Navigation

كيف تساهم العلوم في اكتشاف مستوطنات جبال الألب القديمة المغمورة بالمياه

غواص يحمل قطعة خشبية من مستوطنة قديمة تحت سطح بحيرة تون. Bern cantonal archaeology service
هذا المحتوى تم نشره يوم 27 يونيو 2021 - 08:31 يوليو,
سايمون برادلي (النص)، جولي هانت (الفيديو) آستر أونترفينغر (مجموعة الصور)

ساعدت طرق البحث المتطوّرة علماء الآثار، في اكتساب المزيد من المعرفة عن الحضارات التي عاشت في منطقة جبال الألب وحولها منذ آلاف السنين، في قرى زاخرة بالمساكن التي كانت مشيّدة على ركائز مغروسة في المياه. لكن نتائج الاكتشافات الحديثة، وما تبقّى من آثار قيد الاكتشاف ما تزال تبهر الباحثين.

في الصباح الباكر، وتحت أشعة الشمس الدافئة التي تنسل ببطء عبر الضباب المتلألئ على بحيرة بيل/ بيان في غرب سويسرا، تقوم مجموعة من الغواصين، عبر منصّة خشبية، برصد مياه الزمرد الجيري في عمق البحيرة.

يقول لوكاس شيرير، نائب رئيس خدمة الغوص الأثري تحت المياه في كانتون برن: "فصل الشتاء هو الوقت المثالي للغوص لأنك ترى كل شيء بوضوح؛ حيث لا توجد قوارب أو نباتات تعكّر صفاء المياه".

اليوم، تتقاطع ضفة البحيرة مع الطرق ومجمعات البناء ومزارع الكروم. بين عاميْ 500 و5000 قبل الميلاد، كانت هذه البقعة من سويسرا زاخرةً بقرى ومستوطنات من الأكواخ المائية (التي كانت عبارة عن مساكن مرتكزة على أعمدة طويلة متينة في المياه)، وشكّلت موطناً للمئات من السكان الذين كانوا يعيشون على الصيد والزراعة في منطقة لا تزال تُعتبر أراضيها من المراكز الزراعية في بلد جبال الألب. في هذه المنطقة، يتولى شيرير وفريقه مسؤولية البحث عن الآثار المغمورة من الأكواخ المائية، والمواقع الأثرية الأخرى.

لقد اتخذ شيرير وفريقه من قرية "سوتز-لاتريغن" Sutz-Lattrigen على الشاطئ الجنوبي لبحيرة بيل/بيان قاعدة لإجراء الأبحاث؛ فقد كانت هذه القرية موطناً للعديد من المواقع الأثرية من العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي. وفيها أيضاً، اكتشف علماء الآثار عام 2007 ركاماً لأقدم مبنى معروف في سويسرارابط خارجي، وهو كوخ كان قد شُيّد على ركائز تغمرها المياه، يعود تاريخه إلى عام 3863 ما قبل الميلاد.

تجري الاكتشافات الجديدة بوتيرة منتظمة؛ ففي هذا العام فقط، أبلغ العلماء عن اكتشاف مذهل تحت المياه في بحيرة لوتسيرنرابط خارجي، على بعد حوالي 100 كيلومتر إلى الشرق. هناك، اكتشف الغواصون آثار قرية كانت تحتوي على أكواخ شيّدت على أعمدة غمرتها المياه وعثروا على قطع أثرية أظهرت أن المنطقة كانت مأهولة بالسكان منذ ما قبل 2000 عام عما كان يُعتَقد سابقاً.

وحتى اليوم، تم توثيق ما يقرب من 1000 موقع عُثِر فيه على الركائز التي كانت تُغرس في البحيرات والأنهار والمستنقعات وتُبنى عليها الأكواخ، وذلك في ستة بلدان حول منطقة جبال الألب (سويسرا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا والنمسا وسلوفينيا). ويصادف يوم 27 يونيو مرور عشر سنوات على إدراج وكالة الأمم المتحدة للثقافة- اليونسكو 111 موقعاً من هذه المواقع على قائمة التراث العالميرابط خارجي (انظر صندوق المعلومات).

مواقع مدرجة في التراث العالمي لليونيسكو

يصادف يوم 27 يونيو الذكرى السنوية العاشرة على اكتشاف مساكن ما قبل التاريخ التي أنشئت على ضفاف البحيرة في بلدان جبال الألبرابط خارجي - بما في ذلك سويسرا - والتي تم إدراجها من قبل اليونسكو كمواقع للتراث العالمي.

في عام 2011، تم منح 111 موقعاً من أهم المواقع في سويسرا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا وسلوفينيا علامة التراث المرموقة. ومن بين هذه المواقع، يوجد 56 موقعاً منها في سويسرا. وتصف اليونسكو مجموعة المساكن بأنها "واحدة من أكثر المصادر المهمة لدراسة المجتمعات الزراعية لفجر الانسانية في المنطقة ".

" مساكن بالية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ حول جبال الألب".

End of insertion

 عمل شاق

لا شك بأن علم الآثار المغمورة بالمياه، والذي تطور منذ الستينيات بفضل اختراع منظّم الغوص، أصبح الآن يُعتبر تقنية راسخة وجزءاً أساسياً من علوم البحث عن المستوطنات القديمة على ضفاف البحيرات. ولا شك أيضاً بأن التطوّر في تقنيات البحث قد أدّى إلى المزيد من الانجازات، لكن أعمال البحث هذه عادة ما تنطوي على صعوبات.

 ويقول شيرر في هذا الصدد: "هذه الأعمال تتطلب جهداً بدنياً، حيث يتعين عليك تحمل الكثير من الوزن حتى عندما تقوم بالغطس في المياه الضحلة. ونحن، نعمل في الخارج في كل موسم. قد يكون الأمر صعباً في بعض الأحيان، لا سيّما إذا كانت درجة الحرارة في الشتاء أدنى من الصفر أو كان الجوّ  ممطرا طوال اليوم".

 حتى الرؤية تحت الماء يمكن أن تكون صعبة، وللحصول على رؤية جيدة، يلجأ الغواصون إلى استخدام التيارات الاصطناعية، كما يتم نشر أنابيب شفط المياه للتمكّن من كشف المواقع ومن ثَمّ القيام بأعمال الحفر.

  وتختلف طبيعة عمل الباحثين من موقع إلى آخر. وهم يقضون الكثير من الوقت في رصد المواقع وتوثيقها. وفي حين أن الكثير من الأعمال السابقة كان تنفيذها يتم يدوياً، فإن الباحثين اليوم يستخدمون أجهزة عالية التقنية مثل سونار المسح الجانبي، وأجهزة قياس الصدى متعددة الحزم، والكاميرات الرقمية تحت الماء والطائرات الآلية.

 وعندما تكون المواقع معرّضة لخطر التعرية، يستخدم الغواصون تقنيّات أخرى للحفاظ على الطبقات الأثرية الهشة؛ وتتضمن إحدى التقنيات الفعالة المستخدمة لذلك، تغطية قاع البحيرة والأعمدة الخشبية بالمنسوجات الطبيعية، مثل ألياف جوز الهند المثقلة بالحصى.

كنوز مخبأة

 ترك أسلافنا الذين عاشوا في عصور ما قبل التاريخ وراءهم سجلاً عن حياتهم محفوظاً تحت الماء والرمل والطين، وهو سجل لا يُقّدر بثمن، وظلّ سليماً إلى حدّ كبير لسنوات طويلة. وما زال الغواصون يعثرون على مخلّفات فريدة من نوعها، بما في ذلك واحدة من أقدم العجلات في العالم، والأواني الفخارية والمخابئ والملابس، وحتى العلكة القديمة والخبز.

