Navigation

عندما يُصبح جسم الإنسان مُولّـدًا كهربائيًا

Yagi Studio Getty Images

طوّرت شركة سويسرية ناشئة ومبدعة تقنية تحوّل حرارة جسم الإنسان إلى كهرباء، فهل سنتمكن مستقبلًا من شحن أجهزتنا بالطاقة التي نُنتجها بشكل طبيعي - ومجّانًا - كل يوم؟ 

هذا المحتوى تم نشره يوم 27 أبريل 2021 - 11:00 يوليو,

دعونا ولو للحظات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والكتلة الحيوية والطاقة الكهرومائية: ماذا لو كانت مصادر الطاقة المتجددة في المستقبل... من البشر أنفسهم؟ فكلنا يعلم أن أجسامنا تُـولّـد الحرارة ، وهو ما يبدو واضحًا لنا حين يكون أحدنا في فراشه مُصابًا بالحمى أو بعد القيام بمجهود بدني، فخاصية امتلاك طاقة حرارية كامنة هي ما يُميزنا عن الزواحف وغيرها من الحيوانات ذوات الدم البارد.

"في كل يوم، يُطلق الشخص البالغ في المتوسط ثلاثة كيلوواط / ساعة من الطاقة، وبإمكان هذا القدر من الطاقة تشغيل جهاز تلفزيون مجهز بشاشة إل سي دي طيلة ثلاثين ساعة"

فرانكو ميمبريني، شركة ميتراس

End of insertion

إلا أنه يغيب عن البال تمامًا، أن هذه الحرارة الكامنة في جسم الإنسان يُمكن جمعها وتحويلها إلى كهرباء. ومع أن الفكرة ليست جديدة، ولكنّ لم تتوصل الأبحاث إلا في السنوات الأخيرة إلى تطوير أجهزة عالية التقنية متوافقة مع التطبيقات العملية وحاجة السوق، كما في قطاع تكنولوجيا الملبوسات، كالساعات الذكية وأساور اللياقة البدنية، وتلك الطبية.

ومن بين الذين يريدون اقتحام هذه السوق المزدهرة، نجد شركة ناشئة تابعة للمعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ تأسّست في عام 2018: "لطالما راودني حلم أن أصنع شيئًا ذا أثر عظيم، وانصبّ اهتمامي على قطاع التكنولوجيا"، هكذا صرّح لـ SWI swissinfo.ch، فرانكو مِمْبريني مؤسّس شركة ميتراس ومديرها التنفيذي، إذ على الرغم من كونه حاصلًا على درجة الماجستير في التاريخ، إلا أنه بقي مُولعًا بفكرة الاستفادة من حرارة جسم الإنسان، فقد تفطن منذ البداية إلى "الإمكانات الهائلة لهذا الشكل من أشكال التوليد اللامركزي للطاقة الكهربائية"، كما يقول.

10٪ من طاقة العالم من جسم الإنسان

في المتوسط، تعادل الطاقة الحرارية المنبعثة على الدوام من جسم الإنسان طاقة مصباح كهربائي قدرته 100 واط. وفي السياق، يشرح رجل الأعمال الشاب أن "الشخص البالغ يطلق كل يوم في المتوسط ثلاثة كيلوواط / ساعة من الطاقة، وأن بإمكان هذا القدر من الطاقة تشغيل تلفزيون مجهز بشاشة إل سي دي طيلة ثلاثين ساعة"، مُضيفًا بأن جسم الإنسان هو محطة توليد كهرباء متنقلة تنتج الطاقة عن طريق الحركة والحرارة.

عادة، يتشتت أكثر هذه الطاقة في البيئة المحيطة، وهذه "الطاقة المُهدرة" هي بالتحديد التي تهدف إلى استعادتها الشركة اليافعة التي يوجد مقرها في مدينة خور عاصمة كانتون غراوبوندن، بواسطة مولد كهروحراري يستغل فرْق درجة الحرارة بين سطح الجلد، أي حوالي 32 درجة مئوية، والجو المحيط، لإنتاج الكهرباء من خلال ظاهرة فيزيائية يُطلق عليها (تأثير سيبيك). في الفيديو التالي توضيح لسير العملية:

محتويات خارجية

"المهم هو الفرق في درجة الحرارة بين سطح الجسم والبيئة المحيطة، إذ كلما زاد هذا الفرق زادت الطاقة المنتجة، سواء أكنت في منطقة قطبية أو في صحراء" ، وفق قول فرانكو مِمْبريني، الذي يضيف بأن "وجود فرق في درجة مئوية واحدة كافٍ لبدء إنتاج الكهرباء".

الشاب البالغ من العمر تسعة وعشرين عامًا أشار إلى أن التقاط كامل الطاقة الحرارية المنبعثة من جسم الإنسان وتحويلها إلى طاقة كهربائية بكفاءة 100٪، أمر مستحيل "ومع ذلك، تمثل المولدات الكهروحرارية نهجًا واعدًا وذو إمكانيات هائلة"، على حد قوله. ووفق الحسابات التي قامت بها شركة ميتراس، يُمكن للحرارة المتولّدة عن أكثر من سبعة مليارات نسمة، يقطنون كوكب الأرض، أن توفر 10 ٪ من إجمالي الطاقة المُستهلكة في العالم.

تحسين تقنية منسيّة

في الحقيقة، لا يُمكن القول أن الفكرة جديدة، فقد حاول الباحثون والمهندسون استخدام جسم الإنسان كمصدر للطاقة المتجددة منذ بداية القرن العشرين، كما أوضح فرانكو مِمبريني، وقدّم كمثال على ذلك أجهزة الإرسال اللاسلكية ذات الشحن اليدوي المستخدمة منذ أربعينيات القرن الماضي، لكن التقدم في مجال البطاريات أدى إلى غضّ الطرف عن الأنظمة التي تعمل بالطاقة البشرية.

