Navigation

ما الذي يُمكن لسويسرا أن تفعله حيال التنافُس بين الولايات المتحدة والصين

سبق للرئيس الأمريكي جو بايدن أن التقى مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في عدة مناسبات، بما في ذلك خلال زيارة صينية رسمية إلى واشنطن في عام 2015، عندما كان نائباً للرئيس في إدارة باراك أوباما. Copyright 2021 The Associated Press. All Rights Reserved.

في التاسع عشر من مارس 2021، تم الكَشف عن أول استراتيجية لسياسة الحكومة السويسرية الخارجية تجاه الصينرابط خارجي، ثالث أكبر شريك تجاري للكنفدرالية. ويأتي هذا الإجراء في وقت تُطَوِر فيه الولايات المتحدة خِطَّتها الخاصة للتعامل مع دولة أطلق عليها الرئيس الأمريكي جو بايدن لقب "أخطر مُنافس لأمريكا".

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 أبريل 2021 - 11:00 يوليو,

لطالما كان تَطوير إستراتيجية مُنَسَّقة لإدارة العلاقات مع القوة الآسيوية مَطلَباً للبرلمانيين السويسريين. لكن الحكومة السويسرية لم تَشرَع في صياغة مثل هذه الاستراتيجية إلا خلال العامين الماضيين فقط، الأمر الذي يعود جُزئياً إلى رغبتها في تحسين تنسيق السياسات بين الإدارات الفدرالية المختلفة [الوزارات] والكانتونات.

من المُحتَمَل أن تكون إحدى القضايا التي تتناولها الاستراتيجية هي المُنافسة المُتزايدة بين الولايات المتحدة والصين. ووفقاً لوكالة الاستخبارات السويسرية، تنشط القوتان العُظميان لإنشاء مناطق نفوذ إستراتيجي.

وفقاً لـلدبلوماسي البريطاني السابق إيان بوند، اعتادت الولايات المُتحدة ودول أخرى - بما في ذلك سويسرا - على الاعتقاد بأن الصين، ومع تَحَوُّلها إلى بلد أكثر ازدهاراً، سوف تُنَفِّذ إصلاحات مؤسسية لتحقيق التكامل مع أنظمة الدول الغربية. لكن هذا الأمل تَبَدَّد منذ فترة طويلة، حيث تَعتَبر الولايات المتحدة الصين خَصماً استراتيجياً، كما يتفق الحِزبَان الجمهوري والديمقراطي على أن النهوض الاقتصادي والطموح العسكري لـ "إمبراطورية الوسط" يشكلان تهديداً للمصالح الأمريكية.

"هذا التنافس هو الذي سيُشَكِّل العقود القادِمة"، يقول بوند، الذي يشغل منصب رئيس السياسة الخارجية في مركز الإصلاح الأوروبيرابط خارجي، وهو مؤسسة فكرية مؤيّدة لأوروبا.

التنافس بين القوتين العظميين يُمَثِّل أيضاً تحدياً لدول أخرى على الهامش - بما في ذلك سويسرا - تريد تَجَنُّب الوقوع في شراك الصراعات الاقتصادية، مع الحفاظ على علاقات جيّدة مع كلتا الدولتين في نفس الوقت.

من جانبه، قال الرئيس الأمريكي بايدن إن نَهج بلاده لمواجهة الصعود القوي والواثق للصين سيكون مَزيجاً من التعاون، "عندما يكون ذلك في مصلحة أمريكا"، والمنافسة، "من خلال العمل مع الحلفاء والشركاء". وبينما حَذَّر نظيره شي جين بينغ من محاولة إنشاء تحالف للضغط على بلاده، عزَّزَت الصين أنشطتها الاقتصادية بإعلان أكبر تحالف للتبادل التجاري الحُرّ مُكوّن من خمس عشرة دولة آسيوية. وتضم هذه الكتلة نحو ثلث الأنشطة الاقتصادية في العالم.

وفي ظل هذا الوضع الجديد الذي تسوده التوترات بين قوتين عُظميين، تتساءَل سيمونا غرانو، أستاذة علم الصينيات بجامعة زيورخ عن الإتجاه الذي يجب على البلدان الصغيرة أن تسلكه؟ "هل تحافظ على الحياد، أم تشكل تحالفاً مع هذه القوى العظمى أو تلك"؟

آمال ومخاوف اقتصادية

بالنسبة للسويسريين، سوف يكون الاقتصاد أحد المحاور الرئيسية في التعامل مع هذا التنافس. وكما تقول غرانو: "سوف يكون التركيز قبل كل شيء على الحفاظ على علاقات اقتصادية جيدة، وهو أحد المهام الرئيسية للسياسة الخارجية للحكومة". صحيح أن الولايات المتحدة هي ثاني أكبر شريك تجاري لسويسرا (بعد الاتحاد الأوروبي)، لكن أحداً لا يريد تعريض الوصول إلى السوق الصيني الضخم للخطر.

