«من ينتقل إلى سويسرا طمعًا في المال كثيرًا ما يُصاب بخيبة أمل»
تُعدّ سويسرا وجهة مرغوبة للغاية لدى المواهب والكفاءات من مختلف أنحاء العالم. لكن الإيجارات الباهظة، ونقص المساكن، وصعوبات الاندماج تحدّ من جاذبيتها. ويوضح خبير التوظيف كريستيان أتكينسون لماذا لا تتجاوز نسبة الأشخاص الذين تستقطبهم الشركات مباشرة من الخارج 20% من إجمالي التعيينات.
تُشغل معظم الوظائف الشاغرة في سويسرا بكفاءات موجودة أصلًا داخل البلاد. أما بالنسبة إلى الوافدين والوافدات الجدد، فلا تقتصر المفاجآت على سوق العمل وتكاليف المعيشة، بل قد تمتد حتى إلى طريقة التعليم في رياض الأطفال السويسرية.
سويس إنفو: تحتل سويسرا باستمرار المرتبة الأولى عالميًا في تصنيفات استقطاب المواهب الدولية. لكن هل تقومون فعلًا بالتوظيف من الخارج بشكل رئيسي لصالح الشركات المحلية؟
كريستيان أتكينسون: هذا مفهوم خاطئ شائع. فعندما تسعى الشركات السويسرية إلى شغل وظيفة، تبحث في المقام الأول محليًا، أي عن متخصصين ومتخصصات مستقرين بالفعل في البلاد ويفهمون ثقافة العمل المحلية. وربما لا تتجاوز نسبة التعيينات المباشرة من الخارج حوالي 20%.
لكن المخاطر التي يواجهها أصحاب وصاحبات العمل مرتفعة للغاية: فقد ينسحب المرشحون والمرشحات في اللحظات الأخيرة، أو تتعطل إجراءات التأشيرات، أو يفشل الوافدون والوافدات الجدد في الاندماج ويغادرون سريعًا.
سويس إنفو: ما الذي يجعل سويسرا جذابة إلى هذا الحد بالنسبة إلى النسبة المتبقية البالغة 20%؟ هل يتعلق الأمر أساسًا بالمال؟
كريستيان أتكينسون: من الواضح أن الراتب المرتفع يؤدي دورًا، لكنه غالبًا ما تقابله تكاليف معيشة باهظة. وفي النهاية، يتبقى عادةً فائض من الدخل يمكن تخصيصه للاستثمار أو التقاعد.
لكنّ من ينتقل إلى سويسرا لمجرد المال كثيرًا ما ينتهي به الأمر إلى خيبة أمل. فإذا أخبرني مرشح أو مرشحة بأنه سيغيّر وظيفته من أجل الراتب فقط، فهذا مؤشر خطر بالنسبة إليّ.
سويس إنفو: لماذا؟
كريستيان أتكينسون: لأن الحماس للانتقال سرعان ما يتراجع بمجرد وصول فواتير الإيجار والتأمين الصحي الأولى، وحين يتبيّن أن المدخرات الفعلية بالكاد تزيد عما يمكن ادخاره في المملكة المتحدة مثلًا.
الانتقال إلى سويسرا يحتاج إلى دافع أعمق: منظومة متكاملة من الأمان، والطبيعة، وجودة الحياة، والبيئة الجيدة للأطفال. فضلًا عن ذلك، لا تشكل اللغة عائقًا كبيرًا؛ ففي العديد من الشركات العالمية، تكفي اللغة الإنجليزية تمامًا.
سويس إنفو: يُعدّ السكن أحد أبرز العوائق أمام الانتقال إلى سويسرا. ما مدى صعوبة الوضع بالنسبة إلى الوافدين والوافدات من الخارج؟
كريستيان أتكينسون: هذا هو أكبر مصدر قلق للشركات حاليًا، والعامل الأكثر إرهاقًا للمرشحين والمرشحات. فنسبة المساكن الشاغرة في المراكز الحضرية منخفضة للغاية، ويضطر كثير من الوافدين والوافدات إلى تغيير مساكنهم عدة مرات خلال الأشهر الأولى.