حاليًا، وبفضل التطورات الأخيرة في علم المواد والأجهزة الملبوسة ذات التردد المنخفض، عادت الطاقة التي تنتجها أجسامنا إلى بؤرة الاهتمام، ويقول مِمبريني: "ضمن شركة ميتراس انطلقنا من تقنية موجودة وقمنا بتحسينها".

من جهة أخرى، فإن ظاهرة تأثير سيبيك معروفة منذ زمن، كما يقول رينيه روسّي، مدير معمل المحاكاة الحيوية والمنسوجات التابع لمركز الفحص الفدرالي لاختبار المواد والأبحاث (EMPAرابط خارجي) لـ SWI swissinfo.ch، مضيفا أن "الذي حدّ من تطبيقاتها حتى الآن هو مسألة فعالية النظم، ولو أمكن الوصول من مستوى ميلي واط إلى بضعة أعشار الواط، فقد يبدأ الموضوع في اكتساء أهمية بالغة من الناحية التجارية".

وأشار إلى أن البحوث تتقدم في الوقت الحالي على عدة أصعدة: "فعلى سبيل المثال، نقوم بتطوير أقمشة ذكية تسخّر الطاقة الشمسية، وتحاول مجموعات بحثية أخرى استعادة الطاقة الميكانيكية وتحويلها إلى طاقة كهربائية بواسطة مولدات مُدمجة في نعال الأحذية".  

تأثير سيبيك: بين خيبات وابتكارات

ينشأ ما يُعرف بـ "تأثير سيبيك" عن تمرير تيار كهربائي في دائرة مكونة من مادتين (معادن أو أشباه موصلات) لكل منهما درجة حرارة مختلفة عن الآخر.

في عام 1980، طرحت شركة بولوفا في السوق ساعة "ثيرماترون Thermatron ، وهي ساعة ذات محرك يعمل بالطاقة المُنتجة من حرارة الجسم تم تطويره في مدينة بيل/بيين (كانتون برن)، ثم تم التوقف عن إنتاجها لأسباب فنية.

في عام 2009، فاز المهندس وولف غلاتس، من المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، بجائزة "البحوث الكهربائية السويسرية" لتطويره مولدا كهربائيا حراريا يستغل فرق درجة الحرارة بين الهواء ومصدر حراري.

في عام 2013 ، وخلال فعاليات مهرجانٍ لموسيقى الروك، عرضت شركة فودافون للاتصالات وجامعة ساوثهامبتون كيس نوم يستخدم الحرارة البشرية لإعادة شحن بطارية الهاتف الخلوي.

كذلك تُستخدم المولدات الكهروحرارية في الفضاء، إذ تمّ بواسطتها تشغيل المسبارين الفضائيين فوييجر وغاليليو، كما تم تركيب أحد أحدث هذه الأجهزة على مركبة بيرسيفيرانس التي هبطت مؤخرًا على سطح المريخ.

End of insertion

الشحن أثناء النوم أيضًا

تتمحور جهود شركة ميتراس حول فكرتين، الأولى مولد كهروحراري على هيئة سوار معصم يمكن استخدامه لشحن الأجهزة المحمولة حيث يمكن وصل المولد مباشرة ببطارية الجهاز المحمول ليشكل حلًا متكاملًا، وكما يؤكد فرانكو ميمبريني، فإن الشرط الوحيد لإنتاج الطاقة الكهربائية هو أن يكون الجهاز المحمول مُلامسًا للجسم: "ولا يهمّ ما إذا كنت تشرب القهوة أو تمارس نشاطًا بدنيًا أو نائما، فالبطارية تشحن تلقائيًا".

في الوقت الراهن، تضم الشركة السويسرية ستة موظفين، وتسعى للتركيز بشكل أساسي على الأجهزة الطبية نظرًا لاستهلاكها المنخفض للطاقة، ويقول ميمبريني: "نود أن تكون مضخات الأنسولين والمعينات السمعية، والمستشعرات الحيوية التي تراقب درجة حرارة الجسم والوظائف الحيوية فيه، مستقلة في تأمينها للطاقة"، وبذلك، يُمكن تجنب المشاكل الناجمة عن تعطّل البطاريات والعمليات الجراحية المحتملة لاستبدالها.

وأيضًا، من التطبيقات المُمكنة الهواتف المحمولة، رغم أنها لا تدخل في الوقت الحاضر ضمن أولويات شركة ميتراس، ووفق ميمبريني فإن "الهاتف الذكي يستهلك قدرًا كبيرًا (من الطاقة) مقارنة بالمقترحات الأخرى، وفي أحسن الأحوال، يمكننا إطالة عمر البطارية".

محتويات خارجية

في الأثناء، تعتزم شركة ميتراس، الفائزة بجائزة الدورة الأخيرة من مسابقة "Swisstech Pitchinar" ، وهي عبارة عن منافسة بين الشركات السويسرية الناشئة التي تستهدف السوق الصينية، إطلاق منتجها الأول - وهو جهاز استشعار حيوي لمراقبة الوظائف الحيوية - بحلول نهاية العام الجاري.

وأكد ميمبريني قائلا: "نحن على اتصال ببعض الشركات العالمية الكبيرة العاملة في قطاع التكنولوجيا الطبية. وسيتعلق الأمر بأول جهاز من هذا النوع يشتغل حصريًا بالاعتماد على حرارة الجسم".

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.