Navigation

لهاث في رمال متحركة

أعضاء مجلس الحكم العراقي في صورة تذكارية التقطت لهم يوم 13 يوليو 2003 Keystone

تكتنف المشهد السياسي العراقي هذه الأيام الكثير من الحساسية والغموض، مُضافا إليها قدر كبير من الميوعة..

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 فبراير 2004 - 12:34 يوليو,

وفي ظل التساؤلات القائمة حول الإنتخابات والفدرالية والدستور وكيفية انتقال السيادة إلى العراقيين، تزداد المخاوف مما يخبؤه المستقبل.

يبدو المشهد السياسي العراقي شديد الحساسية والغموض، وهو فضلا عن هذا وذاك يتسم بقدر كبير من الميوعة التي تضاهي الرمال المتحركة في خطورتها وتقلبها. فالذي تسنح له فرصة التأمل في المشهد السياسي العراقي، يلاحظ ان الفصائل السياسية في العراق الجديد لم تحسم خلافاتها إلى درجة ان الاصطراع بات السمة الغالبة على العلاقة فيما بين بعضها البعض.

وبقدر ما يعكس هذا الاصطراع حراكا فكريا وسياسي مطلوبا وصحيا، فانه يعكس خلافات عميقة في بنية العقل السياسي العراقي وفي صميم المجتمع العراقي، خاصة وان كليهما لم يألفا حالة التعايش بين الأضداد، بل ان كل فصيل ما يزال يلجأ إلى ركنه الركين باحثا عن شرعية مزعومة يسربل بها أو من خلالها بعضا من أخطائه أو خطاياه، وهو هنا أمر يبعث على القلق ويدفع إلى الخشية مما يستبطنه المستقبل من مفاجآت.

شــد وجــذب

وربما كان أكراد العراق، وتحديدا الحزبين الكرديين الرئيسيين - الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني - وحدهم خارج لعبة الغموض والرمال المتحركة.

فهم يعرفون جيدا ماذا يريدون والى ماذا يستندون، وهم يدركون جيدا الحدود التي يجب ان يتوقفوا عندها كما يعرفون بدقة منطلقاتهم. وبالتأكيد، فإن لهذين الحزبين خصوصية لا تخفى، ليس لتراكم خبرة ثلاثة عشر عاما من الانفراد بالسلطة في كردستان العراق بعيدا عن الحكومة المركزية فحسب، بل لأنهما تمكنا أيضا من توحيد رؤيتيهما بشأن الفدرالية وقضايا أساسية أخرى يجري الحديث عنها في العراق الآن.

لكن وضوح الرؤية – كرديا – لا تجعل من هذين الفصيلين خارج لعبة الشد والجذب، وخارج عمليات الاستقطاب والتمحور، ومحاولات إبرام الصفقات والاتفاقيات السياسية وراء الكواليس وبعيدا عن الأنظار.

من جهتها تبدو الفصائل الشيعية الرئيسية مختلفة فيما بينها حول آلية الانتقال السياسي للسلطة المزمع في نهاية يونيو المقبل بين داعية للانتخابات على وفق رؤية اكبر المراجع الشيعية آية الله علي السيستاني، وهو ما يعبر عنه موقف المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يرى – استنادا لجملة من المعطيات والتداخلات والاتفاقيات - أن الأمور تسير لصالحه في الانتخابات العامة، وبين متحفظ على إقحام السلطة الدينية في العملية السياسية، وهو ما يعبر عنه الدكتور إبراهيم الجعفري الناطق الرسمي باسم حزب الدعوة الإسلامية.

وما يزال السنة العرب مختلفون حول جدوى المشاركة في العملية السياسية وحول صواب الدخول في مجلس الحكم الانتقالي العراقي أصلا، فضلا عن أن أكبر الفصائل السياسية السنية (الحزب الإسلامي العراقي) والمرجعية السنية العليا(هيئة علماء المسلمين) يصران على الموقف القائل بعدم إمكانية إجراء انتخابات في الوقت الحاضر لصعوبة أو استحالة توفير مستلزماتها الضرورية من ضمان للنزاهة وتوفير الأمن، وهما ضمانتان لا غنى عنهما في أي عملية انتخابية ذات مصداقية.

المأزق الأمريكي

وإذا كانت هذه هي الصورة على الجانب العراقي، فإن الحال في الجانب الأمريكي ليست إيجابية أيضا، وليس من المبالغة في شيء القول بأن واشنطن باتت تقف الآن على خيارات صعبة في العراق وحافات مأزق يمكن ان يكون خطيرا.

فالمأزق السياسي الأمريكي إزاء ما يحصل في العراق ليس اقل سوداوية من المأزق العسكري، إذ بإمكان الرياح العراقية ان تأتي بما لا يشتهيه البحارة في واشنطن فتقلب الموازين والخطط والسياسات المرسومة المصرح بها أو تلك التي ما تزال حبيسة الأدراج أو مدار الهمس.

صحيح جدا ان كثيرا من المفاتيح في يد الإدارة الأمريكية. فهي قوة الاحتلال الحاكمة والمتنفذة على الأرض فعلا، وهي القوة العسكرية التي تستطيع ان تفرض بما لديها من إمكانيات هائلة كثيرا من الوقائع على الأرض، إلا ان الأمر قابل مع كل هذا وذاك للمتغيرات.

فالمشروع السياسي الأمريكي المتمثل في خطة نقل السلطة إلى العراقيين على وفق الأجندة الزمنية المعدة والإجراءات السابقة واللاحقة لها يبدو الآن موضع شك كبير برغم كل التأكيدات الأمريكية على ذلك، ليس لأنه لا توجد مواعيد مقدسة عند الأمريكيين، كما يقول محمد فاضل السامرائي، عضو المكتب السياسي للحزب الإسلامي العراقي فحسب، بل لأن قدرة الإدارة الأمريكية على ترضية كل الأطراف العراقية الأساسية والاستجابة لمطالبها تبدو في ظل استمرار الأزمات محل نظر.

فكل الذي نجحت به الإدارة الأمريكية حتى الآن من خلال ممثلها العام في العراق السفير بول بريمر هو إمساك العصا من الوسط والخروج بمحاولات توفيقية قد تسفر عن بعض الحلول الجزئية وقد لا تؤدي إلى ذلك، وهي في كل الأحوال ليست اكثر من محاولات لتأجيل بحث القضايا الأكثر إلحاحا، وهو ما قد يعني تأجيل فتح بوابات الصراع إلى مراحل قادمة ربما إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في شهر نوفمبر المقبل أو حتى بعد ذلك بكثير.

اصطدام ثلاثي

وتبدو آثار هذه السياسة واضحة جدا فيما يتعلق بالموقف من قضيتي الفدرالية والانتخابات العامة المباشرة.

فقد عمل الأمريكيون على تأجيل بحث موضوع الفدرالية إلى ما بعد انتخاب حكومة عراقية تحظى بقدر من الشرعية، كما عملوا على الإعلان عن ان آليات عملية نقل السلطة يمكن ان تشهد بعض التغيير، لكن التواريخ المثبتة لا يمكن التلاعب بها، وبذلك تحاول الإدارة الأمريكية ان تظهر بصورة من لا يتجاهل الاعتراضات والآراء المثارة، لكنه يرفض ان يملي عليه أحد ما قرارا أو موقفا معينا.

لكن هذه المحاولات التي تبدو لحد الآن ممكنة بسبب القوة العسكرية التي يتمترس خلفها ساسة واشنطن في العراق قابلة لأن تغدو أسيرة الرمال العراقية المتحركة، وهي رمال يمكن ان تبتلع في حومتها كثيرا من الشواخص الماثلة الآن على الأرض إذا ما رأى هذا الطرف الأساسي العراقي أو ذاك أن مصالحه العليا باتت مهددة باستمرار قبوله بالسياسة التوفيقية الأمريكية.

وقد كانت الأسابيع الأخيرة مهمة جدا حيال قضية فرز المواقف على الصعيدين الأمريكي والعراقي. فمن جهة، تبيَّنت بشكل شبه كامل مواقف الأطراف الأساسية العراقية - السنة والشيعة والأكراد – ومن جهة أخرى، اتضحت مواضع الخلاف الأمريكية مع هذه الأطراف الثلاثة إلى حد لا يمكن إنكاره، إذ ليس سرا ان الأسابيع الأخيرة أفرزت جملة حقائق أساسية، في مقدمتها اتضاح ان السياسة الأمريكية في العراق تصطدم الآن بالقوى الثلاث مرة واحدة.

فعلى الصعيد الكردي، اتضح ان واشنطن عجزت عن مسايرة الطموح القومي للحزبين الكرديين الرئيسيين في هذه المرحلة، بل انها تخلت حتى عن مجرد الدفاع عن الحدود الدنيا لهذا الطموح في مواجهة موقفين مضادين الأول داخلي-عراقي والثاني خارجي-إقليمي.

وعلى الصعيد السني، ما تزال واشنطن، برغم كل الإيماءات، عاجزة عن التعامل مع المطالب السنية التي تطرح نفسها من خلال منطق عراقي يرفض الاحتلال كليا كما يرفض التعامل مع الصيغ والهياكل التي جاء بها والمشاريع التي ابتدعها ويطالب بحصة واقعية في عراق الغد.

كما اتضح في الأسابيع الأخيرة ان ساسة الولايات المتحدة والشيعة العراقيون باتوا اليوم يقتربون شيئا فشيئا من نقطة الاشتباك السياسي برغم استمرار المهادنة العسكرية بينهما، حيث كانت المظاهرات المنظمة جيدا في عدد من المدن ذات الغالبية الشيعية اكبر إشارات تحد للموقف الأمريكي في العراق بعثت بها المرجعية الشيعية العليا.

ومن شأن أي تحول في موقف الشيعة العراقيين ان يلحق اكبر الأضرار بالخطط الأمريكية، حيث ما يزال ملايين الشيعة العراقيون ينتهجون أسلوبا مهادنا في تعاملهم مع قوات الاحتلال، أما إذا اختلت المعادلة القائمة حاليا، بما يعني دخول الشيعة على خط المقاومة، فإن ذلك سيزيد الأمور تعقيدا بالنسبة لواشنطن.

إمساك العصا من الوسط..

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار اننا نعيش سنة انتخابية في واشنطن، فإن إدارة الرئيس جورج بوش قد تجد نفسها مضطرة إلى التخلي – بعض الشيء – عن العراق أو إظهار الزهد فيه – على وفق ما جاء في صحيفة الواشنطن بوست مؤخرا – ضمانا لعدم الانغماس اكثر فأكثر في مشاكل العراق وتعقيداته خشية الغرق في رماله المتحركة، على أساس ان الفشل غير مسموح به أمريكيا، وخاصة في عام الاستحقاقات الانتخابية هذا.

ويبدو أن واشنطن وانطلاقا من سياستها التي ترغب في تأجيل الأمور، ونظرا لجهلها البالغ في فهم الواقع العراقي وفشلها في استيعاب معادلاته المعقدة ولأسباب داخلية تتعلق بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، اختارت اللجوء مؤقتا إلى الأمم المتحدة لتقرير إمكانية إجراء انتخابات عامة مباشرة من عدمها.

وفيما يظل الأمين العام للأمم المتحدة مترددا في العودة مجددا إلى العراق، قد يجد الرئيس بوش نفسه مضطرا إلى "إجبار" المنظمة الدولية على العودة إلى العراق تخفيفا لبعض الأحمال عن كاهله المثقل بالالتزامات الداخلية الأمريكية، وبالجدل الدائر بشأن مشروعية حربه على العراق مع اتضاح فشل مخابراته في العثور على أسلحة الدمار الشامل، وهي ذريعة الحرب الكبرى ضد النظام العراقي السابق ورئيسه.

هكذا يبدو المشهد العراقي موزعا بين فصائل سياسية تلهث بحثا عن مكتسبات لها في ظل واقع أمني وسياسي هش قابل للانفجار في أية لحظة، بل متفجر فعلا مثل صباح عيد الأضحى الدامي في أربيل، وبين سلطة احتلال تمسك بالأمور من الوسط، لكنها لا تدري أين ستميل كفة الميزان وفي أية لحظة يمكن للرمال المتحركة ان تُـغرقها في لجتها، وبين شعب حائر .. ينتظر!

مصطفى كامـل - بغداد

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.