غير عضو في الاتحاد الأوروبي؟

لا يعتقد المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ ذلك، حسبما أوضح لسويس إنفو (Swissinfo.ch). ووفقًا له، لم يكن مبلغ 50 فرنك تبرعًا نقديًا، بل بديلًا لما وصفه “دعمًا غير مالي”، كالمساهمات البحثية. ومع ذلك، فليس الأهم في هذه المبادرة الجدل حول التمويل، بل السبب الأكثر بساطة. فرغم الدعم السويسري، آلت المبادرة إلى الفشل، المصير التقليدي لمبادرات المواطَنة الأوروبية. وبحلول الموعد النهائي في 31 يناير، لم تجمع سوى 83 ألف توقيع. في حين يتطلّب النجاح مليون توقيع.

مشكلة جمع التواقيع

لم يكن فشل مبادرة هاوس يوروب في تحقيق أهدافها حدثًا منفردًا. فمنذ إطلاق مبادرة المواطَنة الأوروبية في عام 2012، تمكنت 14 من أصل 125 مبادرة مسجّلة فقط، من جمع الحد الأدنى المطلوب من التواقيع لتقديم مقترحاتها إلى المفوضية الأوروبية. ورغم أنّ المؤيدين.ات لمبادرة المواطَنة الأوروبية لا يزالون.ن يرون.ين فيها الأداة الوحيدة عبر الوطنية للديمقراطية المباشرة في العالم، فهم.نّ يعترفون.ن أيضًا بفشلها في تحقيق هدفها الأساسي. وهو المساعدة في تقليص “العجز الديمقراطي” في الاتحاد الأوروبي، المتمثِّل في الفجوة بين مؤسسات صنع القرار في بروكسل والشعوب الأوروبية، التي تشعر بعدم سماع أصواتها.

أما أبرز جوانب هذا الفشل فهو صعوبة الوصول إلى عتبة التواقيع، كما يظهر عند مقارنة ذلك بالتجربة السويسرية. ففي سويسرا، المعروفة بتقاليدها الراسخة في الديمقراطية المباشرة، يتمكن الناشطون والناشطات غالبًا من جمع 100 ألف توقيع، العدد المطلوب لإجراء تصويت على تعديل دستوري. بينما في الاتحاد الأوروبي، يتطلب الأمر مليون توقيع لإقرار مبادرة المواطنة الأوروبية، أي ما يعادل عشرة أضعاف. ورغم زيادة عدد سكان الاتحاد الأوروبي عن سكان سويسرا بحوالي 55 مرة، لا تصل معظم المبادرات إلى هذا الهدف، وتختفي بعد جمع بضعة آلاف من التوقيعات.

محتويات خارجية

ويكمن أحد أسباب مشكلة التواقيع في طبيعة هذه الأداة العابرة للحدود الوطنية. فليست إدارة حملة تمتد عبر دول ولغات متعددة، عملية سهلة أو رخيصة. وفضلا عن ذلك، يجب الحصول على الحد الأدنى من التواقيع، على الأقل في سبع دول من دول الاتحاد الأوروبي.  كما يصعب تحقيق حضور جماهيري واسع على مستوى قارة بأكملها، في سياق إعلامي لا يزال محليًا إلى حد كبير، حيث نادرًا ما تتصدر قضايا الاتحاد الأوروبي الأخبار. وفي الوقت نفسه، يبقى تفاعل الأحزاب السياسية والشركات الخاصة محدودًا على الصعيد الأوروبي، رغم دورها البارز في جمع التواقيع في سويسرا. وهو ما يجعل الحملات الأوروبية تعتمد بشكل أكبر على المنظمات غير الحكومية، والجهات المانحة الخاصة.

شاهد.ي الفيديو، لمعرفة آلية عمل المبادرات والاستفتاءات في سويسرا:

المزيد
الديمقراطية السويسرية

المزيد

الديمقراطية السويسرية

من الفكرة إلى الاقتراع: كيف يضع الشعب السويسري قوانينه؟

تم نشر هذا المحتوى على ترغب الكثير من الشعوب في رؤية بلدانها تنظم اقتراعات شعبية مثل تلك الموجودة في سويسرا. ولكن ما هي آليات الديمقراطية المباشرة في هذا البلد؟

طالع المزيدمن الفكرة إلى الاقتراع: كيف يضع الشعب السويسري قوانينه؟

أثر غير مُلزِم

وعلاوة على العوائق العملية، يكمن ضعف مبادرة المواطَنة الأوروبية في جوهر تصميمها. فتستند المبادرات والاستفتاءات في سويسرا إلى اقتراعات محمية بنصوص قانونية محددة وملزمة. أمّا مبادرات المواطَنة الأوروبية، فيصفها دانيال ميوكلي، من جامعة زيورخ، بمبادرات “جدول أعمال”. فهي تحمل وزنًا أكبر من العرائض، لكنه أقل بكثير من مبادرة شعبية ملزمة. وحتى عندما تبلغ إحدى هذه المبادرات عتبة المليون توقيع، لا تكون المفوضية الأوروبية مُلزَمة سوى بدراسة الموضوع، دون أي التزام باتخاذ إجراء فعلي. فضلًا عن ذلك، لا يُطرح المقترح أصلًا في اقتراع عام.

وبما أن الأمر متروك لتقديرها، تستطيع المفوضية الأوروبية ببساطة تجاهل المقترحات، أو تنفيذ ما تراه مناسبًا منها فقط. وعلى موقعها الإلكتروني، تُصنّف المفوضية مبادرات المواطَنة الأوروبية التي تبلغ عتبة التواقيع على أنها “ناجحة”. غير أن هذا التوصيف ينطوي على قدر من التفاؤل؛ إذ إن عددًا قليلًا منها أفضى، في الواقع، إلى تغييرات ملموسة. ومن المبادرات “الناجحة”، مبادرة “الحقّ في المياه” (Right2Waterرابط خارجي)، التي أسفرت عن إدخال تعديلات جزئية على قواعد جودة المياه في الاتحاد الأوروبي. أمّا معظم المبادرات الأخرى، ومنها اقتراح حظر التجارب على الحيواناترابط خارجي، فقد وجدت المفوضية أسبابًا لعدم اتخاذ أي إجراء بشأنها.

ولا يقتصر الفرق بين التجربتين على طبيعة الأثر الإلزامي للمبادرات، بل يمتدّ إلى الجهة المالكة للكلمة الفصل في تنفيذها. ففي سويسرا، تعود السلطة النهائية في تنفيذ المبادرات إلى البرلمان، الخاضع للمساءلة أمام الناخبين والناخبات. أمَّا في الاتحاد الأوروبي، فتوكل للمفوضية، الهيئة غير المنتخبة، المُتَّهمة بتجسيد “العجز الديمقراطي”، الذي تهدف المواطَنة الأوروبية لمعالجته. ويحذّر منتقدون ومنتقدات، من تعمُّق الشكوك إذا لم تُفضِ المبادرات إلى نتائج ملموسة. وعبَّرترابط خارجي إيميلي أورايلي، أمينة المظالم في الاتحاد الأوروبي، عن هذه التحذيرات، بالقول: “إذا لم تُفضِ مبادرة ناجحة يومًا إلى اقتراح قواعد أوروبية جديدة […] فسيتوقف الناس عن الإيمان بالعملية، لا بالمبادرة وحدها، بل وربما بالديمقراطية نفسها”.

الاعتراف بحدود مبادرة المواطَنة الأوروبية

واستجابة منه لهذه الانتقادات، لم يقف الاتحاد الأوروبي مكتوف الأيدي تمامًا. فقد دفعت الطعون القانونية، التي قدمها ناشطون.ات محبطون.ات، المفوضية الأوروبية إلى اعتماد نهج أكثر مرونة في قبول المبادرات. كما قد تكشف قضية أخرى قيد النظر، ترتبط بمبادرة الرفق بالحيوان (End the Cage Ageرابط خارجي)، مدى التزام المفوضية أو عدمه بالاستجابة للمبادرات “الناجحة”. وبالتوازي، عملت بروكسل على تحسين البنيتين التقنية والرقمية لتسجيل التواقيع ومصادر التمويل، ما سهّل إلى حدّ ما عمل الناشطين والناشطات.

