Navigation

الاقتراع العمومي كحق عالمي من حقوق الانسان

يمكن لأي شخص مُمارسة حق الإقتراع في العديد من بلدان العالم - رَسمياً على الأقل. لكن الحقيقة هي أنّه لا توجد دولة واحدة تطبقه بشكل كامل، بما في ذلك العديد من الديمقراطيات النموذجية التي تَستَبعِد فئات سكانية مُعينة من هذه المُمارسة. جو ماثيوز، مُحرر العمود المتخصص في مسائل الديمقراطية يقول إن مواجهة هذه المُفارقة الديمقراطية يَتَطَلَّب إتباع نَهج جديد يَتَمَثَّل في مَنح حق الاقتراع العمومي لكل شخص منذ الولادة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 13 مارس 2021 - 19:00 يوليو,
جو ماثيوز

كيف يُمكننا أن نجعل حق الاقتراع العمومي عالمياً حقاً؟

إن مُجرد طَرح هذا السؤال يؤشر إلى مُفارقة ديمقراطية. فالاقتراع العام - الذي يعني توفر كل شخص على حق التصويت - هو السِّمة الاساسية للديمقراطية الحديثة. ومع أن مُعظم الدول تَدَّعي مَنح هذا الحق  لجميع المواطنين، لكن  في الواقع لا يوجد هناك بلد يكون فيه حق الاقتراع شاملا لجميع المواطنين حقاً.

قد تكون هذه الحقيقة مفاجئة بالنسبة لك، سيما وأن أكثر من مائة دولة تدَّعي مُمارستها لهذا الحق. لكن ما تقصده هذه الدول هنا هو عَدَم وجود أي تمييز بين الناخبين على أساس الثروة، أو الدَخل، أو الجنس، أو الوضع الاجتماعي، أو العِرق، أو الإثنية أو الإلمام بالقراءة والكتابة، أو أي قيود أخرى ما عدا بعض الاستثناءات البسيطة نسبياً.

في واقع الحال، تَمنَع جميع الديمقراطيات العديد من سكانها من حق التصويت، وهي تفعل ذلك دون أن تقدّم أي اعتذار. وفي سويسرا والعديد من البلدان الأخرى مثلاً، يُحرَم الأطفال والمراهقون من حق التصويت بسبب سنهم. كما تُقيّد العديد من الدول حق التصويت للأشخاص الذين يقضون عقوبات في السجن. بالإضافة إلى ذلك، تَحرُم معظم الديمقراطيات سكانها الذين يفتقرون إلى الجنسية من حق الاقتراع وكذلك المهاجرين غير الحاصلين على الإقامة الدائمة، أو بسبب أوضاع قانونية آخرى.

إذا كان الاقتراع العمومي سيصبح عالميا حقاً، سوف يتعيّن على العالم أن يجد طريقة لجعل حق التصويت جُزءًا من كل إنسان، تماماً مثل قلبه الذي يرافقه طوال حياته، ويذهب معه أينما ذهب.

التناقض الديمقراطي الكبير

خطرت لي فكرة إدخال حقوق التصويت المحمولة أثناء مشاهدتي لاحتفالات البلدان بالذكرى السنوية لما يسمى بـ "الاقتراع العمومي [الذي يُسمى أيضًا الانتخاب العام، والاقتراع العام للرجل العادي]. وبطبيعة الحال كانت هذه الاحتفالات تتعلق بِتَذَكُّر الحملات التي جَرَت منذ وقت طويل لتوسيع نطاق حقوق التصويت لكي تشمل النساء أيضاً.

من المؤكد أن حصول المرأة على حق الإقتراع هو إنجاز يستحق الإحتفاء به. ولكنه يجب أن يذكرنا أيضاً بأن الديمقراطية، مثل أي مؤسسات بشرية أخرى، يمكن أن تتقدم وتتراجع وفي نفس الوقت أحياناً، وان تاريخ الديمقراطية لا يخلو من مراحل الفشل ايضاً.

احتفلت سويسرا في شهر فبراير من هذا العام بالذكرى الخمسين لمَنح المرأة حق التصويت والترشح على المستوى الفدرالي. ولم تُمنح النساء السويسريات هذا الحق إلا في وقت متأخر جداً (في عام 1971) ومن قبل غالبية من الناخبين الذكور الذين كانوا قد حصلوا على هذه الحقوق قبل 123 عاماً. وقد كانت هذه الذكرى مُناسبة للتفكير في جميع الاحتمالات التي جعلت سويسرا عاجزة عن ممارسة ديمقراطيتها الكاملة.

عبر المحيط الأطلسي، وفي أمريكا اللاتينية، تستعد الكثير من البلدان حالياً للاحتفال بأحداث تذكارية مُماثلة. ففي كوستاريكا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس تم تقديم حق المرأة في الاقتراع منذ عام 1921 عندما حاولت هذه الدول إنشاء جمهورية اتحادية مشتركة. لكن هذا الاتحاد انهار بعد مرور عام واحد فقط، مما أفقد النساء فرصتهن في المشاركة بشكل فعال في التصويت السياسي. وفي الولايات المتحدة، أشارت احتفالات العام الماضي بمناسبة الذكرى المئوية لحصول المرأة على حق الاقتراع أيضاً إلى كيفية ترافق هذا التقدم مع فرض قيود جديدة على تصويت غير البيض و المهاجرين.

هذه الحقائق التاريخية تشير إلى حقيقة صعبة، هي أن حق الاقتراع يمثل إشكالية للديمقراطية، لأنه يمزق تناقضاً جوهرياً بداخلها يتمثل بالأنانية مقابل الإيثار. وبالإمكان فهم هذا التناقض بشكل أفضل إذا نظرنا إلى جذور المصطلح الإنجليزي لحق الاقتراع (suffrage) المشتقة من الكلمة الفرنسية القديمة (sofrage)، والتي تعني "الشفاعة" أو "المناشدة بالنيابة عن طرف ثالث".

من هنا جاء التناقض الديمقراطي: فالديمقراطية جذابة لأنها تتيح لنا أن نحكم أنفسنا ونصوت وفقاً لمصلحتنا الذاتية. لكن الديمقراطية - على عكس مقاييس "محيط الخصر" الأمريكي أو المواد الصلبة تحت الحرارة - لا تتوسع  لوحدها بشكل طبيعي؛ لأن توسيع حق الاقتراع يتطلب منا مشاركة حقوقنا الديمقراطية مع الآخرين، حتى لو أدّى ذلك إلى التقليل من نطاق أصواتنا.

هذا التضارب الأبدي للمصالح الداخلية للديمقراطية - حيث الأنانية ونكران الذات في نفس الوقت - هو السبب في عدم قيام أي مجتمع بشري حتى الآن بمنح حقوق التصويت للجميع. ولجعل حق الاقتراع شاملاً حقاً، يتعيّن على المواطنين وحكوماتهم التخلي عن سلطة تقرير من يحق له التصويت. إن حق الاقتراع يجب أن يكون حقاً عالمياً من حقوق الإنسان يُمنح تلقائياً عند الولادة.

من الحق العالمي إلى الممارسة العالمية

لكن تحقيق هذا النوع من العالمية لا يخلو من صعوبات. لحسن الحظ، فإن حق التصويت مُدرَج بالفعل في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي الاتفاقيات الدولية الأخرى ايضاًرابط خارجي. لكن من المعروف أن إنفاذ حقوق الإنسان الدولية ليس سهلاً البتة. وبالتالي، سيتطلب الاقتراع العمومي معاهدة دولية، أو اتفاقية أخرى، لا توقِّع عليها الدول فَحَسب، ولكن أيضاً الحكومات على جميع المستويات السياسية (أي المقاطعات والمناطق والمدن).

تفاصيل مثل هذه المعاهدة أو الاتفافية سوف تكون قابلة للنقاش، لكنني أود أن أقترح بَندين أساسيين: أولاً، أن يتمتع كل إنسان بحق الاقتراع في البلد الذي يحمل جنسيته. ثانياً، أن يكون لكل فرد الحق في التصويت على المستوى المحلي (أي البلدية) بغض النظر عن المجتمع الذي يعيش فيه وعن الوضع القانوني الذي يتمتع به.

الآثار الناجمة عن هذا التغيير في النموذج ستكون جذرية. وسوف يشكل ذلك تقدماً كبيراً للإفراد المَسجونين أو المُدانين السابقين، الذين غالبا ما تكون حقوقهم في التصويت مُقيّدة. والأهم من ذلك، هو أن الاقتراع العمومي سوف يكون أكبر توسّع لحقوق الأطفال في تاريخ البشرية.

من المُحتَمَل أن تظهر هناك مُعارضة قوية حول مسألة مَنح الأطفال الصغار هذا الحق، سيما وأن سن التصويت الأكثر شيوعاً في العالم هو 18 عاماً بشكل عام. وفي الوقت الحاضر، تسمح الأرجنتين والنمسا والبرازيل والإكوادور ونيكاراغوا واسكتلندا وويلز، وربما سويسرا في المستقبل القريب أيضاً بالتصويت في سن ستة عشر عاماً. وإذا كان لا بد من التوصل إلى حل وسط، فإنني أقترح إما عمر خمسة عشر عاماً - وهو السن الذي تولى فيه الدالاي لاما سلطاته الدنيوية، وأعلنت فيه غريتا ثونبرغ الاضراب المدرسي الأول لمواجهة آثار تغيّر المناخ، أو ثلاثة عشر عاماً، العمر الذي بدأت فيه آن فرانك بكتابة مذكراتها.

الاتحاد الأوروبي يقود الطريق

علاوة على ذلك، فإن مَنح حَق التصويت لجميع المُقيمين في أي بلد من شأنه أن يوفر حماية كبيرة لحقوق المهاجرين، الذين يتعرّضون الآن لتهديد متزايد في جميع أنحاء العالم.

وكما تشير إحدى الدراسات الاستقصائية، توجد هناك اليوم خمس وأربعون دولة على الأقل تسمح للمقيمين فيها من غير المواطنين بالتصويت في انتخاباتها المحلية أو الإقليمية أو حتى الوطنية. وهذا يشمل أستراليا، وأجزاء من أمريكا اللاتينية، وبعض البلديات الأمريكية، وعددا من الكانتونات والبلديات السويسرية، والاتحاد الأوروبي. وقد ضمن الأخير حقوق التصويت المحلية لجميع المقيمين من مواطني الدول الأعضاء الأخرى منذ معاهدة ماستريخت (عام 1992).

يشير النجاح المستمر لقاعدة الاتحاد الأوروبي إلى أننا سنقترب أكثر مع بعضنا البعض عندما تتجاوز حقوق التصويت لدينا الحدود الوطنية. وعلى نفس المنوال، يمكن للاقتراع العام الحقيقي - وهو مبدأ يُمَكِّننا من التصويت في المكان الذي نعيش فيه ونحمل جنسيتة - أن يُوحّد عالماً مُنقسِماً ويجعله أكثر ديمقراطية.

بصفته كاتب عمود حول الديمقراطية في موقع SWI swissinfo.ch ومساهما في منتدى أفكار Zócalo Public Squareرابط خارجي، يناقش جو ماثيوز بانتظام المسائل ذات التوجّه المستقبلي المتعلقة بكيفية ممارسة الديمقراطية في سويسرا والولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.