ومن الطبيعي أن يُصدم أي شخص عندما يرى أن شقة مناسبة لعائلة، وتضم مساحة تصلح مكتبًا منزليًا، تكلف 6000 فرنك سويسري (7300 دولار أمريكي) شهريًا. وإذا لم تكن تعرف المنطقة جيدًا، فمن السهل أن تتخذ قرارات خاطئة.
وقد مررت بذلك شخصيًا عند وصولي. فقبل عصر الذكاء الاصطناعي، حجزت لنا شقة عبر Airbnb في شارع لانغشتراسه بزيورخ، وكان معنا مولود جديد، لنكتشف أننا في قلب منطقة تعج بالحفلات والحياة الليلية الصاخبة.
المزيد
من جميع أنحاء العالم…سويسرا تستقطب الكفاءات العالية
سويس إنفو: هل تختلف التوقعات بشأن سويسرا بوصفها مكانًا للعمل باختلاف القطاع والفئة العمرية؟
كريستيان أتكينسون: بالفعل، هناك اختلافات ملحوظة. ففي قطاع تكنولوجيا المعلومات، يطالب المتخصصون والمتخصصات اليوم بإتاحة العمل عن بُعد بدرجة كبيرة. أما سويسرا، فلا تزال تتبنى نهجًا تقليديًا وتصرّ على الحضور إلى مكان العمل، مما يجعل التوظيف من الخارج أكثر صعوبة.
وتقدم دول مثل ألمانيا رواتب أقل، لكنها غالبًا ما تتيح نماذج عمل أكثر مرونة. أما في القطاع المالي، فتُعدّ الهياكل المؤسسية الأكثر مرونة مقارنة بلندن عامل جذب. كما تستقطب شركات الأدوية في بازل المتخصصين والمتخصصات بصورة طبيعية.
أما من حيث الفئات العمرية، فيهتم الشباب أكثر بحرية التنقل والمناخ السياسي العام، بينما يركز الأكبر سنًا على المدارس والأسرة.
سويس إنفو: بالحديث عن المدارس، يختلف النظام السويسري اختلافًا كبيرًا عن النظامين الآسيوي أو البريطاني. كيف كانت تجربتك الشخصية في هذا الشأن؟
كريستيان أتكينسون: المسألة ببساطة تتعلق بفلسفة تربوية مختلفة. ففي المملكة المتحدة، ينصب التركيز بدرجة كبيرة على الجانب الأكاديمي، حتى في رياض الأطفال. وعندما عاد ابني من روضة أطفال سويسرية وأخبرني أنه تعلم كيفية إشعال أعواد الثقاب واكتساب الاستقلالية في الغابة، شعرتُ بالصدمة في البداية.
يجب على الأجانب الراغبين في العمل في سويسرا التعرّف أولاً على مختلف اللوائح المعمول بها والخاصة ببلدانهم الأصلية:
المزيد
العمل في سويسرا
أما اليوم، فأنا أحبّها. إنها تُنمّي الاستقلالية والمسؤولية الشخصية. ويتطور المستوى الأكاديمي بسلاسة لاحقًا – لقد نشأ أطفالي هنا سعداء، أصحاء، ومستقلين للغاية.
سويس إنفو: تشير الدراسات إلى وجود قدر من التحفظ لدى السويسريين والسويسريات تجاه الهجرة. هل يتعرض المتخصصون والمتخصصات الأجانب للتمييز، على سبيل المثال في الأجور؟
كريستيان أتكينسون: في مجال استقطاب الكفاءات التنفيذية الذي نعمل فيه، لا أرى ذلك إطلاقًا: لا توجد فروق في الرواتب بين المواطنين والوافدين على المستوى الوظيفي نفسه.
ومع ذلك، هناك جدل سياسي محتدم حول الهجرة. ويغادر بعض الوافدين والوافدات البلاد مجددًا لأنهم لم يشعروا بالترحيب الكافي. ويعتمد النظام السويسري بدرجة كبيرة على القواعد والالتزامات، وهو ما قد يبدو مقيّدًا في البداية.
لكن من يبقون لفترة أطول يدركون أن هذه القواعد نفسها تسهم في توفير الأمان والنظافة وجودة الحياة التي يستفيد منها الجميع.
تحرير: فيرجيني مانجان
ترجمة من الإنجليزية. مراجعة وتدقيق: عبد الحفيظ العبدلي
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.