The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

مستقبل حرية الصحافة يتحدد الآن

تيبو بريتان

في وقت تتعرَّض فيه حرية الوصول إلى المعلومات للتضييق والحصار في عدة قارات، لم يعد تقييم حرية الصحافة عملًا نظريًا، بل مسألة ديمقراطية ملحّة. هذا ما كتبه تيبو بروتان، المدير العام لمنظمة مراسلون بلا حدود، من باريس.

منذ عدة سنوات، ترصد منظمة “مراسلون بلا حدود” تدهورًا مستمرًا، لكن يثير المنعطف الراهن قلقًا خاصًا. إذ لم تعدّ حرية الصحافة مهدّدة بالقمع الوحشي ضد الكوادر الصحفية، في انتهاكٍ واضح للقانون الدولي، أو بالمضايقات القضائية ضد وسائل الإعلام فقط. بل أصبحت ترزح تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، والتكنولوجية، والسياسية، التي تمسّ جميع مناطق العالم.

ووفقًا لتصنيفنا العالمي الأخير لحرية الصحافة، يعيش قرابة نصف البشرية في بلدان لا تستطيع فيها الكوادر الصحفية ممارسة عملها بحرية. ورغم اتّساع الفجوة بين أوروبا وبقية العالم، تواجه الديمقراطيات في القارة العجوز عراقيل مماثلة، وإن كان بدرجات أقلّ. كما تتّبع نفس الاتجاهات المؤدّية حتمًا إلى نفس المآلات.

«أصبحت الجهات التي يفترض أن تحمي حرية الصحافة هي التي تهددها. بدليل أن المؤشر السياسي في التصنيف العالمي لمنظمة مراسلين بلا حدود هو أكثر المؤشرات تدنيًا في عام 2024.»

تيبو بروتين، المدير العام لمنظمة مراسلون بلا حدود

ففي عام 2024، حذّرت منظمة مراسلين بلا حدود من تأثير خطابات الساسة الموجَّهة مباشرة إلى الشعب، والطاعنة في مصداقية الصحافة. ولزمنٍ طويل، ظلّ هذا النموذج حكرًا على الأنظمة الديكتاتورية والقمعية. لكن أدّى نجاح قادة، مثل دونالد ترامب، إلى تعميم العداء للصحافة. وأصبحت الجهات التي يفترض أن تحمي حرية الصحافة هي التي تهددها. بدليل أنّ المؤشر السياسي في التصنيف العالمي للمنظّمة، هو أكثر المؤشرات تدنيًا في عام 2024. إذ سجّل انخفاضًا إجماليًا قدره 7،6 نقاط.

وفي عام 2025، سلّطت المنظمة الضوء على دور الضغوط الاقتصادية في إضعاف هيئات التحرير، بسبل منها تركيز ملكية وسائل الإعلام (بين أيدي ثلة من رجال الأعمال ونسائها)، وجرّها إلى دوّامة من الأخبار الرديئة والضجيج الإعلامي، وتكريس التبعية للمنصات الرقمية، واستغلال المساعدات العامة، غير الشفافة أو غير الكافية، وأخيرًا التسريح الجماعي للكوادر الصحفية وإفقارها، ما يدفعها إلى السعي لتزويد دخلها بشتى الأعمال المتّصلة بمجال التواصل. 

وسط هذا المشهد العالمي القاتم، تبدو سويسرا استثناءً نسبيًا. فعلى مدى سنوات، ظلَّت ضمن العشرة الأولى في ترتيب منظمة مراسلين بلا حدود. كما تحظى ببيئة إعلامية تعددية، وبثقة قوية في المؤسسات، وبفضاء عام يتميّز بالحيوية. ورغم وضع سويسرا، المحسودة عليه، لا ينبغي تجاهل بعض نقائصه ونقاط الضعف فيه.

وكمثالٍ على ذلك، لا يزال الإطار التشريعي غير قادرٍ على توفير الحماية الكاملة للصحافة الاستقصائية. فدائمًا، تعيق سريّة المعاملات المصرفية، بنصها الحالي في المادة 47 من قانون البنوك، كشفَ المعلومات ذات المصلحة العامة، لا سيما في قطاع محوري في الاقتصاد السويسري. كما يسمح القانون السويسري بتعطيل أيّ منشور بشكل وقائي أمام قاضٍ مدني. ويُنظر إلى هذا الإجراء المستخدم على نحو متزايد ضد وسائل الإعلام، على أنّه إجراء تكميمي.

ومن ناحية أخرى، لم تسلم وسائل الإعلام السويسرية من انعكاسات التركيز. والخطر حقيقي، لأن فقدان وسائل إعلام يعني فقدان وجهات نظر، وأصوات، وحقائق، وبالتالي فقدان جزءٍ من الديمقراطية في مجتمعٍ سياسي يتسّم بالتنوّع. وفي هذا الصدد، قد تشكّل الحملة التي تُشّن ضد وسائل الإعلام العمومية، ضربةً قوية للمنصات المجسِّدة للتعددية الإعلامية.

كما يجب النظر إلى التحوُّلات التكنولوجية على أنّها تهديد لحرية الصحافة. فقد أحدث ظهور شبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، نزيفًا في إيرادات الصحف من الإعلانات، فضلًا عن انهيار مقروئيتها، وتلاشي ظهورها. وفي الوقت الذي يؤثّر فيه الذكاء الاصطناعي في جوهر ما يمثّل مهنة الصحافة، أي إنتاج المحتوى، لا مناص للمناصب المسؤولة في وسائل الإعلام وهيئات التحرير، من استخدام هذه التقنيات استخدامًا واعيًا ومسؤولًا، بالوقوف ضد رفض التقدّم والرضوخ له معًا.

«ليست حرية الصحافة مكسبًا طبيعيًّا، لا في سويسرا ولا في أي مكان آخر. ولهذا، يجب صونها، ودعمها، والدفاع عنها.»

تيبو بروتين، المدير العام لمنظمة مراسلون بلا حدود

لكن ليس دعم حرية الصحافة مجرد قضية داخلية. فبحكم تاريخها وحضورها الدبلوماسي، تضطلع سويسرا بدور دولي أساسي. وتعدّ جنيف من مدن العالم القليلة حيث يلتقي الصحفيون.ات المنفيون.ات، والمدافعون.ات عن حقوق الإنسان، والدبلوماسيون.ات، والمنظمات الدولية. وتحتضن سويسرا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وتموّل برامج خاصة بالتعاون الدولي، وتدعم مبادرات إنسانية. كما تؤدي دور الوسيط في نزاعات، كثيرًا ما يشكّل الوصول إلى المعلومات فيها سلاحًا. لهذا، ينبغي تعبئة هذه القدرة على التأثير تعبئةً كاملة، على أن تكون حرية الصحافة من الأولويات. ولم تكن حيادية سويسرا يومًا رديفًا للامبالاة بمصير الصحفيين.ات. وأشكر الكنفدرالية السويسرية على ذلك.

فليست حرية الصحافة مكسبًا طبيعيًّا، لا في سويسرا ولا في أي مكان آخر. ولهذا، يجب صونها، ودعمها، والدفاع عنها. ويقتضي هذا إصلاح القوانين المعيقة لتداول المعلومات ذات المصلحة العامة، وضمان الشفافية والمساواة في المساعدات الممنوحة لوسائل الإعلام، وكذلك ضبط المنصات الرقمية المالكة لقيمة الصحافة، واستئناف الحوار بين المواطنين.ات والصحفيين.ات. ففي نهاية المطاف، إذا كانت مهنة الصحافة تمثّل همزة وصل بين المواطن.ة والأحداث، ألا تشكّل حرية الصحافة حقًا لكل فرد في الحصول على معلومات موثوقة؟

هناك سؤال بسيط، وهو سياسي بامتياز، بالمعنى النبيل للكلمة: في أيّ عالمٍ نريد العيشَ؟ في عالمٍ تحلّ فيه الشائعات محلّ التحقيقات، ومجتمعٍ عصّيٍ على كلّ القواعد، تصاغ فيه الحقائق في شكل آراء، وتستسلم وسائل الإعلام للترهيب وترضى بالتبعية للسلطات التي يفترض أن تراقبها؟ أم على النقيض من ذلك، نعيش في عالمٍ يُتاح فيه لكلّ فردٍ استيقاء معلوماته بحرية، واستيعاب القضايا المطروحة، والتحرُّرُ فكريًا بفضل المعرفة، وتكوّن رأيٍ لديه، والمساركة بكلّ أمان في أيّ نقاش، والتصويت عن دراية بكل ما يُعرض عليه؟

وبحكم موقعها وقيمها ومؤسساتها، يمكن لسويسرا المساهمة في الدفاع عن الخيار الثاني؛ لأنها ستكون الرابحة إن فعلت ذلك، والخاسرة إن لم تفعل.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة آراء “سويس إنفو” (Swissinfo.ch).

المزيد

نقاش
يدير/ تدير الحوار: باتريسيا إيسلاس

ما هي العقبات والتهديدات التي تواجهها حرية الصحافة في بلد إقامتك؟

رأيك مهمّ! شاركنا.ينا أفكارك حول حماية حرية الصحافة.

36 إعجاب
51 تعليق
عرض المناقشة


ترجمة: موسى آشرشور

مراجعة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية