”سويسرا قالت كلمتها“… فهل يغادر بنك ”يو بي أس“ البلاد؟
تضع القواعد التنظيمية الجديدة ”يو بي أس“ أمام مفاضلة صعبة: الاحتفاظ بمليارات الدولارات كرأس مال إضافي أو تقليص عملياته الدولية.
بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من استحواذ بنك ”يو بي أس“ على منافسه المتعثر ”كريدي سويس“، في عملية إنقاذ دبرتها الدولة، يجد أكبر بنك في سويسرا نفسه مجددًا أمام أسئلة مصيرية بشأن مستقبله.
وفي الشهر الماضي، تلقى البنك ضربة قاسية بعدما أيّد مجلس الشيوخ (الغرفة العليا بالبرلمان السويسري) مقترحًا من شأنه إلزامه بالاحتفاظ برأس مال إضافي قدره 16 مليار دولار.
ولا تزال المقترحات النهائية، التي تهدف إلى منع تكرار أزمة عام 2023، بحاجة إلى موافقة مجلس النواب (الغرفة السفلى). لكن مسؤولي ”يو بي أس“ باتوا مقتنعين بأنهم خسروا المعركة السياسية. وقال شخص مقرّب من قيادة البنك: ”سويسرا قالت كلمتها“.
ولا تترك هذه الهزيمة لـ”يو بي أس“ سوى عدد محدود من الخيارات الجيدة: من الاحتفاظ بمليارات الدولارات الإضافية كرأس مال إلى تقليص عملياته الدولية. وهناك أيضًا الخيار الأكثر جذرية: مغادرة سويسرا تمامًا.
مغادرة سويسرا
في الشهر الماضي، أقرّ رئيس مجلس إدارة ”يو بي أس“، كولم كيليهر، علنًا وللمرة الأولى، أن البنك قد يعيد النظر في إبقاء مقره في سويسرا، إذا أصبحت القواعد التنظيمية الجديدة عبئًا مفرطًا عليه.
وقد دعا اثنان من أكبر المستثمرين في ”يو بي أس“ بالفعل إلى نقل مقر البنك إلى خارج سويسرا إذا أقر مجلس النواب، الأكثر ميلًا إلى اليسار، الإصلاحات المقترحة بصيغتها الحالية.
وكتبت شركة ”أرتيزان بارتنرز“ (Artisan Partners)، وهي من أكبر عشرة مساهمين في ”يو بي أس“، إلى مجلس إدارة البنك الأسبوع الماضي قائلة إن سويسرا ”لم تعد موقعًا جذابًا أو مرغوبًا فيه“ لأكبر بنك في البلاد، الذي يتجاوز حجم ميزانيته العمومية بكثير حجم الاقتصاد السويسري. كما أطلقت شركة ”سيفيان كابيتال“ (Cevian Capital)، التي تملك نحو 1،5% من أسهم ”يو بي أس“، تحذيرًا مماثلًا العام الماضي.
وأشار بعض المستثمرين إلى الولايات المتحدة باعتبارها وجهة محتملة للانتقال، بسبب متطلبات رأس المال الأقل صرامة هناك. ويرى آخرون أن بإمكان البنك الانتقال إلى اقتصاد كبير في منطقة اليورو، أقرب إلى موطنه التقليدي، مثل ألمانيا. أما المملكة المتحدة، فتبدو خيارًا أقل جدوى لأن متطلبات رأس المال فيها أقرب إلى تلك المطبقة في سويسرا.
وبحسب شخص مطلع على المسألة، طرحت حكومات عدة على ”يو بي أس“ خلال السنوات القليلة الماضية إمكانية نقل مقره إلى بلدانها.
غير كلفة أن الرحيل ستكون باهظة. وتقدّر تحليلات ”مورغان ستانلي“ أن الحكومة السويسرية قد تفرض على ”يو بي أس“ ضريبة خروج تصل إلى 10 مليارات دولار.
وفي الشهر الماضي أيضًا، قالت وزيرة المالية السويسرية كارين كيلر-سوتر، التي قادت إصلاحات الحكومة في هذا المجال، إن مغادرة ”يو بي أس“ للبلاد ستكون ”أعلى كلفة وأكثر تعقيدًا من الناحية القانونية“ من تقبّل قواعد رأس المال الجديدة.
إبرام صفقة
بدلًا من الانتقال بمفرده إلى الخارج، يمكن لـ”يو بي أس“ السعي إلى إبرام صفقة مع بنك أجنبي منافس تتيح له تقادي متطلبات رأس المال التي يفرضها النظام السويسري. ووفقًا لشخص مطلع على عقلية البنك، ستتسع الخيارات المتاحة أمام ”يو بي أس“ بعد اكتمال عملية دمج ”كريدي سويس“.
