هكذا يسعى الصليب الأحمر الدولي لضمان حمايته في الفضاء السيبراني
كشفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن نموذج أولي لشارة رقمية جديدة، يُرتقب أن تسهم في تعزيز حماية العاملين والعاملات في المجالين الإنساني والصحي، من الهجمات السيبرانية.
تتعرض المنظمات الإنسانية والخدمات الصحية للاستهداف بوتيرة متزايدة خلال النزاعات. ولا يقتصر ذلك على العالم المادي، كما أظهرت عمليات القصف الإسرائيلية على غزة، بل يمتد أيضًا إلى الفضاء الرقمي، إذ يمكن للهجمات السيبرانية أن تفضي إلى خسائر بشرية حقيقية.
وفي الوقت الراهن، تعتمد المستشفيات والوكالات الإنسانية، بشكل كبير، على الشبكات، والخوادم، والبيانات. ويؤكد بيير كراينبول، المدير العام للجنة الدولية للصليب الأحمر: “قد يتأخّر العلاج الطبي، وتتعطل خدمات الإسعاف، وتبقى العائلات من دون أخبار عن أقاربها المفقودين والمفقودات. كما لا تصل المساعدات إلى مستحقيها ومستحقاتها، وتستمرّ معاناة الناس، وقد تُزهق أرواح”، في حال وقوع هجوم سيبراني.
شارة رقمية للحماية
وفي الآونة الأخيرة، قدّمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مقرّ المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN) بجنيف، ردّها على هذا التهديد متمثّلا في نموذج أوّلي لشارة رقمية طُوّرت بالتعاون مع المعهد التقني الفدرالي العالي في زيوريخ.
ولا يتعلّق الأمر بمجرّد رمزٍ بصري جديد، بل بتوقيعٍ رقمي يُمكّن من التعرف على البنى التحتية الرقمية التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر، وجمعياته الوطنية، والهلال الأحمر، إضافة إلى الخدمات الصحية العسكرية، والمدنية. ومع ذلك، وكما هو الحال بالنسبة إلى شارة الصليب الأحمر في العالم المادي، لا تمنع هذه الشارة وقوع الهجمات السيبرانية.
تهديد متصاعد
ويقول ستيفان دوغين، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “بروتكت” (Protect.ngo) في جنيف، المعروفة سابقًا باسم “معهد السلم السيبراني” (CyberPeace Institute): “التهديد السيبراني واضحٌ وقائم، وللأسف في تصاعد مستمر”. ويشير إلى أنّ المنظمات الإنسانية تُعد “أهدافًا سهلة” نظرًا لتعرّضها لتهديد مزدوج.
فمن جهة، تستهدفها جهات إجرامية بشكل عشوائي بهدف الابتزاز، والحصول على المال. ومن جهة أخرى، قد تستهدفها جهات حكومية بسبب طبيعة عملها، أو موقعها الجغرافي، أو الأطراف التي تقدّم لها الدعم. كما تجعل محدودية الموارد المالية، وعدم استقرار التمويل، هذه المنظمات أقل قدرة على الاستثمار في وسائل الحماية.
وفي عام 2022، تعرّضت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هي بنفسها، لهجوم سيبرانيرابط خارجي استهدف خوادم تحتوي على بيانات شخصية لنحو 515 ألف شخص حول العالم. وفي مايو، تعرّض برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتّحدة بدوره لهجومٍ أدّى إلى كشف بيانات حسّاسة لنحو 600 ألف أسرة في غزّة. وهو ما قال عنه موقع “ذا نيو هيومانيتاريان” (The News Humanitarianرابط خارجي) المتخصّص، الذي كشف هذه القضية، أن هذا الحادث يمثل “أكبر تسريب للبيانات” في هذا القطاع على الإطلاق.
هل يمكن أن يكون الهجوم الإلكتروني جريمة حرب؟ مقالتنا حول هذا الموضوع:
المزيد
متى يُعدّ الهجوم الإلكتروني جريمة حرب؟
حماية قانونية في الفضاء الرقمي
وأكّد ساميت دكونها، المستشار القانوني المشرف على المشروع في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أنّ “الوحدات الطبية ووحدات النقل الصحي تتمتع بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني. وأن الهدف من الشارة الجديدة هو إبراز هذه الحماية في الفضاء الرقمي”.
ويفرض القانون الدولي الإنساني، المعروف أيضًا باسم “قانون الحرب”، قيودًا على طريقة إدارة الأعمال العدائية، ويحمي المدنيين والمدنيات وبعض البنى التحتية، ولا سيما الطبية منها، بالإضافة إلى الجنود الجرحى أو الأسرى من المجندين والمجنّدات. لذا، يشكّل حذف بيانات المرضى والمريضات أو عرقلة عمل المعدات الطبية أو تعطيل سلاسل توريد المستلزمات الطبية، بحدّ ذاته، انتهاكًا لاتفاقيات جنيف.
“أداة مفيدة” ضمن منظومة أوسع
يعتمد النموذج الأولي، الذي يخضع حاليا لاختبارات لدى عدد من الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر، توقيعا تشفيريا. وعمليًا، يتلقّى منفذ الهجوم السيبراني أو منفذته، أثناء استطلاع هدف محمي، مثل مستشفى، إشعارًا يفيد بأن هذه البنية التحتية مشمولة بالحماية بموجب اتفاقيات جنيف.
ويرى ستيفان دوغين هذا الحلَّ “مفيدًا، خاصة في الحد من مخاطر الهجمات الموجهة في سياق النزاعات”، لكنه يشدّد على ضرورة اعتباره جزءًا من منظومة تدابير وقائية أوسع. ويضيف: “إنّها أداة فريدة تُذكّر المهاجمين والمهاجمات بالتزاماتهم بموجب القانون الدولي الإنساني”. لكنه في المقابل، يُلفت إلى إمكانية افتقار بعض المنظمات إلى الإمكانات التقنية أو المالية لاعتماد هذا الحل، الذي لم تحدد تكلفتُه بعد.
هل تعزّز الحماية فعلًا؟
يبقى السؤال مطروحًا: في ظل الانتهاكات الواسعة لقانون الحرب، هل يمكن لهذه الشارة أن توفر حماية أفضل للبنى التحتية الرقمية الإنسانية والصحية؟
ويشير ستيفان دوغين إلى استناد هذا التوجه أيضًا إلى مشاورات مع دول وخبراء وخبيرات في الأمن السيبراني.
ويضيف: “سيُظهر المستقبل مدى فعالية هذه المبادرة. لكن يبيّن التاريخ أنّ الظهور الواضح قد يعزز الحماية. ففي عام 1864، بعد اعتماد شارة الصليب الأحمر، خشي البعض أن تصبح سيارات الإسعاف أكثر عرضة للاستهداف، لكن أثبت الواقع عكس ذلك”.
وصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذا الإعلان بأنه “يوم تاريخي”، إيذانًا بانطلاق المرحلة الثانية من تطوير الشارة، التي يُفترض أن تُفضي إلى استخدامها ميدانيًا. لكن قد يستغرق هذا المسار سنوات، إذ لا يزال النموذج الأولي بحاجة إلى مزيد الاختبارات والتحسينات.
كما يتطلّب الأمر تطوير معايير تقنية ضمن الاتحاد الدولي للاتّصالات (ITU)، وفريق عمل هندسة الإنترنت (IETF).
يتعرض القانون الإنساني الدولي للانتهاك على نطاق واسع، ولكن هذا لا يعني أنه لا يتم احترامه أبدًا:
المزيد
القانون الإنساني الدولي: خلف العناوين الكئيبة تكمن أيضا نجاحات
قانون بحاجة إلى تعديل
وإلى جانب التطوير التقني، يبرز تحدٍ قانوني يتمثل في ضرورة تحديث القانون الدولي الإنساني. ويوضح لوران جيزيل: “يجب أن يتضمّن القانون تعريفًا للشارة الرقمية، على غرار الشارات الحالية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف”.
وليست هذه سابقة؛ ففي سبعينات القرن الماضي، تم استحداث إشارة ضوئية زرقاء وامضة للتعريف بطائرات الإسعاف ليلًا. وحدّدت خصائصها في البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 لاتفاقيات جنيف.
ويضيف جيزيل: “من شأن إدراج الشارة الرقمية في القانون الدولي الإنساني إتاحة تطبيق القواعد ذاتها التي تحكم استخدام الشارات التقليدية، بما في ذلك إلزام الدول بمنع إساءة استخدامها، مثل توظيفها لحماية بنى تحتية عسكرية”.
وفي هذا السياق، تظلّ الدول حرّة في اختيار المسار القانوني المناسب، سواء عبر تعديل البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، أو التفاوض على بروتوكول إضافي جديد. وهو خيار أكثر تعقيدًا، ويستغرق وقتًا أطول.
تحرير: فيرجيني مانجان
المزيد
نشرتنا الإخبارية المتخصصة في الشؤون الخارجية
ترجمة: موسى آشرشور
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.