محتويات خارجية

ولا يتوقع العديد من الناس تتطوُّر مبادرات المواطَنة الأوروبية إلى أدوات صارمة تسمح بإجراء تصويت شعبي يوافق على القوانين أو يرفضها. وبدلًا من ذلك، يكمن المستقبل، بحسب البعض، في تعزيز دورها في طرح القضايا على جدول الأعمال. وفي هذا الإطار، أشاررابط خارجي ألبيرتو أليمانّو، الأستاذ في المعهد العالي للتجارة بباريس، إلى توفير مبادرة المواطَنة الأوروبية “منصّة مضمونة” للتفاعل عبر الحدود، في ظلّ الضغوط المواجِهة لمنظّمات المجتمع المدني في بعض مناطق أوروبا. وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار بعض الأفكار التي قد تبدو فاشلة نجاحًا، وفقًا لتقديره، إذا أدت إلى تحفيز نقاشات تتجاوز الحدود.

ويرى البعض الآخر أنّ مبادرة المواطَنة الأوروبية ليست سوى عنصر واحد ضمن مشهد أوسع للديمقراطية المباشرة في أوروبا. ووفقًا لدانيالرابط خارجي رابط خارجيميوكليرابط خارجي، انطلقت نحو 6،874 مبادرة مختلفة في بلدان مجلس أوروبا بين عامي 1990 و2020، وكان نحو ثلثيها مبادرات “جدول الأعمال”. وفي هذا الإطار، يقول إنّ مبادرة المواطَنة الأوروبية أدّت دور المحفّز، إذ شجّعت على استحداث أدوات مماثلة على المستوى الوطني، ولا سيّما في شمال أوروبا. وحتى في سويسرا، بدأ البعضرابط خارجي رابط خارجييدعورابط خارجي إلى اعتماد أداة من هذا النوع، تُعرف بما يُسمّى “مقترح الشعب”.

زخم شعبي وتأثير محدود: في إيطاليا، تواجه الديمقراطية المباشرة عقبات مشابهة لتلك التي تعترض مبادرة المواطَنة الأوروبية

المزيد
مركز اقتراع

المزيد

الديمقراطية الرقمية

جمع التوقيعات إلكترونيًا: حقنة فيتامين للديمقراطية الإيطالية 

تم نشر هذا المحتوى على على مدار السنوات الأربع الماضية، تم إطلاق أكثر من مئة مبادرة شعبية واستفتاء قانوني في إيطاليا على المستوى الوطني.

طالع المزيدجمع التوقيعات إلكترونيًا: حقنة فيتامين للديمقراطية الإيطالية 

ومع ذلك، يظل من غير الواضح ما إذا كانت زيادة مبادرات “جدول الأعمال” تعكس صحة الديمقراطية المباشرة. وكما هو الحال مع مبادرة المواطَنة الأوروبية، يكون من الصعب قياس النجاح عندما لا يرتبط بتغييرات قانونية ملموسة. وأشار دانيال ميوكلي إلى فنلندا، حيث نالت هذه الأداة قبولًا واسعًا من المواطنين.ات منذ اعتمادها في عام 2012. ويجادل بإمكانية تقديمها مزايا مقارنة بالاستفتاءات، التي قد تثير الانقسامات السياسية، مشيرًا إلى مثال انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، “البرِيكْسِت”. بينما لا يرى آخرون إمكانية اعتبار مبادرات جدول الأعمال ديمقراطية مباشرة، لأنها لا تؤدي إلى تصويت عام.

ومن منظورٍ سويسري، على الأقل، ينبغي النظر إلى هذه الأدوات، بما فيها مبادرة المواطَنة الأوروبية، في إطارٍ محدّد. أي بوصفها مكمّلًا ليّنًا للاستفتاءات والمبادرات الشعبية الراسخة، لا محاولةً لإطلاق ديمقراطية جديدة كليًّا تنطلق من القاعدة الشعبية.

تحرير: بنيامين فون وايل

ترجمة: ريم حسونة

مراجعة: عبد الحفيظ العبدلّي

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية