وراء براعة الذكاء الاصطناعي…استغلال العمال في بلدان الجنوب
في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، تتجه الأنظار إلى الظروف الصعبة والشاقة التي يعمل فيها آلاف الأشخاص المساهمين في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. فلكي يتمكّن الذكاء الاصطناعي من التعرّف على كلب، يجب إدخال تعليقات توضيحية يدويًا على آلاف الصور، وهو عمل يعتمد على عمال ذوي أجور متدنية، يضطر بعضهم للتعامل مع محتوى ضار.
يقول مايكل جيوفري باكيًا، وهو جالس في ناطحة سحاب قديمة في نيروبي: “أنا معلّق بيانات. يربحون الملايين فيما أعمل أنا على بياناتهم. لماذا لا يحقّ لي العيش بكرامة؟ كان عليهملا التضحية بي من أجل نموّهم؟” لقد عمل جيوفري لسنوات كمعلّق بيانات في مجال الذكاء الاصطناعي. وكانت مهنته تقوم على تدريب الخوارزميات من أجل تحسين فعاليّتها. وقد دمّره هذا النظام بالكامل.
بعيدًا عن المكاتب الفاخرة في وادي السيليكون، تعدّ كينيا أحد المراكز الدولية للمهام الأكثر مشقة، المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فتوكّل شركات صغيرة، وعمالقة مثل ميتا، وتشات جي بي تي، وتيسلا، وتيك توك هذا البلد بالقيام بجزء كبير من هذا العمل غير المرئي، والأساسي لعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي.
“لا غنى” عن التدخّل البشري
تتضمن هذه المهام أعمال عدّة منها وضعُ الملصقات على آلاف الصور من أجل تحديد أجزاء رأس كلب على سبيل المثال، أو تحليل كل عنصر يظهر في صورة ما، أو تزويد روبوت جراحي بمعلومات عن الجروح ومواضع الغرز. ويجدر الاعتماد على نفس المبدأ دائمًا. فيجب على البشر وصف آلاف الصور للقطط ليتمكّن الذكاء الاصطناعي من التعرّف على قطة واحدة.
ينطبق هذا المنطق أيضًا على روبوتات الدردشة، مثل تشات جي بي تي. فوفقًا للبروفسور روبرت ويست من لوزان، “هناك العديد من الأشخاص الذين يتقاضون أجرًا مقابل طرح أسئلة توجيهية جيدة (prompt) على تشات جي بي تي، لتتمّ الإجابة عنها لاحقًا من قبل فريق عمل آخر”. وقد أنهى المتخصص للتوّ عامًا من البحث في مختبرات مايكروسوفت في الولايات المتحدة، أحد مراكز الذكاء الاصطناعي التوليدي العالمية.
ويُوضّح أنّ هذه اللعبة للأسئلة والأجوبة لا تحدث في الوقت الفعلي ولا تشمل إلا جزءًا صغيرًا من الأسئلة الممكنة، لكنها مرحلة أساسية في “تدريب” هذه الأدوات. ويضيف قائلًا: “ستحلّ كارثة في غياب التدخّل البشري. (…) إذ تتضمّن الإنترنت محتويات لا يجب أن يكررها تشات جي بي تي، مثل التطرف ونظريات المؤامرة… لذا، يجب تدريب النموذج”.
التداعيات على الحياة الخاصة
يشدّد مدير مختبر علوم البيانات في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان على أهمية هذه المساهمات البشرية، حتى لو بات حجمها الحقيقي سرًا محفوظًا جيدًا: “لو كان عليّ التقدير، لقلت يقضي المعلّقون.ات ومحرّرو.ات النصوص وقتًا أكثر من المهندسين.ات والمبرمجين.ات” في تطوير هذه الأدوات.
إن هذا العمل مُرهق للغاية، وغالبًا ما يكون منخفض الأجر. ففي كينيا، يضطر العديد من المعلّقين.ات إلى الجمع بين عدة وظائف، والعمل لأكثر من 15 ساعة في اليوم. وهذا ما حدث مع مايكل جيوفري.
يقبل مايكل جيوفري أي مهمة تُعرض عليه من أجل إعالة أسرته. وفي هذا الإطار، كان مجبرًا على التعليق على محتوى إباحي لمدة ثماني ساعات يوميًا، إلى جانب وظيفة أخرى بدوام كامل. ويقول: “ليست مشاهدة محتوى إباحي لمدة ثماني ساعات يوميًا مزحة على الإطلاق؛ انهار جسدي تمامًا بعد مرور أربعة أيام أو خمسة”. لم يعد الرجل قادرًا على إقامة علاقة حميمة مع زوجته، ما أدخل العلاقة في أزمة. وصرّح لقناة الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالفرنسيةرابط خارجي قائلًا: “لقد دمّر ذلك علاقتنا ودفعنا إلى الانفصال”.
بيئة عمل سامّة
يشدّد مدير مختبر علوم البيانات في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان على أهمية هذه المساهمات البشرية، حتى لو بات حجمها الحقيقي سرًا محفوظًا جيدًا: “لو كان عليّ التقدير، لقلت يقضي المعلّقون.ات ومحرّرو.ات النصوص وقتًا أكثر من المهندسين.ات والمبرمجين.ات” في تطوير هذه الأدوات.
إن هذا العمل مُرهق للغاية، وغالبًا ما يكون منخفض الأجر. ففي كينيا، يضطر العديد من المعلّقين.ات إلى الجمع بين عدة وظائف، والعمل لأكثر من 15 ساعة في اليوم. وهذا ما حدث مع مايكل جيوفري.
يقبل مايكل جيوفري أي مهمة تُعرض عليه من أجل إعالة أسرته. وفي هذا الإطار، كان مجبرًا على التعليق على محتوى إباحي لمدة ثماني ساعات يوميًا، إلى جانب وظيفة أخرى بدوام كامل. ويقول: “ليست مشاهدة محتوى إباحي لمدة ثماني ساعات يوميًا مزحة على الإطلاق؛ انهار جسدي تمامًا بعد مرور أربعة أيام أو خمسة”. لم يعد الرجل قادرًا على إقامة علاقة حميمة مع زوجته، ما أدخل العلاقة في أزمة. وصرّح لقناة الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالفرنسيةرابط خارجي قائلًا: “لقد دمّر ذلك علاقتنا ودفعنا إلى الانفصال”.
“الناس لا يرون إلّا ما هو جميل”
يروي إيثان قائلًا: “تتضمن الفيديوهات جميع أنواع المحتويات، انتحارات، تعذيب، أشخاص يُحرَقون أحياء، مواد استغلال أطفال… فلا يرى الناس عادةً إلّا ما هو جميل، كفيديو لأشخاص يرقصون مثلاً. لكنهم.نّ لا يعرفون.ن أن هناك أشخاصًا مثلي يفرزون أسوأ المحتويات على حساب صحتهم النفسية. وتطاردك بعض الفيديوهات، اثنان أو ثلاثة منها، طوال حياتك. مثل ذلك الفيديو لثلاثة رجال يحملون سكاكين وهم يقطّعون شخصًا حيًا… هل تفهم الشعور الذي ما زال يراودني؟ هذا هو نوع الأشياء التي نراها”.
من الصعب على هذه المجموعة من العمال والعاملات المؤقّتين.ات الدفاع عن حقوقها ومصالحها تجاه الشركات المعتمدة عليها، خاصة وأن عمالقة التكنولوجيا لا يوظّفون فريق العمل مباشرة، بل يلجؤون إلى وسطاء.
نموذج قائم على الاستغلال
وسط هذه الأوضاع الصعبة، تُعَدّ ميرسي موتيمي إحدى أهم حليفات هؤلاء العمال والعاملات. وتقود هذه المحامية في العاصمة الكينية عدّة دعاوى قانونية ضد شركة ميتا، الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام وواتساب. وتقول: وتقول: “في ما يتعلق بالتعليق على البيانات ومراقبة المحتوى وتدريب الخوارزميات، يعتمد قطاع الذكاء الاصطناعي في كينيا على نموذج يقوم على الاستغلال. وينطوي هذا النموذج على ظاهرتين، الاتجار بالبشر أو العمل القسري”.
الاتهامات شديدة الخطورة، وتستهدف هذا العملاق الأمريكي مباشرةً. وتضيف المحامية قائلة: “كانت ميتا متورّطة في الاتجار بالبشر (…). تفرض المنصّة أهدافًا يستحيل تحقيقها من أجل تنفيذ عمل مستحيل لم يوافق عليه أي شخص حتى بشكل طوعي. وفي حال لم تتحقّق تلك الأهداف، يُخفَّض الأجر”.
موظفين وموظفات ضعفاء وضعيفات
عمل عدد كبير من المهاجرين.ات ذوي.ات الأوضاع الصعبة لصالح ميتا في كينيا، عبر نظام التعاقد من الباطن. “كان المخطّط بأكمله يقوم على جلب أشخاص ضعفاء بطرق خادعة ليتم استغلالهم في ما بعد. وهذا بالتحديد هو ما يشكّل الاتجار بالبشر”. ولا تزال القضايا معروضة أمام القضاء الكيني.
أما مايكل جيوفري، فيناضل اليوم من أجل الدفاع عن حقوق زملائه وزميلاته عبر انضمامه إلى “جمعية مُحلّلي.ات البيانات”، وهي حركة نقابية ناشئة، تحاول توحيد العاملين.ات الصغار من أجل تحسين الظروف التي تقدّمها الشركات الكبرى. لم تعلّق شركات ميتـا، وتيك توك، وأوبن إيه آي، وتيسلا بعد، ولم تستجب لطلب قناة الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالفرنسية.
على مدى ستة أشهر، كتب دانييل بورنييه أسئلة موجهة (prompts)، وإجاباتها وهو جالس في منزله في أوبون (Aubonne)، عبر منصة أوتلاير (Outlier). وكان هذا العمل يهدف إلى تدريب أدوات مشابهة لتشات جي بي تي من خلال اتباع تعليمات دقيقة. فيجب أن تكون الإجابات إبداعية ومحلية للغاية. وهذا ما يسمح لروبوتات الدردشة بأن “تتحدث باللهجة الفرنسية الروماندية” مع مستخدمي المنطقة.
في هذا الإطار، كتب دانييل بورنييه أسئلة وأجوبة شملت مواضيع عدّة منها الكاتب موريس شابّاز، وقمة دان دو فوليون، والتخصصات الغذائية في جنيف، ومحلّة أوبون.
دانييل بورنييه حائز على دكتوراه في العلوم الاجتماعية، وقد دفعته مهنته غير المستقرّة إلى القيام بهذا العمل. ويقول: “كنت محاضرًا في جامعة نوشاتيل، لكن وظيفتي لم تكن تكفيني لدفع الفواتير. لذلك، حاولت اكتساب دخل إضافي بالدخول إلى عالم الذكاء الاصطناعي”.
وتوظف منصّة أوتلاير بنشاط في سويسرا. وقد قدّم طلبه عبر منصّة لينكد إن. وبهذه الطريقة، دخل شبكة الخبراء التابعة لهذا العملاق العالمي في مجال التعليق على البيانات، الذي استثمرت ميتا في شركته الأم مؤخّرًا 14 مليار دولار. ورغم أنّه عمل محفّز، فهو غير كافٍ للعيش.
يشرح أنطونيو كازيلي، أستاذ في المعهد التقني بباريس ومتخصص في القطاع: “في أوروبا، يمكن وصول الأجر، على الصعيد النظري، إلى 25 يورو في الساعة. لكن تحمل الحقيقة العملية مفاجأة غير سارة؛ إذ لا يتم توفير عدد كافٍ من المهام لضمان مستوى مناسب من الدخل”.
في الحقيقة، ينتظر دانييل بورنييه عبثًا أن يطلب منه القيام بمهام جديدة، لكنها نادرة. ولا يطابق مستوى الأجر الفعلي المعلن. “لم تكن المنصة تدفع لي مقابل الوقت الذي أمضيه في القيام بأبحاث ضرورية لكتابة إجابات جيدة، ولا الوقت المخصص للتدريبات الإلزامية للمشاركة في المشاريع. كنت أكسب حوالي 500 فرنك شهريًا مقابل نشاط كان يشغل نحو 30% من وقتي”، أي بين 8 و9 فرنكات في الساعة.
وعند التواصل معها، أوضحت منصّة أوتلاير: “يعتمد مستوى الأجر على عوامل مثل صعوبة المهام، والخبرة، والمدة التقديرية لإنجازها. وبالنسبة إلى هذا النوع من العمل، غالبًا ما يكون التعويض تنافسيًا مقارنة بالسوق”.
المزيد
ترجمة: إيفون صعيبي
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.