نظام الميليشيات في سويسرا.. تقليد عريق يُواجه تحديات معاصرة

يُفهم مبدأ عمل الميليشيات في سويسرا على أنه مهمّة يقوم بإنجازها مواطنون لصالح المجتمع بشكل إضافي إلى جانب مزاولتهم لنشاطهم المهني العادي. هذا النظام ليس الأساس الذي يقوم عليه تنظيم الجيش الفدرالي فحسب، ولكن أيضًا التنظيم السياسي والمؤسساتي للبلد. Keystone

يُعتبر ما يُسمى "نظام الميليشيات" واحدة من الركائز الأساسية للديمقراطية التشاركية السويسرية. لكن ما الذي يكمن وراء هذه التسمية التي ترتبط في الأذهان خارج الكنفدرالية بالمجموعات المسلحة غير النظامية؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 نوفمبر 2019 - 07:30 يوليو,
سونيا فيناتزي سونيا فيناتزي

ما هو المقصود بالضبط؟

End of insertion

يشير القاموس التاريخي لسويسرا إلى أن "تعبير نظام الميليشيات يُشير إلى مبدإ تنظيمي واسع النطاق في الحياة العامة السويسرية، يقوم على الفكرة الجمهورية القائلة بأنه يجب على كل مواطن مؤهل أن يتحمّل، على أساس فخري أو ثانوي، وظائف وواجبات عامة".

باختصار شديد، يُمكن القول أن مصطلح "الميليشيات" في السياق السياسي والمؤسساتي السويسري يُفهم على أنه عكس الاحتراف. إن المواطنين هم الذين يُشكّلون الدولة. وهي دولة تشاركية ديمقراطية لا يتمتع المواطنون فيها بالحق في التصويت والانتخاب فحسب، بل أيضًا بواجب تولي مهام ومسؤوليات.  

ما هو مصدره الأصلي؟

End of insertion

مصطلح الميليشيا مستمد بوضوح من المفردات العسكرية، من كلمة Militia اللاتينية. وبالفعل، تم تطبيق نظام الميليشيات السويسرية لأول مرة في السياق العسكري. لقد كان استعادة للمبدإ الجمهوري القاضي بتسليح الشعب بدلاً من الاحتفاظ بقوات ملكية دائمة. وقد تم تنفيذ هذا النوع من التجنيد في وقت مبكر من العصور الوسطى المتأخرة من قبل كانتونات الكنفدرالية كل على حدة.

في وقت لاحق، تم تكريس مبدأ جيش المواطنين في الدستور السويسري لعام 1798. ومع ولادة الدولة الفدرالية الحديثة، تم ترسيخ مبدإ الخدمة العسكرية الإلزامية وحظر وجود قوات عسكرية دائمة في دساتير عامي 1848 و 1874. وفي إطار المراجعة الشاملة التي أجريت في عام 1999، نص الدستور الفدرالي صراحة على أن "الجيش السويسري منظم بشكل أساسي وفقًا لنظام الميليشيات".

توسّع إلى المجال السياسي..

End of insertion

يعود تاريخ توسّع نظام الميليشيات إلى المجال السياسي إلى الحقبة التي تُعرف في التاريخ السويسري بـ "نظام الحكم القديم". فمنذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، قامت بعض الكانتونات بتطبيق هذا النظام على مستوى البلديات والإدارة المحلية حيث تمت دعوة المواطنين إلى تحمل مسؤوليات لفائدة المجتمع في جميع الشؤون ذات الطابع العام. في هذا الصدد، تم إسناد مناصب وواجبات عمومية لهم، بما في ذلك تلك التي تتسم بقدر لا بأس به من الأهمية، لفترات زمنية معينة، وكانوا يقومون بأدائها على أساس فخري أو مقابل رسوم زهيدة جدا.

وبعد أن تم إدماجه في عملية دمقرطة تسميات السلطات الكانتونية في القرن التاسع عشر، تمكن مبدأ نظام الميليشيات من إيجاد موطئ قدم له في الهندسة السياسية والمؤسساتية السويسرية على جميع المستويات، أي البلدية والكانتونية والفدرالية.


اعتمده المجتمع المدني.. 

End of insertion

نظام الميليشيات تغلغل أيضا داخل المجتمع المدني السويسري. فما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، توالدت الجمعيات والروابط والمؤسسات التي تقدم خدمات عامة أو التي تنخرط في أنشطة اجتماعية تقوم على أساس التطوع. في هذا المجال، تساوق نظام الميليشيات بشكل جيّد مع مفهوم العمل الخيري في الديانة المسيحية ومع مبادئ الدعم المتبادل والتحرر التي روّجت لها الحركات الاشتراكية.

تراجُــع 

End of insertion

رغم كل شيء، اتسم القرن العشرين بتراجع بطيء لمدى استعداد المواطنين لتقلد مناصب سياسية وتقديم خدمات طوعية للمجتمع إلى جانب ممارستهم لأنشطتهم المهنية العادية. وهي ظاهرة تسارعت وتيرتها منذ بداية القرن الحادي والعشرين، بالتوازي مع طغيان الفردانية في المجتمع وحركيّة السكان القوية ومطالب عالم الشغل المتكاثرة.

على الرغم من أن نظام الميليشيات في المهام السياسية الانتخابية لا يزال راسخًا في العقلية الجماعية، إلا أنه يفقد في الواقع المزيد من العناصر والزخم. فعلى مستوى الهيئات التنفيذية، لا يُمارس هذا النظام حاليا إلا في البلديات الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي تُواجه أعدادٌ متزايدة منها صعوبات جمّة في العثور على مُواطنين مستعدين لتحمل مسؤوليات رئيس بلدية أو عُمدة مدينة أو عضوية اللجان.

على مستوى المجالس التشريعية المحلية والكانتونية، لا زال نظام الميليشيات القاعدة المعمول بها في جميع الكانتونات والبلديات السويسرية، لكن حجم العمل المطلوب ينمو باستمرار ومن المحتمل أن يُسجّل الاحتراف ظهوره هنا أيضًا في مستقبل غير بعيد. أما بالنسبة لأعضاء البرلمان الفدرالي، فعلى الرغم من أنهم ما زالوا يُعرّفون أنفسهم كميليشيات، إلا أنهم أضحوا ساسة محترفين أو شبه محترفين في الواقع. فهم يُخصّصون فعلا الجزء الأكبر من وقت عملهم للقيام بالأنشطة البرلمانية، التي يحصلون مقابلها على أجر لائق.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة