مقاومة "الأخبار المضللة" حول كوفيد - 19 بجرعة عالية من ثقة الجمهور

تشمل الادعاءات الكاذبة والمضللة التي تدور حول فيروس كورونا المستجد النظرية القائلة بأن الفيروس لا وجود له إطلاقاً. Keystone / Nicolas Armer

انتشرت المعلومات المضللة حول كوفيد – 19، كالوباء نفسه، في جميع أنحاء العالم. وأثر ذلك على بعض البلدان أكثر من غيرها. ما هو الوضع في سويسرا بالنسبة لـ "وباء المعلومات"؟ وهي التي شهدت زيادة في شعبية وسائل الإعلام البديلة ونظريات المؤامرة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 يوليو 2020 - 11:00 يوليو,

هل من الممكن أن يكون فيروس كورونا المستجد سلاحًا بيولوجيًا قد تم تطويره في أحد مختبرات الصين أو شيء اختلقه بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، من أجل الاستفادة من تسويق اللقاح المحتمل؟ بل هل للفيروس وجود أصلاً؟ أحد قادة الاحتجاجات المناهضة للإغلاق في سويسرا يشك في ذلك.

في الأشهر الأخيرة، تعالت أصوات أصحاب نظريات المؤامرة السويسريين ووسائل الإعلام البديلة، حيث استغل هؤلاء الأزمة ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الشائعات والوصول إلى جمهور أكبر.

كل ذلك جزء من وباء المعلومات "infodemic"، وهو مصطلح استخدمته منظمة الصحة العالمية (WHO) أثناء تفشي الفيروس المستجد في جميع أنحاء العالم، وذلك لوصف "الإفراط في نشر المعلومات، الدقيق وغير الدقيق منها، مما يجعل من الصعب على الناس أن يجدوا مصادر جديرة بالثقة". كل تلك الادعاءات حول أصل الفيروس، والأعراض والعلاجات المحتملة، جعلت مدققي المعلومات وسلطات الصحة العامة في حالة تأهب، واستعداد لفضح مثل تلك الادعاءات بشكل منتظم.

ومع ذلك، تشير الأبحاث الجديدة إلى أن المعلومات الخاطئة عن كوفيد – 19 في سويسرا، على الرغم من وجودها، ليست منتشرة على نطاق واسع كما هو الحال في البلدان التي يؤدي فيها الاستقطاب وانخفاض مستويات الثقة في المؤسسات العامة، وظاهرة استخدام العلم كسلاح، إلى دفع الناس إلى مشاركة منشورات تحتوي على ادعاءات لم يتم التحقق منها.

سيل من المعلومات الجيدة والسيئة

في إشارة إلى مدى انتشار المعلومات الخاطئة حول كوفيد – 19، وجدت دراسة نشرت في المجلة الطبية البريطانية أن أكثر من ربع مقاطع الفيديو على منصة يوتيوب والأكثر شيوعًا عن فيروس كورونا المستجد تحتوي على معلومات مضللة.

وتحث مقاطع الفيديو التي قام بها بعض أصحاب نظريات المؤامرة السويسريين، بما في ذلك عارضة أزياء في جنيف، أتباعها ومشاهديها على رفض ارتداء الكمامات الطبية، وقد اكتسب باحث استشاري "يعيش في الجبال السويسرية" يدعي أن الإصابة الثانية بكوفيد – 19 ستكون مميتة، مئات الآلاف من المشاهدات.

المكتب الفيدرالي للصحة العامة يحذر من أن "المعلومات التي لم يتم التحقق منها تنتشر بسرعة أكبر من المعلومات التي تتطلب التحقق العلمي". وتعامل المكتب مع ذلك من خلال نشر صور تفضح المزاعم المضللة والشائعات حول كوفيد - 19. FOPH

تقول إدّا همبريشت، الباحثة البارزة في مجال التواصل في جامعة زيورخ: "كان هناك الكثير من عدم اليقين [حول الفيروس] لدى السلطات والباحثين، الأمر الذي خلق حالة من عدم اليقين بين السكان".

وقد أقنعت النظرية القائلة بأن بيل غيتس متورط في قضية نشأة الفيروس 8% من السويسريين الذين شملهم الاستطلاع الذي أجرته مجموعة تاميديا الإعلامية الخاصة، كما يعتقد 30% من المشاركين أن الفيروس تم تطويره في المختبر.

ويمكن مشاهدة التحميل الزائد للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يظهر مرصد "وباء المعلومات" المتعلقة بكوفيد – 19، والذي جمع ملايين التغريدات حول العالم في الأشهر الستة الماضية، زيادة حادة في المنشورات على منصة تويتر حول وباء كوفيد – 19 في سويسرا في وقت مبكر من تفشي المرض.

في 20 فبراير، كان هناك 1770 تغريدة ذات صلة بكوفيد – 19، ولكن الرقم قفز ليصل إلى 8600 تغريدة في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، وهو اليوم الذي تم فيه الإعلان عن أول حالة مؤكدة للمرض في البلاد، وإلى 10 آلاف بحلول أوائل مارس. وظل نشاط تويتر قويًا نسبيًا طوال فترة الإغلاق، ولم ينخفض ​​إلى أقل من 6000 مشاركة يوميًا.

ولكن العديد من تلك التغريدات – حوالي 40% منها خلال أيام قليلة – جاءت من البوتات (التي تقوم بمهام تلقائية على الإنترنت)، والتي لم يتم التحقق منها، أو من مصادر آلية لا تحمل شعار التحقق "verified"  الخاص بتويتر.

يقول مانليو دي دومينيكو، الذي يدير المرصد في مختبر الشبكات المتعددة الطبقات المعقدة في مؤسسة برونو كيسلر في ترينتو الإيطالية: "في المتوسط​​، البوتات التي لم يتم التحقق منها هي المسؤولة عن المشاركة والتداول، بل حتى تضخيم الأخبار غير الموثوقة".

على الرغم من أن المعلومات المضللة عن الفيروس انتشرت في جميع أنحاء العالم، إلا أن بعض البلدان كانت أكثر تأثراً بذلك من غيرها، كما خلص دي دومينيكو وفريقه في تقرير نُشِر في شهر مارس. وكان اتشار المعلومات القادمة من البوتات التي لم يتم التحقق منها والمواقع الإخبارية غير الموثوقة (المزيفة) أقل في سويسرا منه في إيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة، على سبيل المثال.

وأضاف "يمكن أن يكون لديك آلاف الحسابات مع متابع واحد فقط، وإرسال رسالة واحدة غير موثوقة، وبالتالي [خطر] منخفض".

مشاركات أقل، مدى وصول أصغر

وبعبارة أخرى، حتى إذا كان الآلاف من البوتات تنشر معلومات خاطئة، فقد يشاهدها عدد قليل من الأشخاص أو يتفاعلون معها.

وجدت همبريشت أن الناس في سويسرا كانوا أكثر ترددًا من الآخرين في تبادل المعلومات الخاطئة. فوفقًا لدراسة استقصائية ضمت ستة دول أجرتها هي وزملاؤها في جامعة زيورخ وجامعة أنتويرب البلجيكية، كان السويسريون الأقل احتمالًا لإبداء إعجابهم بمعلومات كاذبة حول كوفيد – 19 أو مشاركة تلك المعلومات أو التعليق عليها على وسائل التواصل الاجتماعي (5%)؛ في حين كان من الأرجح أن يقوم الناس في الولايات المتحدة بذلك (14%).

وقد كشف الباحثون عن أن "مرونة الأخبار المزيفة" قد ترجع إلى عدة عوامل.

الأول يتعلق بتوفر المصادر الإخبارية الموثوقة من عدمه، حيث يظهر أحدث تقرير صادر عن وكالة رويترز للأنباء أن السويسريين والسويسريات يثقون بوكالات الأنباء السويسرية بمعدل أعلى (44%) من المتوسط ​​العالمي (38%). وخلال فترة الإغلاق، لجأ الكثيرون إلى وسائل الإعلام الرئيسية والسلطات الفدرالية للحصول على المعلومات، وتظهر ذلك الزيادة في نشاط الناس على مواقع وصفحات الإنترنت التابعة لها.

وأشارت همبريشت إلى أنه على الرغم من الانتقاد الذي وجهه السياسيون لوسائل الإعلام في سويسرا في بعض الأحيان، إلا أنه لم يتم نزع الشرعية عنها بشكل منظم أو وصفها بأنها "أخبار مزيفة"، وهي تكتيكات سياسية قد تؤدي إلى زعزعة الثقة بها.

وقالت: "عندما لا تكون لديك مصادر موثوقة، يكون هناك الكثير من المحتوى المشبع بالعاطفة وتتم مشاركته". وأضافت بأن الروايات البسيطة التي تلقي اللوم على شخص ما – كالحكومة مثلاً – كسبب للمشكلة، تعد نموذجاً للقصص التي تؤلفها وسائل الإعلام البديلة، ويشاركها المستخدمون للفت النظر لما يشعرون به؛ أمّا سؤال ما إذا كانت تلك القصص دقيقة أم لا، فلا أهمية له في تلك اللحظة.

محتويات خارجية

وكشفت أبحاث همبريشت أيضًا عن أن مستهلكي منشورات الوسائط الإعلامية البديلة أكثر استعدادًا لنشر المعلومات الخاطئة. ولكن على الرغم من أن هذه المواقع أصبحت أكثر حضوراً وقد ازداد جمهورها بشكل عام خلال الوباء، فإنها لا تزال "ظاهرة محدودة" في سويسرا، كما تقول همبريشت.

العلم كسلاح مسيّس

من المرجح أيضًا أن يتفاعل مستخدمو الوسائط الاجتماعية النشطون مع المعلومات الكاذبة أو المضللة، وفقًا لهمريشت وزملائها. وقد كشف بحث أجراه فريق كندي، على سبيل المثال، عن أن الأشخاص الذين يقضون وقتًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر المعلومات الخاطئة، تتكون لديهم مفاهيم خاطئة أكثر حول كوفيد – 19.

في سويسرا، يقول 44% من الأشخاص إنهم يتلقون أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي، وفقًا لتقرير رويترز، وذلك أقل من المتوسط ​​العالمي البالغ 55%. ولكن وعيهم بالمعلومات الخاطئة مرتفع أيضًا، حيث قال أكثر من 70% ممن شملهم الاستطلاع من قبل الباحثين في زيورخ وأنتويرب إنهم قلقون بشأن المعلومات غير الدقيقة والمنتشرة عبر الإنترنت حول الفيروس.

همبريشت تقول: في بعض البلدان، يستخدم الناس وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة ترفيه أكثر منها كمنصة إخبارية، حيث "أنك تتصفح وتصادف الأخبار ومن السهل النقر على مشاركة "كاستجابة عاطفية". وأضافت أن هذا السلوك منتشر في الولايات المتحدة أكثر منه في سويسرا.

الأمم المتحدة: "توخى الحذر قبل المشاركة"

كانت الأمم المتحدة قد ردّت بدورها على المعلومات المضللة حول كوفيد – 19 من خلال إنشاء حملة يقودها متطوعون أُطلق عليها "Share Verified" (انظر الفيديو أعلاه). هذا المشروع المبني على "التعاون الاجتماعي" يسمح للناس العاديين بنشر معلومات واقعية عن الفيروس، ويمكن لأي شخص الاشتراك لتلقي معلومات تم التحقق منها ويمكنه بعد ذلك مشاركتها مع أصدقائه عبر الإنترنت.

تقول ميليسا فليمِنق، وكيلة الأمين العام للتواصل العالمي في المؤتمر الدولي السنوي (الافتراضي) لمدققي الحقائق "Global Fact 7"، والذي عقد في يونيو: "التواصل الجيد يمكن أن ينقذ الناس، كما يمكن للمعلومات الخاطئة أن تؤدي إلى تدمير الأرواح".

وأضافت بأن الأمم المتحدة تخطط لبذل جهود إضافية في مشروع "Share Verified" لتشجيع مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على "تعلم التدقيق فيما يشاهدونه [و] التحقق من وجود مصادر موثوقة أو مما إذا كان التلاعب يستهدف رد فعلهم العاطفي."

تقول فليمِنق: "بصفتنا الأمم المتحدة نقف إلى جانب العلم، ونريد أن نكون المنظمة التي يمكن للناس حول العالم اللجوء إليها للحصول على معلومات موثوقة وواقعية وقائمة على العلم" فيما يتعلق بكوفيد – 19.

End of insertion

الاستقطاب، وهو منخفض نسبيًا في سويسرا، يلعب أيضًا دورًا في مرونة الجمهور تجاه التضليل. في المجتمعات شديدة الاستقطاب، يثق الناس بشكل أساسي في منافذ الأخبار المفضلة لديهم، والتي يمكن أن تقدم "تمثلات منحرفة للواقع" وتجعل من الصعب على المستهلكين معرفة المعلومات الدقيقة مما تم تحريفه منها أو الأكاذيب وفقًا لهمبريشت.

في مثل هذه البيئة، يمكن أن يصبح العلم سلاحًا، وقد يشكك السياسيون في سلطة الخبراء الطبيين، على سبيل المثال، وخلال الوباء يمكن لهذا أن يشجع الناس على البحث عن تفسيرات أو علاجات بديلة.

من ناحية أخرى، يتمتع السويسريون بدرجة عالية من الثقة في العلم وأبحاثه، وفقًا لاستطلاعات الرأي، ووافقوا إلى حد كبير على جهود الحكومة في إدارة الأزمات، والتي أدت في وقت مبكر من تفشي المرض إلى تشكيل فريق عمل علمي لتنسيق المشورة والبحث بشأن كوفيد -19.

مشاركة