فبحلول ذلك الوقت، سيكون البنك قد تحمّل معظم تكاليف دمج منافسه السابق، كما يُتوقع أن ترتفع أرباحه بصورة كبيرة، ما يمنحه مرونة مالية أكبر لإبرام صفقة. وأضاف المصدر أن بإمكانه عندها النظر في عملية من شأنها أن ”تخفف العبء التنظيمي المتعلق برأس المال“.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال استحواذ عكسي، يشتري بموجبه بنك أجنبي أصغر حجمًا، ربما في الولايات المتحدة، بنك ”يو بي أس“ في صفقة تتم بالكامل بالأسهم، على أن ينتهي الأمر بمساهمي ”يو بي أس“ إلى امتلاك حصة الأغلبية في المجموعة الجديدة.
وقالت جوليا أورورا ميوتو، المحللة في ”مورغان ستانلي“، إن مثل هذا الهيكل قد يسمح بتجنب ضريبة الخروج، لكنه سيتطلب من بنك أصغر الاندماج مع ”يو بي أس“ وربما التخلي له عن السيطرة على المجموعة الناتجة عن الإندماج.
وهناك أيضًا احتمال اندماج ضخم مع بنك من ”وول ستريت“ أو بنك أوروبي، بما يتيح لـ”يو بي أس“ الخروج من سويسرا.
ويرى أشخاص مطلعين من داخل ”يو بي أس“ أن ”مورغان ستانلي“، حيث أمضى كيليهر جزءًا كبيرًا من مسيرته المهنية، قد يكون شريكًا محتملًا، في ظل أوجه التكامل الواضحة بين المؤسستين.
وقال شخص مطلع على المسألة: ”سيعني ذلك الجمع بين أكبر مدير للثروات في الولايات المتحدة وأكبر مدير دولي للثروات“. ولا توجد حاليًا أي مؤشرات إلى أن أيًا من الطرفين يسعى فعليًا إلى إبرام مثل هذه الصفقة.
التقسيم إلى بنكين
يتمثل خيار آخر في تقسيم ”يو بي أس“ إلى كيانين، بحيث يبقى نشاطه المحلي المربح وذو القيمة العالية في سويسرا، فيما تُنقل عملياته الدولية الواسعة إلى خارج نطاق الرقابة التنظيمية السويسرية.
وأعرب مسؤول كبير في بنك أوروبي منافس، أن هذا سيكون خياره الأفضل لو كان في موقع ”يو بي أس“.
وبموجب هذا النموذج، يمكن لبنك ”يو بي أس“ سويسري يضم أنشطة الخدمات المصرفية للأفراد والشركات داخل البلاد أن يحتفظ بمقره في زيورخ ويظل خاضعًا للرقابة السويسرية. في المقابل، يمكن وضع بنك الاستثمار وأنشطة إدارة الثروات في الخارج تحت مظلة شركة أمٍّ منفصلة مقرها خارج سويسرا، ربما في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو منطقة اليورو.
وتشير تحليلات أخرى إلى أن جزءًا كبيرًا من أعمال ”يو بي أس“ في الخارج، لا سيما أنشطة إدارة الثروات في آسيا، يُسجّل بالفعل مباشرة ضمن البنك الأم السويسري عبر فروع أجنبية، وليس من خلال شركات تابعة. وهذا يعقّد عملية الفصل ويحدّ من الفوائد التي يمكن أن تحققها على صعيد رأس المال.
ولا يبدو أن هناك حماسًا كبيرًا داخل ”يو بي أس“ لإجراء مثل هذا التغيير الشامل. إذ صرّخ موظف رفيع المستوى في البنك لصحيفة ”فاينانشال تايمز“ إن أي بديل للبقاء في سيتضمن على الأرجح ”إجراءات جذرية“، وليس مجرد إعادة هيكلة.
تقليص النشاط في الولايات المتحدة
إذا دخلت قواعد رأس المال الجديدة حيز التنفيذ، فستكون عمليات ”يو بي أس“ في الولايات المتحدة من أكثر الأنشطة تأثرًا بها. وتُعد الوحدة المصرفية التابعة للبنك في الولايات المتحدة، من أكبر وحداته خارج سويسرا بفارق كبير، ويرى بعض المراقبين للقطاع أن ”يو بي أس“ قد يفكر في التخلي عن جزء منها أو بيعها بالكامل.
وبموجب المقترحات الحالية، سيتعين على البنك الأم تغطية 90% من قيمة وحداته الأجنبية برأس المال الأساسي من الشريحة الأولى، مقارنة بنحو 60% حاليًا. كما يُسمح لـ”يو بي أس“ في الوقت الراهن باستخدام أدوات دين أرخص من الشريحة الأولى الإضافية لتغطية جزء من هذه المتطلبات.
وتشير تحليلات من ”مورغان ستانلي“ إلى ضعف ربحية الوحدة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، إذ تقل هوامش أرباحها عن تلك التي تحققها أجزاء أخرى من المجموعة. ووفقًا لهذه التحليلات: ”فإن الاضطرار إلى الاحتفاظ برأس مال أكبر بكثير بسبب [الإصلاحات] قد يعزز مبررات بيع [النشاط الأمريكي]“.
ويرجّح يوهان شولتز، المحلل في ”مورنينغ ستار“، أن ”يو بي أس“ سيعتبر الحفاظ على حضور مهم في قطاع الخدمات المصرفية الاستثمارية في الولايات المتحدة أمرًا ”مهمًا من الناحية الاستراتيجية“. وهذا يجعل نشاط إدارة الثروات الأمريكي الجزء الذي يقدم ”أوضح مبرر اقتصادي للفصل“ عن المجموعة أو لتحويله إلى شركة مستقلة.
وأضاف أن نشاط ”يو بي أس“ لإدارة الثروات في الولايات المتحدة يعتمد إلى حد كبير على شبكة محلية من خدمات الاستشارات المالية، ولا يتقاطع إلا بدرجة محدودة مع أنشطة المجموعة الدولية لإدارة الثروات. فالأخيرة تركز على رواد الأعمال والمكاتب العائلية والعملاء من أصحاب الثروات الطائلة الذين لديهم احتياجات مالية عالمية.
لكن مثل هذه الخطوة ستتعارض مباشرة مع الطموحات العالمية لـ”يو بي أس“. وتصف تحليلات من ”غولدمان ساكس“ الولايات المتحدة، إلى جانب آسيا، بأنها إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجية نمو ”يو بي أس“ في إدارة الثروات العالمية.
وقال الرئيس التنفيذي سيرجيو إرموتي هذا الأسبوع إن البنك يحتاج إلى حضور في الولايات المتحدة ”كي ينجح“، ما يشير إلى أن تقليص نشاطه هناك بصورة كبيرة ليس مطروحًا حاليًا.
البقاء في سويسرا وتحمل الكلفة
أبسط الخيارات أمام ”يو بي أس“، وإن كان مكلفًا، هو قبول متطلبات رأس المال الأعلى ومواصلة إدارة المجموعة بهيكلها الحالي من سويسرا.
ورغم أن ”يو بي أس“ يقدّر حجم رأس المال الإضافي المطلوب بنحو 16 مليار دولار، ترى تحليلات أن الفجوة الفعلية ستكون أقرب إلى ما بين 6 و8 مليارات دولار، بعد احتساب رأس المال الفائض الذي يحتفظ به البنك الأم بالفعل.
وقال الموظف الرفيع في ”يو بي أس“ إن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو بقاء البنك في سويسرا وتكيّفه مع القواعد الجديدة، التي سيجري تطبيقها تدريجيًا على مدى عدة سنوات.
كذلك، يقدّر شولتز، من ”مورنينغ ستار“، أن يكون السيناريو الأساسي تلبية ”يو بي أس“ المتطلبات الأعلى من خلال الاحتفاظ بنسبة أكبر من أرباحه. وأضاف: ”يبدو أن المتطلبات قابلة للاستيعاب، ولا يُتوقع أن تستلزم زيادة رأس المال عبر إصدار أسهم جديدة“.
لكن، قد تترتب على هذا السيناريو تداعيات كبيرة. ووفقًا لتحليلات من ”مورغان ستانلي“ فإن اشتراط تغطية 90% من قيمة الوحدات الأجنبية برأس المال الأساسي من الشريحة الأولى سيشكّل ”قيدًا كبيرًا على استراتيجية يو بي أس الحالية والمستقبلية“، وقد يحد من قدرته على التوسع دوليًا.
ويقدّر كيان أبو حسين، المحلل في ”جيه بي مورغان تشيس“، أن المقترح سيخفض العائد على حقوق الملكية الملموسة لدى ”يو بي أس“ بنصف نقطة مئوية في عام 2028. ويُعد هذا المؤشر أحد المقاييس الرئيسية لربحية البنوك. كما سيضع البنك يعمل تحت ”أشد البيئات التنظيمية صرامة على مستوى العالم“.
وفي الوقت الراهن، يقول ”يو بي أس“ إن هدفه هو ”مواصلة العمل بنجاح كبنك عالمي انطلاقًا من سويسرا“، بينما يدرس الخيارات المتاحة أمامه.
وفي خضم ذلك، لا يخفي بعض المنافسين شيئًا من الشماتة. إذ قال المسؤول في البنك المنافس: ”إذا كان يو بي أس يريد أن يبقى بنكًا سويسريًا، فهذه هي العواقب التي يتعين عليه التعايش معها“. وأضاف: ”وجود منافس مضطر إلى الاحتفاظ برأس مال أكبر أمر جيد بالنسبة إلينا“.
حقوق النشر محفوظة لفاينانشال تايمز ليمتد 2026.
ترجمة عن الإنجليزية. مراجعة: ريم حسونة
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.