وتوضح ريجين ستابفر، رئيسة قسم الآثار في كانتون برن قائلةً: "لدينا خطة إدارة لمواقع اليونسكو الأثرية، ولا نقوم بالبحث عنها كلّها. ويكمن هدفنا في العمل على عدم المساس بها وحمايتها قدر الإمكان. ولكن إذا كانت هناك أجزاء في هذه المواقع آخذة بالتآكل بشدة، فمن الأفضل إجراء عمليات البحث قبل أن تُطمَس معالمها بالكامل".

 في موقع أثري قريب من "تاوفلن"  Täuffelen، بلغ تآكل المعالم حدّاً بعيداً. ويتولى شيرر وفريقه أعمال التنقيب بشكل منهجي في هذا الموقع، بمساعدة غواصّيْن يسبران أغوار مساحة 15 متراً مربعاً في اليوم. ولكن إذا صادفا طبقات سميكة من الرواسب، فلا يمكنهما عندئذٍ تنظيف وفحص أكثر من حوالي متر مربع واحد فقط في اليوم.

قياس حلقات الأشجار

 يتمحور أحد أكثر الأسئلة المركزية المطروحة من قِبَل علماء الآثار حول عمر المستوطنات والمخلّفات التي يعثرون عليها، مما يجعل من جمع عيّنات الخشب واحدة من أهم مهام الغواصين، لأنهم يخضعون هذه العيّنات لتقنية التأريخ بواسطة عدّ حلقات الأشجار (تقنية التنجيم الشجري Dendrochronology) من أجل تقدير عمرها.

 على منصة البحيرة، قام فريق من فِرَق الغوص بتقطيع الأعمدة الخشبية التي تم الحصول عليها من البحيرة، إلى شرائح دائرية سميكة، وسيتم تمرير هذه إلى الزملاء في مختبر تقنية التنجيم الشجري في "سوتز-لاتريغن" لمزيد من التحليل والاختبار.

 يقول العلماء إن تقنية التنجيم الشجري من خلال شكل حلقات الشجرة وعددها قد أحرزت تقدمّاً هائلاً على مدار الثلاثين عاماً الماضية. وأصبحت الطريقة الآن دقيقة للغاية بفضل تسلسل واسع لأنواع معيّنة من الأشجار وتأريخ مرجعي محلي مفصل يسمح للخبراء بالعودة في الزمن بعيداً إلى الوراء. فخشب البلوط الأوروبي على سبيل المثال، يمكن تتبع تاريخه إلى 10000 سنة مضت.

 للوهلة الأولى، يبدو التأريخ من خلال الخشب عملية بسيطة إلى حد ما؛ حيث يتم تحضير عينة عن طريق إزالة طبقة علوية رفيعة باستخدام شفرة حادة. ثم يتم وضع طبقة من الطباشير لإبراز الحلقات بغية رؤيتها بوضوح تحت المجهر. وفي وقت لاحق، تتم الاستعانة بالتكنولوجيا عبر برنامج كمبيوتر حيث توضع الحلقات على الرسم البياني ويقارن تسلسلها بالمراجع القياسية.

بناء الصورة

بفضل تقنية التنجيم الشجري (Dendrochronology)، يمكن لعلماء الآثار اليوم وبدقة تحديد العام الذي قُطعت فيه شجرة معينة. ومن خلال تقاطع هذه المعلومات مع الصور المأخوذة تحت الماء لأعمدة الخشب ومع الاكتشافات الأخرى، يمكن للباحثين تدريجيّاً بناء صورة للقرية، ومعرفة كيفية تسويتها وكيفية الحصول عليها من الغابة المحلية.

ولكن عملية الربط بين الألغاز المتراكمة تبقى مسألة معقدة، فغالباً ما كانت المستوطنات تشيّد لفترات قصيرة نسبياً، وغالباً ما كان يعاد توطين الأجيال اللاحقة بعد سنوات، في نفس المواقع تحديداً، بجوار البحيرة.

يقول ماثياس بوليغر، رئيس مختبر تقنية التنجيم الشجري (Dendrochronology) في "سوتز-لاتريغن": "أحياناً يصل بك الأمر إلى رصد تسع قرى، شُيّدت فوق بعضها البعض".

على شاشة بوليغر، نلاحظ كيف تم ترتيب عشرات النقاط الملونة المختلفة - كل منها يمثل نوعاً من الأعمدة تحت الماء - وقد أخذت شكل مستوطنة مستطيلة يقوم بدراستها.

"فجأة، هناك شيء ما"

كما كشفت تقنيات البحث المتطورة أيضاً معلومات أخرى حول كيفية قيام السكان في سويسرا الذين كانوا يعيشون في المساكن القائمة على الركائز المغمورة بالمياه، حوالي عام 4300 قبل الميلاد، بزراعة المحاصيل وتربية الحيوانات. كما كشفت هذه التقنيات كيف كان السكان آنذاك يقومون باصطياد وجمع النباتات البرية، واستخدام البحيرات لصيد الأسماك وكطرق نقل، وكيف كانوا يستفيدون من الغابات على نحو مستدام.

 وتشير ستابفر إلى أن سكان تلك الحضارات كانوا أكثر تقدماً مما يمكننا أن نعتقد: "لقد كانت لديهم فعلاً أفكار جيدة عن كيفية استخدام المواد الطبيعية المختلفة لصنع الملابس والحاجيات الأخرى"، على حد قولها. كما استخدم الصيادون من العصر الحجري الحديثرابط خارجي مواداً مثل لحاء البتولا (نوع من أنواع الخشب الشبيه بالكرتون القوي والمقاوم للماء) لصنع أغلفة سهام مقاومة للمطر ولصنع حاجيات أخرى لا تختلف كثيراً عن نسيج "غور-تكس" Gore-Tex الذي اخترعناه لمقاومة الماء. وعثر فريق ستابفر في "سوتز-لاتريغن" أيضاً على حذاء مصنوع من ألياف اللحاء يعود تاريخ صنعه إلى 2700 عام قبل الميلاد.

ولكن لا يزال هناك الكثير من المعلومات المجهولة حول السكان الذين عاشوا في هذه المساكن المشيدة على ركائز مغروسة في المياه، بحسب علماء الآثار.  يقول شيرير: " لقد وجدنا المواد التي استخدموها، والأدوات والأوعية التي كانوا يأكلون فيها، ولكننا ما زلنا نملك القليل جداً من المعلومات المتعلقة بحياتهم، ونظام عيشهم، ومعتقداتهم".

وقد يصادف الغواصون أحياناً عظام أسماك أو حيوانات، لكن من النادر أن يعثروا على بقايا بشرية أو أشياء تتعلق بالمدافن.

وتقول ستابفر في هذ الصدد: " ليست لدينا رؤية واضحة عما إذا كان السكان القدامى يلجؤون إلى دفن موتاهم في مكان ما، أو يقومون بحرق جثثهم ونثر رمادها على البحيرة" .

ويرى العلماء أنه إذا تبيّن أن المساكن المذهلة الذي تم العثور عليها مؤخراً في بحيرة تونرابط خارجي وبحيرة لوتسيرنرابط خارجي في سويسرا، هي مصادر معلومات يُهتدى بها، فسيكون بانتظارنا اكتشاف الكثير من الأسرار المخبأة تحت الأمواج.

ويقول أندرياس مادير، رئيس قسم الآثار المغمورة بالمياه في زيورخ: "هذه الأماكن التي تجري البحوث فيها، قد تمّ فحصها ربما قبل 10 أو 20 أو 30 عاماً. في ذلك الوقت اعتقدنا بأنه " لا يوجد شيء". فجأة، ظهر شيء ما، مما يعني ببساطة أن قاع البحيرة تآكل ليكشف لنا عن آثار كانت مخبّأة تحت المياه".   .

خريطة بمواقع الأكواخ المائية في أوروبا Unesco
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

اكتب تعليقا

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