أي مستقبل ينتظر الأونروا؟
تمرّ وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، واللاجئات، الفلسطينيين في الشرق الأوسط (الأونروا) بأخطر أزمة في تاريخها. فبين الضغوط السياسية، والصعوبات المالية، وتزايد تهميشها في غزة، يبدو مستقبلها أكثر قتامة من أي وقت مضى.
المزيد
للاشتراك في العرض الصحفي الأسبوعي
في 31 مارس، غادر فيليب لازاريني منصبه، كمفوض عام لوكالة الأونروا. وعلى حدّ قوله، لم يخف قلقه آنذاك على مستقبل الوكالة التي تواجه “تحديات هائلة”. فخلال مؤتمر صحفي، في قصر الأمم في جنيف، قال: “باتت الأونروا على مشارف فقدان مقوّمات البقاء”.
ومنذ تأسيسها، عام 1949، توفّر الوكالة خدمات أساسية في مجالي الصحة والتعليم، لملايين الفلسطينين.ات اللاجئين.ات في الشرق الأدنى. وإذا كانت الوكالة تضطلع اليوم بوظائف أقرب إلى وظائف الدولة، كان إنشاؤها في الأصل لتقديم مساعدة مؤقتة فقط. لكن أدّى غياب تسوية سياسية للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني إلى تجديد ولايتها بصورة منتظمة.
ومنذ اندلاع الحرب في غزة، ردًّا على هجمات حركة حماس ضد إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، تتعرّض الأونروا لضغوط شديدة. ففي أكثر من عامين، أسفرت عمليات القصف الإسرائيلية عن مقتل نحو 400رابط خارجي من موظفيها، وموظفاتها، البالغ عددهم 13 ألفًا في القطاع الفلسطيني. فيما دُمّرت مئات المنشآت التابعة لها. ويُعدّ ذلك حصيلة غير مسبوقة في تاريخ الأمم المتّحدة.
وفي يناير 2026، بلغ التوتر ذروته من جديد عندمت هدمت إسرائيل مقارّ الأونروا في القدس الشرقية المحتلة، بعد حظر نشاط الوكالة فيها.
القضاء على الأونروا “هدف من أهداف الحرب”
وفي إشارة إلى الهجمات الإسرائيلية ضد الوكالة، قال لازاريني: “أصبح القضاء عليها هدفًا من أهداف الحرب”. وأضاف، الأونروا هدف “لحملة تضليل” تشنها الحكومة الإسرائيلية، التي تزعم اختراقها من حركة حماس، وأنّها لم تعد تعمل في الأراضي الفلسطينية. ويرى أنّ الهدف من ذلك هو تقويض دعم المجتمع الدولي، وإضعاف حقوق الشعب الفلسطيني في إطار أيّ تسوية للنزاع.
أمَّا إسرائيل، فتعارض الأونروا منذ إنشائها. إذ ترى إبقاءَها النزاع الإسرائيلي الفلسطيني قائمًا، عبر السماح بانتقال صفة اللجوء من جيل إلى آخر. وبدوره، يرى الجانب الفلسطيني احتفاظَ الوكالة بسجل اللاجئين، واللاجئات، اعترافًا بحق العودة. وهو مطلب تعارضه الحكومة الإسرائيلية.
>> اقرأ.ي أيضًا مقالنا التفسيري عن الاتهامات الإسرائيلية الموجّهة إلى الأونروا:
المزيد
ما خلفية الادعاءات التي تنال من مصداقية الأونروا وتعيق جهودها الإنسانية في غزة؟
ومنذ عام 2024، تتّهم إسرائيل الأونروا بالإخلال بواجب الحياد. كما تتّهم عددًا من موظفيها، وموظّفاتها، بالمشاركة في مجازر 7 أكتوبر. ومع نفيِها لهذه الاتّهامات، فقد ردّت الوكالة عليها بتعليق عمل الموظفين المعنيين.
وخضعت هذه المزاعم لعدة تحقيقات. وخلص التحقيق الأول، بقيادة كاثرين كولونا، وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة، إلى ملكيّة الأونروا آليات تهدف إلى ضمان حيادها، رغم أنّ المجال لا يزال مفتوحًا لإدخال تحسينات. أما التحقيق الثانيرابط خارجي، وهو تحقيق داخلي أجرته الأمم المتحدة، فأفاد بعدم وجود أدلّة، أو وجود أدلّة غير كافية، بشأن 10 من أصل 19 موظفًا وموظّفة، وُجهت إليهم الاتهامات. وبالنسبة إلى التسعة الآخرين، خلص التحقيق إلى مشاركتهم، ربما، في الهجمات، دون قدرته على إبداء تأكيد قاطع.
