هل يتم الاعتراف بالإسلام كديانة "سويسرية"؟

الإسلام في الفضاء العام السويسري.. بين المشاركة والانطواء

بعض المواطنين يزورون مسجد الجالية البوسنية في سانت-غالن بمناسبة يوم مفتوح نظمته المنظمات الغسلامية في إطار الحملة التي سبقت الإقتراع بشأن حظر المآذن في عام 2009. Keystone / Ennio Leanza

في الوقت الذي تبذل فيه بعض المنظمات والهيئات الإسلامية في سويسرا جهودا مضنية من أجل تعزيز حضورها في الفضاء العام تأكيدا لرغبتها في الاندماج وسعيا منها لتحصيل اعتراف السلطات بها، يحرص البعض الآخر منها على تجنب الأضواء، والتحرك بعيدا عن الإثارة والإعلام.

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 سبتمبر 2020 - 11:00 يوليو,

في علاقة ببعدي، الحضور في الفضاء العام أو الانزواء عنه وتجنبه، يسلّط هذا المقال الضوء على هذا المشهد الذي بدأت ملامحه في التشكّل بعد إقرار حظر المآذن في البلاد في عام 2009، ولم يستقّر على وضعه الحالي إلا بعد عدّة سنوات، ونظرة على المستويْين المحلي والوطني، تكشف عن وجود ديناميات مختلفة، هي بمثابة القنوات التي تؤطّر وجود الأقلية المسلمة في سويسرا، وتشمل المنظمات الإثنية والقطرية، وفدراليات المنظمات الإسلامية في الكانتونات، وهيئات أخرى تزعم تمثيل فكرة "الإسلام الأصيل"، أو قيم انسانية عامة كالحوار والانفتاح والتعايش.

المنظمات الإثنية والقُطرية 

يعمل هذا الصنف من المنظمات على تأبيد ثقافة وتقاليد منطقة أو بلد بعينه ينحدر منه مهاجرون مسلمون قدموا إلى سويسرا من أجل العمل وتحسين ظروفهم المعيشية أو بحثا عن الحماية في زمن النزاعات والحروب. ومن أبرز الجهات الراعية لهذه الدينامية فدرالية الجمعيات التركية بسويسرا   والجمعيات الدينية الإسلامية البوسنية les Džemats واتحاد الجمعيات الألبانية.

مثلما أوضح رمضان غون، الرئيس السابق للمركز الثقافي التركي بمودون في حديث إلى swissinfo.ch: "نشأت "جمعية الأتراك في سويسرا"، في عام 1980 من أجل تقديم دروس في اللغة والثقافة التركية ومن أجل الحفاظ على هوية الجيل الثاني من هذه الجالية".

وبالنسبة للسيد غون، "تعليم أبناء المهاجرين والأجيال المتتابعة اللغة الأم والحفاظ على تجذّرهم في ثقافتهم الأصلية لا يمنع بحال اندماجهم في المجتمع المضيف"، لأن "اللغة والثقافة الأصلية شرطان رئيسيان لنجاح اندماج الأطفال من أصول اجنبية في موطنهم الجديد"، حسب قوله.

وفي الحالات الثلاثة، تقوم هذه الهيئات بإرسال أئمة إلى سويسرا للعمل وفق عقود محدودة الآجال لتأطير رعاياها دينيا والإحاطة بهم نفسيا. ونظرا لوفادة هؤلاء الأئمة من عالم غريب عن بلد جبال الألب، تكون معرفتهم باللغات الوطنية السويسرية وبالوضع القانوني وبالمؤسسات ضعيفة جدا.

ويعترف رمضان غون بأن هذا الوضع "يمثّل مشكلة حقيقية، ومن يقول ذلك ليس مخطئا. فاليوم نحن في الجيل الخامس من المهاجرين الأتراك، والأئمة الذين لا يتقنون اللغات الوطنية السويسرية ولا دراية لهم بالنسيج المؤسساتي في هذه البلاد، لن ينجحوا في أداء مهمّتهم".

اتحادات عابرة للغات وللانتماءات الإثنية

في مقابل هذه الاستراتيجية التي تعتمد التكتّم والعمل بعيدا عن الأضواء، وتقتصر على التحرّك ضمن دائرة مجموعات مهاجرة بعينها، يكاد لا يخلو كانتون سويسري من اتحاد للمنظمات الإسلامية العابرة للغات والانتماءات الضيّقة. وقد نجحت هذه الاتحادات في "استزراع" * آليات العمل الجمعياتي ذات الطابع المدني وفقا لما تنص عليه المادة 60 من القانون المدني السويسري. فهي تعقد المؤتمرات وتختار رؤساءها وتكوّن المكاتب التي تشرف على مناشطها، وتنتهج الحوار والتواصل مع محيطها لتحقيق أهدافها.

أحد هذه الهيئات اتحاد المنظمات الإسلامية بكانتون زيورخ (VIOZ)، الذي تأسس في عام 1995، والذي تنضوي تحت عضويته أكثر من 40 منظمة وجمعية إسلامية، تسيّر أزيد من 90% من مجموع المساجد في الكانتون الواقع شمال سويسرا.

وعن نشأة هذا الاتحاد يقول رئيسه الدكتور محمود الجندي، والذي هو أيضا دكتور في مجال الطاقة ومتخرج من المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ: "باقتراح من كانتون زيورخ، ورغبة منه في إيجاد محاور موحّد للمسلمين تأسس اتحاد المنظمات الاسلامية VIOZ في البداية لتحقيق ثلاثة أهداف: السماح للمسلمين بدفن موتاهم وفق تعاليمهم الدينية في المقابر العامة، والاعتراف بالإسلام كديانة رسمية، وتأسيس مركز إسلامي كبير جامع للمسلمين".

وأوضح باسكال غمبرلي، رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بكانتون فو سابقا، في حديث أدلى به إلى swissinfo.ch: "أن توجه هذا النوع من المنظمات الذي لا يكاد يخلو منه كانتون نحو تعزيز حضورها في الفضاء العام، وسعيها الدؤوب للتواصل مع وسائل الإعلام والسلطات على كافة المستويات إنما هو من أجل اكتساب اعتراف المجتمع والهيئات الرسمية، ومن أجل تغيير الصورة السيئة للمسلمين في البلاد، ومن أجل تحقيق مكاسب عملية مثل تخصيص مقابر لدفن موتى المسلمين، وتيسير استيراد اللحم الحلال". ورغم اعترافه بأن هذا الحضور اللافت قد يثير في بعض الأحيان التوتّر وقد يترجم ذلك من خلال إطلاق مبادرات تستهدفهم، فإنه يرى في ذلك أيضا "دليلا على تقدّم عملية الاندماج والمواطنة، وبالتالي هو شرّ لابد منه".

ويذكر أن الغالبية العظمى من هذه الاتحادات الكانتونية هي عضو في منظمة أشمل تنشط على المستوى الوطني وهي فدرالية المنظمات الإسلامية والتي تنضوي داخلها أزيد من 300 جمعية ومركز إسلامي، وتعتبر المحاور الرئيسي للحكومة الفدرالية وتمثّل المسلمين على مستوى المجلس السويسري للأديان.

هيئات ممثلة للأفراد وناطقة باسم "الإسلام الأصيل"

جمعيات إسلامية أخرى اختارت استراتيجية عمل مختلفة، فهي لا تمثل المساجد أو المراكز الثقافية الملحقة بها، ولا تنطق باسم المجموعات الإثنية أو الثقافات المهاجرة، بل تقول إنها تدافع عما تسميه "الإسلام الأصيل" وعن قيم الحوار والتعايش المشترك وعن المواطنة المتساوية بعيدا عن الانغلاق والتعصّب والإقصاء. ومن بين الهيئات "مؤسسة التعارف بجنيف"، و"مجلس الشورى الإسلامي بسويسرا".

منذ نشأتها، اعتبرت "مؤسسة التعارف" نفسها محفلا لا دينيا ولا سياسيا، ولا تمثّل المساجد أو الأشخاص بل تتبنى الحوار بين مختلف الأديان والطوائف، منفتحة على الآخرين، هدفها كما يقول عبد الحفيظ الورديري في حديث إلى swissinfo.ch: "تطوير مشروعات مع الشباب من أجل مشاركتهم بشكل كامل في حياة المجتمع الذي يعيشون فيه"، من ناحية و"السماح للمسلمين بالانفتاح على الآخرين ونسج قيم التعارف بين الثقافات والحضارات من أجل تحقيق المصلحة المشركة للجميع، في روح من التعاون وتبادل المنافع بعيدا عن عقلية التنافس والصدام".  

وعن جملة هذه الأهداف، ومنبع هذه القيم التي تغذي نشاط "مؤسسة التعارف، يقول الورديري: "نحن نستلهم قيمنا من أفق واسع جدا، قد يكون عقيدتي الاسلامية، وقد يكون أديان وثقافات أخرى"، وأما شركاؤنا في هذا التعارف والتواصل "فهي كل القوى التي تعمل من أجل إعادة إحياء القيم الإنسانية التي تآكلت مع الزمن، وأحوج ما نكون لهذه القيم في هذا الزمن الذي ينتشر فيه وباء كوفيد-19".

في سياق مختلف، نجد مجلس الشورى الإسلامي بسويسرا، الذي تزامنت نشأته في كانتون برن، مع النقاش الذي كان دائرا في سويسرا إبان الحملة التي سبقت الاقتراع الذي أدى إلى حظر المآذن. ووفق ما قالته فرح أولوكاي، السكرتيرة العامة لهذه الهيئة في حديث إلى swissinfo.ch: "كانت النشأة نتيجة ما سُجّل من غياب تام للمسلمين في الساحة خلال الحملة التي سبقت الاقتراع على حظر المآذن".

كما أن هذه الهيئة "مقتنعة بضرورة تكثيف الحضور في الفضاء العام، والمشاركة المستمرة في النقاشات المجتمعية والتواصل مع مختلف مكوّنات المجتمع السويسري". وهذه مسألة حوية لـ "تطبيع الوجود الإسلامي في سويسرا"، بحسب زعم أوليكاي.

ومهما يكن من تباين بين هذه الإستراتيجيات المتعددة حول مسألة الاندماج والمواطنة وحول الانفتاح على بقايا فئات المجتمع والطوائف الدينية الأخرى، وحول أهمية الحضور على مستوى الإعلام وفي الفضاء العام، فإن أغلب أنظار المسلمين في سويسرا اليوم وخاصة الشباب منهم تتجه نحو التوحّد على أساس تطبيع الوجود الإسلامي في سويسرا في احترام كامل لخصوصيات هذا البلد وقوانينه.

*المصطلح استخدمه أوليفييه روي، مدير بحوث بالمركز الوطني للبحوث العلمية بفرنسا، في كتابه "الجهل المقدّس: زمن الأديان المجردة من الثقافة".

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة