سويسرا – حالة اختبار للتيارات الشعبوية في أوروبا؟

Philip Schaufelberger

عادة ما تركّز النقاشات السائدة على كيفية وقف "صعود الشعبوية" ومحاربتها. ولكن ماذا لو كان الحل هو السماح لدعاتها بالتعبير عن قناعاتهم، والدعاية لها، وإقناع الناخبين بحججهم، عندما يتعلق الأمر بالديمقراطية المباشرة؟ 

هذا المحتوى تم نشره يوم 13 أبريل 2020 - 11:00 يوليو,
(نقلته إلى العربية وعالجته: مي المهدي)

هذا هو رأي الكاتب والصحفي الألماني رالف شولر، الذي يدافع عن الرأي الداعي إلى إشراك الشعبويين في النقاش السياسي، ويرى أنه بإمكانهم أن يكونوا سببا في إضفاء الحيوية عن العملية الديمقراطية.

على أي حال، تجاهل هذه التيارات لا يُجدي نفعا، يقول الكاتب الألماني، خاصة في العصر الرقمي الحالي حيث يمكن للشعبويين "أن يخلقوا ببساطة فضاءهم الخاص، وأن يصيغوا فيه الحقائق وفق منظورهم الخاص".

ارتبط عدم الاستقرار السياسي في الديمقراطيات الغربية خلال القرن الماضي بشكل روتيني بالشعبوية. بل إن البحث عن علاج لما تعتبره مؤسسات للدولة العميقة إساءة استخدام للمؤسسات الديمقراطية، أقدم من ذلك.

لماذا هذا النقاش صعب للغاية، ويستمرّ في الزمان؟

إحدى المشكلات هو أن الديماغوجيا تجد لها أذنا صاغية لدى المستمع. والشعبوية مصطلح يصعب تعريفه. ونظرا لكونها غير قابلة للقياس، فإن ما يتبقى غالبا هو مجموعة من التعريفات، يتفق أغلبها على أنها أسلوب سياسي يضع "نخبة مفلسة أخلاقيا ضد "شعب" مُضطهَد أو مُتجاهَـل أو مَنسي.

أما بالنسبة للسياسات، يقول النقاد، إن الشعبويين يفرطون في تقديم وعود بحلول تبسيطية لمشكلات معقدة مثل الهجرة والتنوع الثقافي والتغيير الاجتماعي. ويقول الشعبويون إن هذه الكلمة عبارة عن مصطلح جذاب تستخدمه النخب لوسم الحجج التي يرفضونها ولا يريدون سماعها.

ولكن ماذا لو تجاوزنا هذا الجدل الإصطلاحي إلى النقاش المضموني. لقد كشفت مجموعة IDEA السويدية المتخصصة في الأبحاث أن الفترات التي ينجح فيها الشعبويون بالفعل من التسلل إلى السلطة هي فترات يسجّل فيها تراجع على العديد من الجوانب في الحياة الديمقراطية مثل حرية التعبير أو مشاركة المجتمع المدني.

ونحن اليوم في واحدة من هذه الفترات: على الرغم من أن "الشعبوية قد بلغت ذروتها"، وفقا لدراسة أجرتها المفوّضية الأوروبية، فإن التأييد والدعم الذي تحظى به هذه الأطراف اليمينية قد زاد بنسبة تتجاوز الثلاثة أضعاف خلال العقديْن الماضيْين.

وهكذا، حتى إذا كانت فكرة الحكم مع مجموعات سياسية مثل الجبهة الوطنية في فرنسا أو حزب الحرية في هولندا ربما تبدو مخيفة بالنسبة للعديد من الأحزاب الوسطية والمعتدلة، فإنه قد لا يكون هناك خيار آخر.

النموذج السويسري

كالمعتاد عندما يتعلّق الامر بالسياسة، تعتبر سويسرا نموذجا فريدا من نوعه عندما تتناول مسألة الشعبوية: في الوقت الذي ينظر فيها إلى الكنفدرالية كنموذج ناجح للإستقرار السياسي وكبطلة عالمية في مجال الديمقراطية المباشرة والمشاركة السياسية، يُنظر إليها أيضا على أنها عـش للشعبوية منذ زمن طويل.

وقد شهدت العقود الثلاثة الماضية زيادة حادة في شعبية الأحزاب اليمينية في سويسرا، على وجه الخصوص تنامي شعبية حزب الشعب السويسري (يميني متشدد)، الذي ارتفعت نسبة تمثيليته في البرلمان الفدرالي من 12% في عام 1991 إلى 29.4% في عام 2015.

ورغم المكاسب الكبيرة التي حققها حزب الخضر في انتخابات أكتوبر 2019 - وهم أنفسهم كانوا ينعتون بالشعبويين في الماضي- يظل حزب الشعب السويسري، صاحب المجموعة البرلمانية الأقوى في عام 2020.

فكيف تمكنت سويسرا من تجنّب عدم الاستقرار السياسي والخطابات المتشنجة العنيفة التي ترتبط في العادة بالمجموعات الشعبوية في البلدان الغربية الأخرى؟ ربما يكمن السرّ في الديمقراطية المباشرة، يقول الخبراء.

من ناحية، تشجّع الديمقراطية المباشرة النزعات الشعبوية في الواقع من خلال السماح لأفكار، كان سيتم حظرها في ظل أنظمة أخرى، بأن تكون مطروحة على جدول الاعمال. وأيضا يمكن للمواطنين اقتراح تشريعات والتصويت عليها أربع مرات في السنة.

لكن الديمقراطية المباشرة يمكن أيضا أن تلطّف من الشعبوية لنفس الأسباب، عبر مطالبة المواطنين باستمرار بإبداء رأيهم خلال العملية السياسية. وقد تعوّد الناخبون السويسريون على المشاركة في اقتراعات منتظمة تساعد على إبداء رأيهم وإسماع صوتهم. وهكذا، فإن القضايا "تظهر على السطح، بشكل أسرع، وبأكثر وضوح، ولابد من أن تجد لها حلا"، على حدّ قول كلود لونشون.

في أماكن أخرى، تظل المشكلات عالقة من دون حل، وقد تختفي تحت السطح، يقول الكاتب الألماني شولر: "بينما تقوم الحركات الشعبوية بتناول القضايا التي أغفلتها الأحزاب القائمة وتركتها من دون حل فتجتذب الفئات المهمّشة التي بالإمكان أن تؤيّـد حُججها، فتعيدها من جديد على السطح".

أخيرا بالطبع هناك "المعادلة السحرية"، والتي تعني أن الحكومة السويسرية تتكوّن دائما من تشكيلة وزارية متوافق عليها وبالتراضي بين الأحزاب السويسرية الأكبر تمثيلية على مستوى البرلمان بغض النظر عن مواقفها.

وهكذا على الرغم من أن المجموعات الشعبوية في أماكن أخرى تتعرض للإقصاء أو النبذ، نجد في سويسرا أن حزب الشعب السويسري مشارك قديم وشرعي في الحكومة، حيث يتعاون بشكل براغماتي مع بقية الأحزاب، بدلا من التحريض من وراء حجاب.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة