تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

وفاة معتقل في سجن سويسري تكشف عن اختلالات خطيرة

لفت إسكندر فوخت أنظار وسائل الإعلام إلى وضعيته قبل عاميْن تقريبا عندما حاول إلقاء نفسه من أعلى سجن "بوشوس" في بلدة أورب بين 22 و23 يوليو 2008.

لفت إسكندر فوخت أنظار وسائل الإعلام إلى وضعيته قبل عاميْن تقريبا عندما حاول إلقاء نفسه من أعلى سجن "بوشوس" في بلدة أورب بين 22 و23 يوليو 2008.

(Keystone)

توفي ليلة 11 مارس 2010 إسكندر فوخت مختنقا في زنزانته بأحد السجون السويسرية بمدينة "أورب" Orbe بعد أن أشعل النار في فراشه، وتأخر عملية إنقاذه. وأمام انقسام النخبة السياسية بكانتون فو، وعنف ردود فعل القراء على المقالات التي نشرت حول القضية، بالإضافة إلى التسريبات التي نشرتها وسائل إعلام أجنبية، فتحت العديد من التحقيقات لتسليط الضوء على الوقائع، وتحديد المسؤوليات عما جرى.

عن هذه الحادثة المؤلمة التي ذهب ضحيتها شاب في الثلاثين من العمر، يقول جون بيار رستيليني، عضو الجمعية الأوروبية لمكافحة التعذيب، ورئيس الجمعية السويسرية لمكافحة التعذيب الحديثة التأسيس: "تؤلمني هذه الفاجعة، فهي من الأشياء المنتظرة، وللأسف لا أعتقد أنها ستكون الأخيرة من نوعها".

في تلك الليلة، وبعد تشاجره مع الحراس، أشعل إسكندر النار في فراشه. ولأسباب لا تزال غامضة، تأخرت عملية الإنقاذ لمدة تتراوح بين 30 و90 دقيقة بحسب اختلاف الروايات. فتوفيّ السجين البالغ من العمر 30 سنة، قضى منها 12 عاما بالسجن، مختنقا بالدخان في زنزانته الواقعة في جناح تحيطه إجراءات أمنية مشددة في بلدة "أورب" بكانتون فو.

شتائم وضحكات

حظيت هذه القضية بتغطية كبيرة داخل سويسرا وخارجها خاصة بعد أن نشرت بعض وسائل الإعلام الفرنسية مقتطفات من المكالمة الهاتفية بين مفرزة الحراسة ليلة 11 مارس والأعوان العاملين في مركز الطوارئ حينها. فإذاعة فرنسا الأولى RTL عنونت أحد مقالاتها بموقعها الإلكتروني "سجين سويسري يتوفى في زنزانته تحت ضحكات حراس السجن"، وأرفقت ذلك بمقتطفات من تلك المكالمة، والتي تضمنت شتائم وضحكات كما لو أن شيئا لم يحدث.

مهما كانت النتائج التي سيسفر عنها التحقيق، ما لا شك فيه بالنسبة لريستليني هو أن هذه القضية تفتح الباب للعديد من الأسئلة: إذا كان هذا الرجل "خطيرا إلى هذا الحد"، ألا يكون مكانه المناسب في مصحة نفسية، وليس في السجن، فضلا عن أن يكون في جناح تحيطه إجراءات أمنية استثنائية، أو ان يحكم عليه بالسجن لفترة غير محددة يتم تمديدها سنة تلو أخرى منذ 2001 (نقل خلالها من سجن إلى آخر 23 مرة). وظل طيلة سبع سنوات على هذه الحال دون أن يعرض على خبير نفسي، بدعوى أنه يرفض مقابلة الأخصائيين النفسانيين.

"حيوانات مفترسة"

أما جون – ماري كريتاس، محام بكانتون جنيف فيعلق على هذه الحادثة فيقول: "لو كنت قاضيا لفتحت تحقيقا بتهمة القتل بسبب الإهمال. سيرة هذا الرجل مرعبة ومفزعة، لكن النظام كله خاطئ: نودع الأشخاص في السجن، وينجز الأخصائيين النفسيين تقارير مجردة، لأنه لا أحد منهم مستعدا لتحمّل المسؤولية بعد ذلك، ويستمر سجن الشخص، لأن الجميع يبحث عن السلامة. فيتحوّل هؤلاء الأشخاص إلى حيوانات مفترسة".

هذا هو ما تطالب به بالضبط شقيقة الضحية منذ أكثر من شهر، فقد تقدمت بشكوى قضائية ضد مجهول حتى "تأخذ العدالة مجراها".

لقد أدين ألكسندر فوخت بتهم منها الحرق والتهديد والعنف والسطو، وحكم عليه 20 شهرا بسبب تلك التهم، لكن ما أدى إلى الحكم عليه بالسجن لفترة غير محددة هو عدم احترامه للضوابط والقواعد المعمول بها في السجن، وعدم قدرته على العيش خلف القضبان، وحالته النفسية المضطربة.

هذا الصنف من المعتقلين، بحسب الخبراء، تزايد عددهم لأن نظام الخبرة النفسية قد اتسع، وأصبح يشمل المزيد من الحالات. يؤكد جون بيار رستليني، وجود العشرات من المعتقلين في حالات مشابهة لحالة فوخت.

تكمن الأولوية بالنسبة للجمعية السويسرية لمكافحة التعذيب، وهي منظمة مستقلة بدات نشاطها أوّل يناير 2010، بحسب رئيسها رستليني، ونقلا عن وكالة الأنباء السويسرية هو: "تحديد عدد المعتقلين الذين يعانون من إضطرابات نفسية، ودراسة الأوضاع التي يقضون فيها مدة عقوبتهم".

التمييز بين الإجرام و الخطورة

يعتقد بنيامين براغّر، رئيس قسم المؤسسات العقابية بكانتون نيوشاتيل، من جهته، أن "سويسرا بحاجة إلى ما بين 200 و500 سرير للمعتقلين الذين يعانون من اضطرابات نفسية".

ويضيف براغّر: "لتوفير الإحاطة اللازمة بالمرضى النفسانيين المحكوم عليهم قضائيا، لابد من وجود موظّفين على نفس الدرجة من الخبرة التي يتمتّع بها العاملون في المستشفيات الجامعية، وإطار يتوفّر على إجراءات أمنية مشددة، بسبب احتمال الهروب أو أعادة ارتكاب جرائم وجنح".

تضاف إلى ذلك المادة القانونية 64 من نظام العقوبات السويسري التي تسمح بتجديد فترات السجن متى ما وجد احتمال ضعيف جدا للإخلال بالأمن. وقد اصبحت هذه المسألة حساسة جدا منذ اغتصاب فتاة وقتلها بطريقة وحشية على يد أحد أصحاب السوابق بزيورخ في عام 1985.

من المشروع جدا أن يحمي المجتمع نفسه، لكن أيضا من الضروري، يعتقد جون بيار رستليني التمييز بين الإجرام والخطورة: "أي طبيب مثلي يجد أنه من المعيب جدا أن يرمي المجتمع أشخاصا مرضى في غياهب السجون! ومن الغريب أن نجد أنه من الطبيعي معالجة مريض السل، في حين يختلف الأمر مع المصابين باضطرابات نفسية لأن أعراض مرضهم تبدو على شاكلة أفعال إجرامية. هم أشخاص غير مرغوب فيهم، وعنيفون،...لكن كل ذلك ليس إلا أعراض لأمراضهم. ومن الصعب جدا في مجتمعنا اليوم تخصيص الاعتمادات المالية الضرورية لمعالجتهم، حتى يعودوا إلى حالتهم الطبيعية".

كل أمل هذا الطبيب الحزين للمصير الذي لقيه ألكسندر فوخت "أن تؤدي مأساته إلى توعية المعنيين بالأمر، وأن تكشف لهم إلى أي حد هو فاشل هذا النظام الذي يتمسكون به، وأن تقنع الرأي العام بأن هؤلاء الأشخاص مرضى يمكن معالجتهم".

اما الحلول المفترضة فهي ذات طبيعة سياسية، فالمؤسسات العقابية تطالب جميعها بمزيد من الموارد والإمكانات بما في ذلك الموظفين الأكفاء، لتجنب سوء التصرّف، والقدرة على إدارة جميع الحالات (الإضرابات، والإنتحارات،...).

"الجميع مذنبون"

أكد أحد حراس السجن، من العاملين في مؤسسة خارج أورب، صعوبة ومتاعب هذه المهنة، وعن حالة ألكسندر فوخت، يضيف هذا الحارس الذي فضّل عدم الكشف عن إسمه، في حديث إلى swissinfo.ch: "نعرف جميعا هذا السجين، لانه كان خطيرا. البعض منا كان يخاف منه فطوله يبلغ 1.90 مترا. يضاف إلى ذلك، أن إدارات السجون تتبع قواعد عمل دقيقة، ومن المحظور مثلا الدخول إلى عنبر أحد المساجين ليلا، إذا كان هناك عونيْن فقط".

ويقدم رستليني دورات تدريبية لأعوان الشرطة وحراس السجون حول كيفية التصرّف مع المعتقلين المرضى: "عندما تواجهك حالة من الاكتظاظ في السجن، وتتعامل مع أشخاص يعتدون عليك باستمرار، من الطبيعي أن تتراخى من وقت لآخر. حراس السجن يحتاجون إلى من يدعمهم، وإلى من يوجههم، ويرشدهم، وبالإضافة إلى ما تفعله قياداتهم العليا، يحتاجون كذلك إلى دعم خبراء محايدين من خارج مؤسستهم".

وتعد سويسرا نهاية العام الماضي 6084 سجينا، وتصل نسبة الإشغال داخل المؤسسات العقابية 91% ، وذلك بحسب مصادر المكتب الفدرالي للأحصاء. وإذا كان عدد المعتقلين في الكانتونات الألمانية قد ظل على حاله، فإن هذا العدد قد زاد في سويسرا الناطقة بالفرنسية. وفي العام الماضي أيضا سجلت المؤسسة العقابية اللاتينية، وهي التي تشمل كل من فريبورغ وجنيف وفو ونوشاتيل والجورا والفالي والتيتشينو، 2085 معتقلا لعدد اماكن لا يتجاوز 2082. وحالة الإكتظاظ هذه أوضح ما تكون في ما يتعلق بسجن شون- دولّون بجنيف، حيث نجد به 567 معتقلا في حين لا يتجاوز عدد الأسرة فيه 270 سريرا.

ويختم جون – بيار روسيليني تعليقه بالقول: "من السهل تحميل المسؤولية إلى حراس السجن، أو إلى مدير المؤسسة العقابية، أو حتى إلى وزير العدل، لكن كل هذا النظام يعكس مدى اهتمام الرأي العام ومتابعته، في الحقيقة الجميع مذنبون، ولن يكفي لتغيير هذا الوضع إدانة بعض الأشخاص".

إيزابيل إيشنبرغر – swissinfo.ch

( ترجمه من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

الضحية..مسيرة حياة مأساوية

ولد إسكندر فوخت في 6 مارس 1980 بتونس من أم تونسية وأب سويسري. هذا الأخير تخلى عن عائلته، ولن يعود لها أبدا.

بعد وفاة الأم، وبقاء الضحية وأخته يعيشان في ظل أقربائهما في تونس، قررا سنة 1995 المجيء إلى سويسرا حيث تكفّل برعايتهم قسم حماية الشباب في كانتون فو.

في عام 1996، حكم على إسكندر فوخت بعشرة أيام سجن مع تأجيل التنفيذ بعد ارتكابه لعملية سرقة، وحوكم مرة ثانية سنة 1997 بسبب السرقة واستهلاك المخدّرات. وكشفت دراسة نفسية لحالته على أنه غير مندمج اجتماعيا، وعنيف، لكنه يتمتع بجاذبية.

في عام 1998: منح سراحا شرطيا، فانحرف من جديد (سرقة، واعتداء بالعنف)، وحكم عليه بخمسة عشر شهرا، منها 11 شهرا سجنا نافذة.

في عام 1999: أوصى خبير نفسي بإطلاق سراح الشاب السويسري من أصل تونسي، باعتبار أنه ليس عنصرا خطيرا. بعد ثلاثة أشهر فقط، اعتدى بالعنف على ركاب إحدى الحافلات، فأودع مصحة نفسية، حيث هدد طبيبا شاهرا في وجهه سكينا، فبقي في الإيقاف التحفظي إلى أن حكم عليه سنة 2001.

أشعل إسكندر النار مرتيْن في محتويات زنزانته، وأطلق تهديدات، ووجه لكمات. فكانت نتيجة المعاينة النفسية الثالثة سجنه لمدة غير محددة.

في عام 2001: حكم عليه بعشرين شهرا سجنا نافذة، ومددت فترة الاعتقال من سنة إلى أخرى إلى عام 2009. وقد راكم ألكسندر العقوبات، ونقل من سجن إلى آخر 23 مرة.

10 مارس 2010: بعد مشادة مع حراس السجن، سُحب منه جهاز الراديو الذي كان بحوزته، فأشعل النار في محتويات زنزانته.

نهاية الإطار التوضيحي

قضية سياسية

13 مارس 2010: أكد وزير الداخلية بكانتون فو فيليب لوبا، بأن كل ما جرى كان "طبقا للقواعد المعمول بها".

تم فتح تحقيق إداري، وتقديم شكوى قضائية من طرف عائلة الضحية بسبب ما تعتبره قتل بسبب الإهمال. أثبت الطبيب الشرعي ان الموت كانت بسبب الاختناق (حيث تم إطفاء النار، لكن السجين توفي بسبب الإختناق بالدخان الذي انتشر في الزنزانة بعد الحريق).

16 مارس 2010: نشرت يومية "لوماتان"، الناطقة بالفرنسية والصادرة بلوزان مقتطفات منتسجيل للمكالمة الهاتفية التي جرت بين حراس السجن والأعوان العاملين بمركز الطوارئ، واتضح أن أعوان الأمن كانوا يضحكون، ويطلقون على السجين صفة "وبش".

20 أبريل 2010: النواب البرلمانيون اليساريون في برلمان كانتون فو يطالبون بفتح تحقيق إداري مستقل حول ما جرى بسجن أورب.

23 أبريل 2010: متهما بـ"الإنحياز" للسلطا،تخلى فرانسوا جوميني، القاضي سابقا بكانتون فو، عن الإشراف على سير التحقيق.

وفي 26 أبريل 2010، تم تعيين كلود رويي، الرئيسال سابق للمحكمة الفدرالية مكان جوميني. وقد حدد يوم 15 يوليو القادم موعدا لتسليم نتائج هذا التحقيق.

26 أبريل: ازدياد الضغوط بعد ان أذاعت بعض وسائل الإعلام الفرنسية، كقناة أر تي أل، والإذاعة الفرنسية الأولى، مقتطفات صوتية من المكالمة الهاتفية بين حراس سجن أورب وأعوان الأمن، مما أجبر النائب العام في كانتون فو على فتح تحقيق حول عملية تسريب تلك المكالمة.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×