عندما تهتزّ القلعة الهادئة: كيف يختبر العالم الجديد النموذج السويسري؟
كان هذا تحذيرًا علنيًا وصريحًا للغاية صدر عن رئيس أكبر مصرف في سويسرا. في الشهر الماضي، أعلن رئيس مجلس إدارة بنك "يو بي اس" كولم كيليهر أنّ سويسرا "تفقد بريقها" ووصلت إلى "مرحلة مفصلية تواجه فيها تحديات كبرى".
وكدليل على ذلك، استشهد كيليهر بالمنافسة الشرسة في إدارة الثروات، والرسوم الجمركية الأمريكية المؤثرة في شركات الأدوية وقطاعات التصدير الأخرى، بالإضافة إلى إطار تنظيمي بات بعيدًا عن الأنظمة الأكثر ليبرالية.
وليس كيليهير الوحيد الذي يعبّر عن هذا الرأي. فخلال حلقة نقاش هذا الشهر، حذّر سيفيرين شوان، رئيس مجلس إدارة شركة الأدوية العملاقة “روش” ومقرّها بازل من أنّ سويسرا تواجه لحظات “حرجة”، ويجب أن تشعر “بقلق شديد للغاية” من تهديد ضغوط الاستثمار العالمية، وبطء اتخاذ القرارات الأساسية، لقدرتها التنافسية.
وفي بلد يفضّل تجنّب عناوين الأخبار العالمية، تُعتبر مثل هذه الانتقادات الموجهة من أعمدة إحدى مؤسساته الاقتصادية التقليدية دليلًا يظهر صعوبة الوضع الذي تواجهه سويسرا هذا العام.
وخلال معظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بدت سويسرا بمعزل عن العديد من الضغوط التي أثّرت في جيرانها الأوروبيين. وقد أنتجت ديموقراطيتها المباشرة توافقًا؛ وكان الفرنك السويسري من أفضل العملات الآمنة في العالم، وبدت أسسها الدبلوماسية والصناعية متينة، وتحظى بالثقة.
المزيد
سويسرا تتصدر قائمة أكثر دول العالم تنافسية
وقد شكّل العام المنصرم تحديًا لهذا الشعور بالحصانة. ويقول فالتر تورنهير، المستشار الفدرالي ورئيس ديوان الحكومة الفدرالية السابق: “على مر السنين، شهدت سويسرا أزماتًا، لكنها تبدو حادة بشكل خاص هذه المرة. فهناك شعور مزعج بأننا في ساحة مدرسة، نتعرض للتنمّر من قبل طالب في الصف السادس، في غياب المعلّمة”.
ويقول ديفيد باخ، رئيس كلية إدارة الأعمال “إي أم دي” (IMD)، وخبير الجغرافيا السياسية: “هذا العام، جاء التوتر من اتجاهات متعددة”.
قضايا مؤجلة تطفو على السطح
وأصبحت القضايا المتراكمة حول حياد سويسرا، وعلاقتها المتعثرة مع الاتحاد الأوروبي، التي كانت تُعامل في السابق كقضايا خلفية بعيدة، ملحّة وحتمية. وتهدّد بالتحول إلى معارك استفتاءات تثير انقسامًا حادًا.
ودخل بنك “يو بي أس”، الذي استحوذ على منافسه “كريدي سويس” (Credit Suisse) عام 2023 في عملية انقاذ موجهة من الحكومة (بعد الانهيار المذلّ الذي كاد أن يتعرّض له الأخير)، في مواجهة حادّة مع برن بشأن قواعد رأس المال، إذ يعتبرها تهديدا للقدرة التنافسية للقطاع. كما كشفت المواجهة الجمركية مع واشنطن، التي فرضت فيها إدارة ترامب أعلى معدّل جمركي بين الاقتصادات المتقدمة، عن هشاشة حالة سويسرا كدولة صغيرة، لا يدعمها أي تكتل اقتصادي (قبل أن تتراجع نسبة هذه الرسوم من 39% في البداية إلى 15% حاليًا).
وقد فاقمت التحقيقات المتعلقة بكلاوس شواب، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي المخلوع الذي يشكّل الاجتماع السنوي في دافوس، رمزًا لقوة سويسرا في عقد التجمّعات الاقتصادية الكبرى. وفي غضون ذلك، واجهت “جنيف الدولية”، محتضنة شبكة المنظمات الدولية وغير الحكومية، عديد تحديات، منها تقلّص الميزانيات متعدّدة الأطراف. كما أُثيرت من جديد تساؤلات حول التزام سويسرا بمقتضيات الحياد.
وكشف عنوان رئيسي صدر مؤخرًا في صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ أم سونتاغ” ( NZZ am Sonntag)، إحدى أكثر الصحف الاقتصادية قراءة في البلاد: “أخيرًا، لم تعد سويسرا مملّة. وهو مؤشر واضح على أزمة هوية”. وقد حذّر مدير تحرير الصحيفة، بيت بالزلي، من “انحدار مستوى اللغة المستخدمة” في النقاش الرسمي، واعتبرها من الأعراض الظاهرة على مجتمع، فقد فجأة، وضوح اتجاهاته الاستراتيجية.
“أخيرًا، لم تعد سويسرا مملّة. وهو مؤشر واضح على أزمة هوية”
عنوان بصحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ أم سونتاغ”
وأسهمت قضايا أكثر خصوصية وغرابة، في تعميق هذا الشعور بالقلق. فبسبب علاقة عاطفية مع موظفة تحت إشرافه، فُصل الرئيس التنفيذي لشركة “نستلة”، لوران فريكس، من منصبه. ومن ثمّ، تنحى رئيس مجلس إدارتها، بول بولكي. وقد لا يكون لهذا الأمر أي وقع يُذكر في أماكن أخرى، ولكنّه شكّل صدمة في بلد يقدّر التكتم، ويتمتّع بنموذج حوكمة مؤسسية تتسم بالرصانة، وبعيدة عن الإثارة. ووجدت مصارف خاصة بارزة في سويسرا نفسها في دائرة الضوء، مثل بنك جوليوس باير (Julius Baer)، بسبب إخفاقاتها في مكافحة غسل الأموال، ومتطلبات الامتثال.
ولم تكن الدبلوماسية السويسرية التقليدية مستعدة لمقارعة نهج الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، القائم على المصلحة الشخصية، ومبدأ ” القوة هي الحق”. ولم يُحسم النزاع حول التعرفة الجمركية إلا بعد زيارة مسؤولين تنفيذيين من أبرز الشركات السويسرية للبيت الأبيض، حيث قدّموا للرئيس ترامب، سبيكة ذهبية، وساعة رولكس. ولا تنسجم هذه الممارسات أيضا مع أسلوب البلاد المتحفظ.
المزيد
“دبلوماسية الذهب” في صفقة ترامب التجارية تثير جدلًا سياسيًا في سويسرا
مرونة أم تراجع
ويقول تورنهير: “تُعدّ تجربة صعبة بالنسبة إلى بلد كسويسرا، كان حتى نهاية الحرب الباردة، يعتبر السياسة الخارجية إدارة حذرة، ومحايدة للعلاقات الخارجية. وعلى مدى عقود، نجحنا في سياسة عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. وفجأة، لم تعد النتيجة الإيجابية لهذه السياسة مضمونة”.
ويرى البعض الآخر أنّ البلاد واجهت تحديات مشابهة في الماضي، وستتعرّض لذلك مجددًا. ويقول رئيس إحدى أبرز المؤسسات المالية السويسرية: “أرى أنّ العديد من هذه الأحداث في مجال الاقتصاد والأعمال، ليست إلا وقائع عابرة تصنع عناوين الصحف، ولا تشكّل أي مؤشر على تراجع هيكلي”.
لكن تسهم الخلافات الداخلية، إلى جانب التغييرات العاصفة بالنظام السياسي العالمي الذي لعب دورًا في تعزيز قوة سويسرا، في ترسيخ انطباع أشمل بأخذ اتجاهات البلاد في التغير.
ويضيف باخ: “هناك مصرف “يو بي آس”، وهناك الرسوم الجمركية، وهناك شركة نستلة، والمنتدى الاقتصادي العالمي، ونقاش يزداد انقسامًا في سويسرا حول الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، من السهل إدراكك سبب التشكيك في النظام السويسري مجددًا. وبالنسبة إلى سويسرا، يبدو الأمر وجوديًا”. إذ يتعلّق مباشرةً، بحسب اعتقاده، بجوهر نجاح الشعب السويسري في الماضي.
ديمقراطية مباشرة: نقطة قوة أم ضعف؟
تأسّست الدولة السويسرية الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر، من خلال تسويات بين كانتونات ذات هويات متميزة. وجرى تفويض السلطة بدلًا من مركزتها، وفي صميمها نظام ديموقراطي مباشر فريد من نوعه.
المزيد
من الفكرة إلى الاقتراع: كيف يضع الشعب السويسري قوانينه؟
ويشرف مجلس الوزراء الائتلافي، أو الحكومة الفدرالية، على الوظائف الرئيسية، في وقت يعزّز إجراء الاستفتاءات عدّة مرّات في السنة الشرعية العامة، والحدّ من التغييرات المفاجئة، ما يخلق ثقافة التدرج والقدرة على التوقع. وبالإضافة إلى توفير اقتصاد قائم على التصدير، وقوى عاملة تتمتّع بمهارة عالية، ساهم النظام في تحقيق عقود من الازدهار، وبناء ثقة تعرّضت الآن للاهتزاز.
ورغم ذلك، تستهل سويسرا هذه الفترة العاصفة، متمتّعةً بقوة اقتصادية هائلة. ولا تزال تشكّل مركزًا رائدًا في العالم لإدارة الثروات عبر الحدود، رغم نمو مراكز المنافسة، مثل دبي وهونغ كونغ. ووفقًا لجمعية المصرفيين.ات السويسريين.ات، لا تزال رؤوس الأموال تتدفّق إلى البلاد، إذ، بلغت الأصول المدارة رقمًا قياسيًا العام الماضي.
ويقول مايكل بيلمن رولاند، من “بايزلاين وولث” ( Baseline Wealth) لإدارة الثروات، المدير المستقل مقرّه سويسرا، ويتعامل مع عملاء من كافة أنحاء العالم: “رغم انهيار بنك “كريدي سويس”، لا تزال سويسرا تشكّل وجهة لرؤوس الأموال، وهذا أمر مدهش؛ لم تتعثر”. ويشير إلى زيادة اهتمام العملاء والعميلات من مختلف أنحاء العالم، بنقل الأصول إليها.
ولا تزال سويسرا تتمتّع بأفضل سمعة كمركز مالي. وقد لعبت قوة الفرنك السويسري، وقوة الاقتصاد، دورًا في تعزيزها.
درجة ابتكار عالية
ينافس نظام سويسرا البيئي للابتكار، الذي يرتكز عليه المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في زيورخ وجامعات أخرى، نظام اقتصادات أكبر. وتميل الشركات المصنّعة إلى التخصص في قطاعات دقيقة ذات هوامش ربح مرتفعة، تمكّنها من تحمّل ارتفاع تكاليف العمالة، والمساعدة في حماية صادرات سويسرا من تقلبات أسعار العملات. كذلك، تُعتبر الخدمات العامة من الأفضل في العالم.
ولا تزال معدّلات التضخم والبطالة منخفضة وفق المعايير العالمية. ويتخطّى الفرق في التضخم المتراكم منذ عام 2019 بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو من جهة، وسويسرا من جهة أخرى، 20 نقطة مئوية. وفي فترات زمنية مختلفة، كان الفرنك السويسري العملة الرئيسية الأفضل أداءً.
كما تتمتّع سويسرا بسجل طويل في مجال الابتكار. وأرغمت “أزمة الكوارتز” التي بدأت في السبعينات، صناعة الساعات في البلاد على إعادة بناء نفسها. وعام 2018، ساهم إلغاء السرية المصرفية في تحفيز التحوّل نحو إدارة الثروات القائمة على الاستشارات. كما دفعت تكاليف العمالة المتزايدة وارتفاع قيمة العملة، الجهات المصدّرة إلى مجالات متخصصة يصعب تقليدها.
ويقول فيليب هايلدبراند، نائب رئيس شركة “بلاك روك”، والمدير السابق للبنك السويسري الوطني:”على الصعيد المؤسسي ومن المنظور التجاري، أثبتت سويسرا مرارًا قدرتها على التكيف مع الضغوط. ويوجد فيها قادة أعمال وقائدات، ورواد أعمال ورائدات مميزون.ات. ويكفي أخذنا مثال ارتفاع قيمة العملة؛ فقد أظهرت مرونة كبيرة في التكيف مع ضغوط ارتفاع قيمة الفرنك. واليوم، لا تزال صادراتنا قوية، وشركاتنا تنافسية”.
القدرة على التكيف والمرونة
يشكّل الرأي القائل بتمتُّع سويسرا بالمرونة والقدرة على التكيف، الأساس الذي تقوم عليه ردود الفعل على الاضطرابات التي شهدتها الشركات هذا العام. والمتوقع حلّ نزاع بنك “يو بي اس” مع الحكومة من خلال التفاوض، رغم طابعه العلني غير المألوف. ولا يكاد أحد يشكّ في بقائه ركيزة محورية للهندسة المالية في البلاد، رغم وجود تكهنات بشأن نقل مقرّه الرئيسي.
وكان التدقيق في المنتدى الاقتصادي العالمي، والأسئلة المتعلقة بالامتثال في المصارف الخاصة، مثل مصرف جوليوس باير، غير مريح، ولكنّه لا يُعتبر دليلًا على تدهور النظام. وتعكس تحديات جنيف الدولية الضغوط الأكبر على المؤسسات العالمية متعددة الأطراف.
وتسهم الديمقراطية المباشرة في تعزيز هذا الشعور بالثبات المؤسسي. وأكّد رفض اقتراح فرض ضريبة عقابية على الميراث بنسبة 50% من اليسار السياسي الشهر الماضي، ميل الناخبين والناخبات نحو البراغماتية.
وبدت عدّة استفتاءات مثيرة للجدل. ففي عام 2009، صوّتت سويسرا لحظر بناء المآذن في المساجد، في حين يسعى استفتاء منتظر العام المقبل إلى تحديد عدد السكان بـ 10 ملايين نسمة. ويحظى بتأييد رسمي كبير رغم انتقادات احتمال إلحاق هذه السياسة ضررًا بالاقتصاد.
ويقول بيتر مورير، الدبلوماسي السويسري السابق، والرئيس الأسبق للجنة الدولية للصليب الأحمر: “في النهاية، يحق لكلّ شخص التعبير عن رأيه. ويتمتّع الشعب السويسري بحسّ قوي بما يخدم مصلحة بلاده. وأؤمن إيمانًا راسخًا بمرونة نظامنا الديموقراطي”.
ولكن يشير إلى تراجع هذا الوضوح عندما تنظر سويسرا إلى الخارج. ويضيف: “عندما ننتقل إلى سياسات القوة الدولية والدفاع الصارم عن المصالح الوطنية، يُطرح السؤال: ماذا يحصل هنا؟ وماذا نفعل لتجنّب الغرق؟”.
وفي هذا السياق، كان لقضية الرسوم الجمركية وقعٌ شديدٌ. وبرهنت، بالنسبة إلى الكثيرين.ات في عالم الأعمال والحكومة، عن مدى السرعة التي بها، يمكن للصدمات الخارجية اختراق المنظومةِ الداخلية المحلية، المعزولة في السابق، وتقويض الافتراضات التي لطالما شكّلت أساسًا لنجاحها.
ولما فرضت واشنطن رسومًا جمركية بنسبة 39% على البضائع السويسرية، من الساعات إلى الشوكولاته والآلات، تحركّت الأطراف الفاعلة في القطاعين، الرسمي والخاص، بسرعة. لكن شكّل الخلاف العلني غير المألوف حول الاستراتيجية، خروجًا عن نسق سويسرا الهادئ، والتقليدي. ومارست الكانتونات الموجهة للتصدير ضغوطًا من أجل تأمين تقارب أوثق مع أوروبا. في حين أبدت كانتونات أخرى نهجًا أكثر عدائية تجاه الولايات المتحدة. وعند التوصل أخيرًا إلى حلّ يحدّد الرسوم الجمركية عند نسبة 15%، بعد الضغط المباشر من المدراء التنفيذيين في سويسرا، استمرّ الانقسام في البلاد حول الصورة العامة، والنتيجة.
وأسهم النزاع المتعلّق بالرسوم الجمركية في بلورة نقطة أكثر أهمية: تكمن أشدّ حالات عدم اليقين التي تواجهها سويسرا في القضايا الخارجية، التي لطالما أرجأت البت فيها، مثل الحياد، والدفاع، وأوروبا، والهجرة، وحجم الدولة. وبات اتخاذ قرارات متعلقة بهذه المسائل حاجة ملّحة الآن.
ويقول بيتر فوزر، رئيس مجموعة “آي بي بي” العملاقة للهندسة: “يشهد العالم مرحلة تحوّل… كذلك، تشهد كلّ هذه الكتل والتحالفات تغيّرات، في وقت تتبدّل السلطة وطريقة إدارة العالم. وتقدّم سويسرا عادة أفضل أداء عندما تعمل خلف الكواليس، مستخدمة موقعها الدبلوماسي. غير أنّ هذا النهج لا يجدي نفعًا في مرحلة انتقالية”.
أوكرانيا والحياد والاتحاد الأوروبي
ووضع الغزو الروسي لأوكرانيا حياد سويسرا الثمين تحت ضغط لم تعرفه منذ عقود. وشهد قرار الحكومة الفدرالية تبنّي عقوبات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تحوّلًا مهمًا في الموقف. ولكنّه ترك أسئلة دون إجابة تتعلّق بتطبيق الحياد في النزاعات السيبرانية، والحرب بالوكالة، والانتهاكات الصريحة للقانون الدولي. ويستمر النقاش حول سياسة العقوبات المستقبلية، وإعادة تصدير المعدّات العسكرية سويسرية الصنع، والمسؤوليات الإنسانية التي تتحمّلها البلاد.
ويقول دانيال داينيكر، الشريك الرئيسي في مكتب المحاماة السويسري، هومبرغر: “أشعر بالخجل من كيفية إدارة سويسرا للحرب الأوكرانية في البداية. وقد اعتبرها كثيرون.ات من خارج بلادنا رفضًا ضمنيًا لدعم الطرف المدافع. ولكن النقاش الدائر في البرلمان حول تصدير المعدّات، مثل إرسال الدبابات السويسرية إلى ألمانيا لإعطائها لأوكرانيا، يظهر تكيُّفنا مع مرور الوقت”.
وهذا الشهر، وافق البرلمان على تخفيف القيود على إعادة تصدير المعدّات العسكرية، رغم أنّ التفاصيل لا تزال غامضة. كذلك، أشار وزير الدفاع الجديد إلى رغبة في تعزيز التعاون الأمني مع أوروبا، وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
ويشكّل مستقبل علاقة سويسرا بالاتحاد الأوروبي قضية أخرى مهمة. وقد خدم النظام الثنائي البلاد بشكل جيد، ويشمل مجموعة من الاتفاقيات الضامنة للنفاذ إلى السوق الموحدة بمعزل عن أي تكامل سياسي. ولكن أصبح الحفاظ عليه أكثر صعوبة مع تعزيز الاتحاد الأوروبي إطاره التنظيمي. وبعد سنوات من المحادثات، توصّلت برن وبروكسل هذا العام إلى مسودة اتفاق، تُعرف بـ”الاتفاقية الثنائية الثالثة”، لتحديث آليات نفاذ سويسرا إلى السوق الموحدّة.
ويتطرق الاتفاق إلى القضايا ذاتها المعقِّدة لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، بما فيها المساهمات في الميزانية، والهجرة، والرقابة القضائية. ومن المحتمل تطلُّب الأمر موافقة في استفتاء شعبي، ولكنّ الرأي المحلي منقسم بشكل حادّ. وتقول الأطراف المؤيدة بضرورة النفاذ إلى الأسواق من أجل القدرة التنافسية مع التكتل، المستحوذ على 50% من الصادرات السويسرية. وتحذّر الأطراف المعارضة من مخاطر التوافق الأعمق المؤدّي إلى تقويض السيادة، وزيادة الأعباء التنظيمية.
وإزاء تقبّل الرأي العام للصفقة، تقول اليزا كاديلي، رئيسة مركز الأبحاث “فوروس”: “أشعر بقلق أكبر، وسيتعيّن على الأطراف المؤيدة إقناع الرأي العام السويسري بالأهميّة البالغة لهذه المسألة بالنسبة إلى التوظيف، والشركات السويسرية، والقدرة على التصدير… ولكن اتّسم النقاش منذ البداية بادّعاءات غير دقيقة أحيانًا”.
المزيد
رغم تمدد الاستبداد في العالم… سويسرا متمسكة بدعم الديمقراطية
ويقول توماس جوردان، مدير شركة “زيورخ للتأمين” والرئيس السابق للبنك الوطني السويسري، في الأساس، يُعتبر اتفاق الاتحاد الأوروبي “مقايضة بين ضمان النفاذ بسهولة إلى الأسواق الأوروبية من جهة، والتنازل عن جزء كبير من السيادة والقبول، بطريقة ديناميكية وتلقائية، وتنظيم الاتحاد الأوروبي في المستقبل من جهة أخرى. ويكاد يكون تقدير التأثير طويل الأمد لذلك على سويسرا من المستحيل”.
وإلى جانب القضايا الجيوسياسية الكبرى، ظهر نقاش داخلي أكثر هدوءًا حول دور الدولة وحجمها. ولطالما افتخرت سويسرا بقطاعها العام المحدود، وتقاليدها في الاعتماد على قطاع خاص في مجالات، تمتدّ من الإسكان والمعاشات التعاقدية إلى رعاية الأطفال والبنية التحتية. ولكن يتحدّى ارتفاع تكاليف المعيشة، ونقص العمالة، والضغوط الديموغرافية هذا النموذج.
واكتسبت مقترحات دعم الرعاية النهارية، وتمديد إجازة الأبوة والأمومة، والمشاركة الفيدرالية الأكثر نشاطًا في مجال الإسكان، زخمًا بين الأحزاب. ما يعكس تصوّرات متباينة حول شكل العقد الاجتماعي في بيئة أكثر تعقيدًا في سويسرا.
تكيّف وليس تراجعًا
يرى الكثيرون.ات أنّ التركيز على تعزيز المنظومة الداخلية يُعدّ أكثر الحاحًا من الاستجابة للبيئة الجيوسياسية الخارجية. وقال أحد المموّلين السويسريين: “يُعرف أحيانًا باسم “أسلوب القنفذ”؛ علينا فقط الانكماش على أنفسنا، وإخراج أشواكنا إلى حين تجاوز هذه المرحلة الصعبة. وبانتظام، يحب الناس التنبؤ بنهاية سويسرا، ولكنّهم لم يكونوا على حق حتى الآن”.
ومن جانب آخر، يصف نائب وزير الخارجية السويسري، توماس غوربر، هذه المرحلة على أنّها مرحلة تكيّف وليست تراجعًا.
ويقول: “لا أرى أنّنا في حالة تراجع، بل نحن في طور إعادة توجيه أنفسنا لمواجهة العديد من التحديات”.
وتبقى المسألة المحورية، ما إذا كان باستطاعة سويسرا تكييف نموذجها الفريد مع عالم متداخل بسرعة أكبر من ذي قبل. وتُعتبر نقاط القوة المتمتّعة بها جوهرية، ولكن يضيق مجال مناورتها. فتلقى التحذيرات، كتلك التي أطلقها مدير بنك “يو بي اس” حول مخاطر التقاعس، صدى لدى رجال الأعمال وسيداتها، والشخصيات السياسية على حدّ سواء.
وفي الختام، يقول المدير التنفيذي لشركة “زيورخ للتأمين”: “تتمتّع سويسرا بموقع استثنائي يتيح لها تحقيق النجاح في هذه الحقبة الجديدة. والسؤال المطروح هو: هل ستستفيد من هذا الموقع؟”.
حقوق النشر “فايننشال تايمز المحدودة” 2025
المزيد
ترجمة: ناتالي سعادة
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.