كانت تجارة السلع بين الصين وسويسرا قد شهدَت زيادة كبيرة وسريعة في السنوات الأخيرة مع دخول اتفاقية التجارة الحُرّة الموَقَعة بين البلدين حيِّز النفاذ في الأول من يوليو 2014. كما وقَّع البلدان في عام 2019 مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في التجارة والاستثمار في إطار "مُبادرة الحزام والطريقرابط خارجي" (يُشار إليها اختصارا بـ BRI)، وهو برنامج صيني واسع النطاق لتهيئة وتأهيل البُنية التَحتية البَرّية والبَحرية في بلدان ثالثة.

محتويات خارجية

بالفعل، تهتم سويسرا كثيراً باجتذاب المَزيد من الاستثمارات الصينية المُباشرة. وتُعَدّ هذه الاستثمارات مُتَواضِعة إلى حدٍ ما حالياً (14,8 مليار فرنك، أو 16 مليار دولار، في عام 2019) مُقارنة بالاستثمارات السويسرية في الصين (22,5 مليار فرنك). لكن، وكما هو الحال في العديد من الدول الأخرى، يوجد هناك أيضاً قلق مُتزايد في الكنفدرالية بشأن حماية الملكية الفكرية من القوى الأجنبية.

وبعد استحواذ الشركة الكيميائية الوطنية الصينية، والمعروفة باسم ‘كيم تشاينا’ (Chem China) على شركة ‘سنجنتا’ (Syngenta) السويسرية المُتخصصة فى المبيدات الحشرية والبذور في عام 2016، أقَرَّ البرلمان السويسري اقتراحاًرابط خارجي في عام 2019 يُطالب الحكومة بِوَضع الأساس القانوني للإشراف على الاستثمارات الأجنبية المُباشرة وإنشاء سُلطة رقابية.

يعتقد داميان مولَّر، عضو مجلس الشيوخ من الحزب الليبرالي الراديكالي الذي يرأس لجنة الشؤون الخارجية في الغرفة العليا للبرلمان، أن سويسرا يُمكن أن تجد أرضية مُشتركة مع الاتحاد الأوروبي بشأن هذه المسألة، سيما مع استحواذ الشركات الصينية على العديد من شركات التكنولوجيا الفائقة هناك، واستثمارها في البُنية التحتية الرئيسية للاتحاد.

وكما قال: "نحن في سوقٍ حُرّة، وبالتالي لا يُمكننا أن نَمنَع رأس المال الأجنبي من الاستحواذ على الشركات السويسرية، لكن يتعيّن علينا إيجاد طريقة على مستوى القارة بأكملها لِحَمل الصين على الإلتزام بالقواعد".

في عام 2019، وصف الاتحاد الأوروبي الصين بـ "المُنافس المنهجي" والخصم الاقتصادي. وبناءً على ذلك، دخلت لائحة مراجعة الاستثمار التي تهدف إلى "حماية المصالح الإستراتيجية للاتحاد الأوروبي" حيز التنفيذ في عام 2020.

قيمٌ مشتركة

وفقاً لـ سيمونا غرانو، فإن الاستراتيجية التي يُرَوِج لها الرئيس الأمريكي الجديد، والتي تهدف إلى تشكيل إئتلاف من الحلفاء لمواجهة الصين في القضايا الساخنة، مثل الممارسات الاقتصادية غير العادلة، هي أمر منطقي بالنسبة لسويسرا، ليس فقط لأنها ستكون أكثر فاعِلية مما لو كان عليها التعامل [مع العملاق الصيني] بمفردها، ولكنها يمكن أن تُجَنِّب بلداً صغيرا [مثل سويسرا]ً أي انتقام اقتصادي مُكلِفٍ من جانب الصين، كما كان الحال مؤخراً بالنسبة للسويد وأستراليا.

وبحسب غرانو، "يجب توخي الحذر عند التعامل مع الصين لتفادي إثارة غضبها، لأنها قد ترد بقوة لإعطاء إشارة إلى الدول الأخرى أيضاً".

مع ذلك، لا تبدي جميع الدول الأوروبية استعدادها للعمل معاً. وهكذا مثلاً، رَحَّبَت بعض الدول التي تُعاني من ضائقة مالية بالاستثمارات الصينية، بما في ذلك مبادرة "الحزام والطريق" [التي تُعرف أيضاً باسم طرق الحرير الجديد]. كما استغلت الصين التَبَعية الاقتصادية لبعض الدول لتعزيز مصالحها في المُنتديات مُتعددة الأطراف. وعلى سبيل المثال، صَدَمَت اليونان جيرانها في عام 2017 على نحو غير مُتوقع، عندما منعت صدور بيان من الاتحاد الأوروبي في الأمم المتحدة ينتقد انتهاكات حقوق الإنسان في الصين.

"يُفكر الصينيون بشكل استراتيجي للغاية عندما يَعرضون المُساعدة على بلدان أخرى"، يقول إيان بوند. وكما يضيف الدبلوماسي البريطاني السابق: "نحن بحاجة إلى تغيير الحوافز بالنسبة للصين لكي يكون بمقدورنا التعاون معها بشكل أفضل ضِمن الأُطُر القائمة".

وكما كتب بوند وزملاؤه في موجز سياسي لعام 2020، سَمَحَ الموقف العدائي للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تجاه المؤسسات الدولية مُتعددة الأطراف بِتَمكين الصين من تأكيد دورها القيادي العالمي وإملاء أجندة الأمم المتحدة "بِطُرُق لا تتماشى مع أولويات أو قِيَم الاتحاد الأوروبي".

من جانبها، ترى سيمونا غرانو أن تصرفات الصين إنما هي "تقويض للنظام الحالي مُتَعَدِّد الأطراف". وهي تُشبهها بـ"نظامٍ بديلٍ موازٍ للأنظمة الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والأمنية القائمة في العالم".

ووفقاً لـ بوند، "يوجد هناك اختلافٌ واضحٌ للغاية في القِيَم بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة والصين من جهة أخرى" على الرغم من التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، واستياء البيت الأبيض من اتفاقية الاستثمار الأخيرة المبرمة بين الصين والاتحاد الأوروبي.

وكما قال، يُمكن لدولٍ مثل سويسرا، واستناداً إلى القِيَم والمصالح الديمقراطية المشتركة، التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات مثل الملكية الفكرية، والأمن السيبراني، وحقوق الإنسان للضَغط على الصين.

مسألة بقاء

بالإضافة لما سبق، يُمكن للرأي العام أيضاً أن يلعب دوراً في ردود أفعال الدول تجاه التنافس بين الولايات المتحدة والصين، سيما مع تَشويه بعض الأحداث الأخيرة، مثل التقارير عن الانتهاكات المُنهجية لحقوق الإنسان ضد أقلية الأويغور، واعتقالات النشطاء المؤيدين للديمقراطية في هونغ كونغ، والمعلومات المتناقضة والمراوِغة بشأن مصدر جائحة كوفيد-19، لِنَظرة الدول الغربية إلى الصين.

بالنسبة لدولة مثل سويسرا، التي يَتَعيّن على الأحزاب السياسية فيها أن تحكم بالإجماع رُغم اختلافها بشأن النَهج الذي ينبغي اتباعه، لَنْ يكون تحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية والدَعوات لاتخاذ موقف مُناهض لانتهاكات حقوق الانسان بالأمر السَهل بِحَسب غرانو. وتتوقع أستاذة علم الصينيات بجامعة زيورخ أن تَسلك استراتيجية الصين الجديدة طريقاً وسطياً إلى حدٍ كبير، تمشياً مع ورقة بحثية نُشِرَت في فبراير 2021 من قبل الحزب الليبرالي الراديكالي، الذي ينتمي إليه  إينياتسيو كاسيس، وزير خارجية الكنفدرالية.

يُؤكد نَص حزب وسط اليمين على رغبة سويسرا في إبقاء جميع الخيارات مَفتوحة. وكما جاء فيه، فإن سياسة سويسرا تجاه الصين يجب أن تكون مُستقلة من حيث المبدأ، على الرغم من ضرورة  تنسيقها مع سياسة الاتحاد الأوروبي، لأن هذه هي "الطريقة الوحيدة التي تُسَخِّر فيها البلاد مزايا الحياد وتضطلع بدورها الكلاسيكي كوسيط".

وكما لخص مولَّر المعضلة قائلاً: "لدينا علاقات جيّدة مع الولايات المتحدة، وعلاقات جيّدة مع الصين. لكن علينا توخي الحَذَر حتى لا يبدو أننا نعمل مع دولة واحدة فقط، أو أننا توقفنا عن التعاون مع دولة أخرى". وكما أضاف العضو في مجلس الشيوخ: "لن  يكون العَمل معاً مُمكناً إلا من خلال الحوار المُستمر وقواعد السلوك الواضحة".

بمرور الوقت، قد يصبح الضَغط على سويسرا للانضمام إلى طرَف دون آخر غير مُحتمَل. لكن البلاد تهدف في الوقت الراهن إلى تجنّب الوقوع في أتون صراع أيديولوجي على السلطة.

"تريد سويسرا أن تظهر بمظهر الدولة ‘غير المنحازة إلى أحد الأطراف’ وترغب في نفس الوقت بتحقيق أقصى استفادة من القوتين العُظميَيْن. وفي النهاية فإنها تفعل ما في وسعها من أجل البقاء"، كما تقول غرونو مُختتمة حديثها. 

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.