تعليق تمويل الأونروا
بسبب إدّعاءات إسرائيل، علَّقت عدّة دول، منها الولايات المتّحدة وسويسرا، مساهماتها المالية في الوكالة. وفي العام التالي، أعادت برن التمويل، بعد خفضه إلى النصف، ليبلغ 10 ملايين فرنك. أمَّا واشنطن، التي كانت أكبر مانح للوكالة حتّى ذلك الوقت، فقد أنهت دعمها في عام 2025، بعد تقديمها للأونروا 422 مليون دولار في عام 2023.
ووفقًا لماكس رودنبيك، مدير مشروع إسرائيل وفلسطين، في مجموعة الأزمات الدولية في لندن: “يجري خنق الأونروا ببطء… وعدم استطاعتها البقاء في وضعها الحالي أمر يكاد يكون مؤكَّدًا”، مشيرًا إلى الضغوط المالية والسياسية، التي تتعرض لها المنظمة.
وتواجه الأونروا صعوبات مالية سبقت الحرب في غزة. فيعتمد تمويلها بدرجة كبيرة على المساهمات الطوعية للدول، ولذلك يتفاوت من عام إلى آخر. وفي عام 2025، تلقّت نحو رابط خارجي830 مليون دولاررابط خارجي، مقارنة بمبلغ 1،33 مليار دولاررابط خارجي في عام 2024، و1،48 مليار دولار في عام 2023.
ومؤخرًا، اضطرّت إلى خفض رواتب كوادرها المحلية بنسبة 20%، فيما يُفترض، وفق ما أوضحه لازاريني، كفاية مواردها حتى شهر سبتمبر فقط.
الأونروا “مهمشة” في غزة
وفي العام الماضي، فرضت إسرائيل قيودًا تشغيلية على الأونروا. فقد أقرّ البرلمان الإسرائيلي تشريعًا يحظر أنشطتها على الأراضي الإسرائيلية، ويمنع الجهات المسؤولة الإسرائيلية من التعاون مع فرقها. وبرّرت إسرائيل هذا الحظر بمصالحها الأمنية، وباتهامات تتعلّق بوجود تواطؤ بين الأونروا وحماس.
وفي مطلع هذا العام، هدمت إسرائيل مقارّ الأونروا في القدس الشرقية المحتلة، غير مكترثة بالحصانة الممنوحة لمباني الأمم المتحدة.
وقد أقرّ لازاريني بأنّ الأونروا، مؤديّة دورٍ أساسيٍ في توزيع المساعدات الطارئة في بداية الحرب في غزة، لم تعد قادرة على تقديم دعم غذائي لسكان القطاع، لمنعِ إسرائيل شاحناتها من الدخول إليه.
ويقول رودنبيك: “لقد جرى تهميش الأونروا في غزّة… فتُتلف عشرات آلاف الأطنان من الإمدادات التابعة لها في المستودعات”.
>> اقرأ.ي أيضًا، خبراء مستقلين تابعين للأمم المتحدة يشيرون إلى وقوع إبادة جماعية في غزة. مقالنا يشرح من يملك صلاحية البتّ في ذلك، وعلى أي أساس:
المزيد
متى يمكن اعتبار “الإبادة الجماعية” إبادة جماعية فعلًا؟
ومع ذلك، يؤكد المفوض العام أنّها لا تزال “من أبرز مقدِّمي خدمات الرعاية الصحية الأولية، والتعليم، وإمدادت مياه الشرب، والصرف الصحي، والنظافة”، بل “وسّعت أنشطتها” في هذه المجالات داخل غزة.
ومنذ أكثر من ستة أشهر، يسري اتفاق لوقف إطلاق النار في القطاع رسميًّا، رغم مقتل أكثر من 30 فلسطينيًا وفلسطينيةرابط خارجي خلال هذه الفترة، بينهم ثمانية عاملين في المجال الإنسانيرابط خارجي. وفي جنيف، تواصل وكالات الأمم المتّحدة التنديد بالظروف الأمنية الخطيرة، وبضعف القدرة على إيصال المساعدات الإنسانية.
وتتهمرابط خارجي قوّات الدفاع الإسرائيلية حركة حماس بانتهاك الهدنة، وتزعم “قضاءها على إرهابيين”. كما تنفي عرقلتَها لوصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، مؤكدة رابط خارجي “تأمينها” لعمليات التسليم كي لا تقع في أيدي حماس.
الأونروا مستبعدة من خطة السلام
ومع اقتراب بدء المرحلة الثانية من خطة ترامب للسلام، المتأخِّرة بسبب الحرب في إيران، أقرّ لازاريني بعدم علمه بـ “هامش المناورة” الذي سيُمنح للوكالة.
وردًّا على سؤال عن مستقبل الأونروا، قال إنّه يتمنى “ استعادة الوكالة طابعها المؤقت، وحثّ الدول الأعضاء على الاستفادة من كوادرها، وخبرتها في غزة. إذ يشكّلان رصيدًا أساسيًا لنجاح تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803”. ودعا المسؤول السويسري إلى مواصلة تقديم الخدمات الأساسية التي توفّرها الوكالة، “وإشراكها في بناء المؤسسة الفلسطينية المستقبلية، التي ستكون الجهة المستفيدة من أنشطتها في نهاية عملية سياسية”.
وقد اعتُمد القرار 2803رابط خارجي في 17 نوفمبر 2025 في نيويورك، ويقرّ الخطة ذات النقاط العشرين التي طرحها الرئيس الأمريكي بهدف إنهاء الحرب. ويعترف النص بشرعية “مجلس السلام”، برئاسة ترامب، بوصفه “إدارة انتقالية” ستحدّد ترتيبات “إعادة تنمية” القطاع. وفي يناير، أنشأ المجلس لجنة وطنية لإدارة غزة، تضمّ 15 تكنوقراطيًا، وتتولّى مهمّة ضمان الحكم الانتقالي.
ولا ترد الأمم المتّحدة في النص إلا بصورة عابرة، إذ توصف ب“المنظمة المتعاونة” في توزيع المساعدات الإنسانية. وبينما يظهر اسم دونالد ترامب ستّ مرات في القرار، يغيب عنه اسم الأونروا تمامًا.
>> اقرأ.ي أيضًا تقريرنا من لبنان لفهم عمل الأونروا الميداني:
المزيد
الأونروا في لبنان: ”شريان الحياة“ داخل المخيمات الفلسطينية
وخلال زيارته جنيف في 22 أبريل، سُئل جيف بارتوس، ممثّل الولايات المتحدة لشؤون إدارة الأمم المتحدة وإصلاحها، عن دور الوكالة، فقال: “لقد كان الوزير [وزير الخارجية] واضحًا جدًا، انتهى أمر الأونروا. وكما تؤكّد الخطة ذات النقاط العشرين، سنركّز على اللجنة الوطنية لإدارة غزّة”.
وفي هذا السياق، يقول رودنبيك: “من الصعب جدًا” معرفة شكل مستقبل الوكالة. ومنذ فترة، يدور نقاش حوله. وهناك مقترحات تدعو إلى تقليص نطاق عملها، أو تركيزه على جوانب معيّنة من ولايتها”. لكن يتطلّب تعديلها موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تضم 193 دولة عضوة.
وعند سؤالها عن مستقبل المنظمة، قالت البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة في جنيف: “ليست الأونروا جزءًا من الحلّ، بل جزء من المشكلة”. وذكَّرت: “لن تتعاون” إسرائيل مع الوكالة، وفقًا لتشريعاتها. وبخصوص إيصال المساعدات إلى غزة، أضافت: “كما في نزاعات أخرى حول العالم، تعمل وكالات متخصّصة تابعة للأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية على الأرض، وتُوصل المساعدات”، معتبرة أنّ ذلك يثبت أنّ الوكالة “ليست جهة لا غنى عنها”.
خليفة لازاريني لم يُعرف بعد
غادر لازاريني منصبه في نهاية شهر مارس. ولغاية الآن، لا يزال اسم خليفته غير معروف. وتقع مهمّة تعيينه على عاتق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش. لكنّ الأخير، المنتهية ولايته العام المقبل، قد يترك هذه المهمة لأمينها العام المقبل.
وإلى ذلك الحين، يتولّى كريستيان ساوندرز، المسؤول الرفيع في مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك، إدارة الوكالة بالنيابة، كما فعل سابقًا بعد رحيل بيير كرينبول، في عام 2019.
وعند سؤاله عن المواصفات المثالية للشخص الذي ينبغي توليه المنصب، يجيب رودنبيك: “ينبغي أن يكون شخصًا قادرًا على التعامل مع الوضع في غزة وجمع الأموال للوكالة معًا، في آن. وهما مهمّتان يصعب الجمع بينهما. ويمكنكم تَخيُّل أن ليس هذا عملًا يرغب الكثير في توليه”.
المزيد
جنيف الدولية
راجع النصّ الأصلي وتحقق منه: فيرجيني مانجان/م.ل./ ب.ت
استعنّا في ترجمة هذا المقال بأدوات الذكاء الاصطناعي، دون الإخلال بمبادئ العمل الصحفي.
مراجعة الترجمة الآلية: ريم حسونة
تحقّق من النص العربي: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.