بين الحياد والمصالح: سويسرا تسعى لحصة من إنفاق الدفاع الأوروبي
تسعى الحكومة السويسرية إلى إقامة شراكة أمنية مع الاتحاد الأوروبي، في خطوة قد توفّر فرصًا جديدة لصناعة الأسلحة السويسرية. لكن هل يريد الاتحاد الأوروبي ذلك أيضًا؟
رغم حيادها، لم يكن توجّه سويسرا نحو الغرب موضع شك يومًا. ومنذ بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا، توثّقت علاقاتها مع شركائها الغربيين أكثر، بما في ذلك في المجال العسكري. وانضمت سويسرا، من بين خطوات أخرى، إلى “مبادرة درع السماء الأوروبية”، كما عمّقت رابط خارجيتعاونها مع حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي عام 2025، أعلنت رابط خارجيالحكومة السويسرية رغبتها في إجراء محادثات مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاق أمني. وفي صيف 2026، منحها البرلمان تفويضًا لإجراء محادثات استكشافية أولية. وإذا بدت نتائج هذه المشاورات واعدة، سينظر البرلمان عندئذ في منح الحكومة تفويضًا رسميًا لبدء المفاوضات.
وتسعى الحكومة إلى إبرام “شراكة في مجال الأمن والدفاع”. وتوضح غيزينه فيبر، الخبيرة في شؤون الأمن والدفاع في مركز الدراسات الأمنية التابع للمعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ، أن هذه الشراكات هي اتفاقات سياسية وإعلانات نوايا، في المقام الأول. وتقول: “يتفق الطرفان من خلالها على تعميق الحوار وتعزيز التعاون الاستراتيجي. وعادة ما تحدد هذه الاتفاقات أيضًا مجالات السياسة التي يرغبان في التعاون فيها”.
وتبيّن فيبر، في تحليل صادر عن مركز الدراسات الأمنيةرابط خارجي، أن الاتحاد الأوروبي عزز منذ عام 2022 تعاونه مع الدول غير الأعضاء في مجالي الأمن والدفاع بدرجة كبيرة. كما يفعل ذلك بسرعة ومرونة نسبيتين.
فمنذ نهاية عام 2024، وقّع الاتحاد اثنتي عشرة شراكة من هذا النوع مع دول شديدة التنوع، من بينها بريطانيا، والهند، وغانا.
وقد أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقات مماثلة مع دول أوروبية غير أعضاء، مثل النرويج وبريطانيا، وكذلك مع شركاء دوليين مثل كندا والهند. وهي دول يتعاون معها أصلًا في قضايا الأمن.
وتقول فيبر: “يريد الاتحاد الأوروبي بذلك منح التعاون القائم إطارًا سياسيًا أكثر رسوخًا. وغالبًا ما يكون تعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية أحد أهداف هذه الشراكات أيضًا”.
وتزداد أهمية هذا التعاون بالنظر إلى حجم الاستثمارات المرتقبة. إذ تعتزم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي استثمار 800 مليار يورورابط خارجي، أي نحو 750 مليار فرنك سويسري، في الدفاع الأوروبي بحلول عام 2030.
وبدورها، تريد سويسرا الاستفادة من هذه الاستثمارات.
فرصة أمام صناعة الأسلحة السويسرية
باعتبارها دولة تتبنى الحياد المسلح، أولت سويسرا منذ زمن طويل أهمية لوجود صناعة دفاعية محلية. وكانت هذه الصناعة تعتمد جزئيًا في تمويلها على بيع منتجاتها إلى شركاء أوروبيين.
لكن منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وجدت سويسرا نفسها أمام معضلة.
فهي تحظر إعادة تصدير العتاد الحربي السويسري إلى دول تخوض حربًا. ولم يؤد هذا الموقف إلى أزمة ثقة مع شركائها في الاتحاد الأوروبي فحسب، بل أضرّ أيضًا بصادرات قطاع الأسلحة السويسري، إذ باتت بعض الجهات المشترية تتجنب العتاد الحربي السويسري.
المزيد
بين الحياد والمصالح… سويسرا تعيد النظر في سياسة تصدير السلاح
وقد أحدث ذلك تحولات في السياسة السويسرية. فمن بين أمور أخرى، أُعيد النظر في قواعد تصدير العتاد الحربي. وكما أوضح وزير الدفاع السويسري، مارتن فيستر، أمام البرلمان هذا الصيف، ينبغي النظر إلى الاتفاق الأمني المحتمل مع الاتحاد الأوروبي من هذه الزاوية أيضًا. فمن شأنه أن يساعد سويسرا على المشاركة بصورة أكبر في مشروعات ومشتريات التسليح الأوروبية المشتركة.
وخلال مناقشة برلمانيةرابط خارجي بشأن الاتفاق الأمني المحتمل، قال فيستر: “إذا تمكنا من إجراء مشتريات بالاشتراك مع دول أوروبية أخرى، فستصبح أقل تكلفة بفضل وفورات الحجم. كما يوفّر ذلك فرصًا لصناعتنا المحلية، إذ يتيح لها إمكانية المشاركة”.
مصالح الاتحاد الأوروبي ومصالح سويسرا
لكن ما مدى استعداد الاتحاد الأوروبي لإبرام اتفاق من هذا النوع مع سويسرا؟
أعلنت المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي، أنيتا هيبر في الربيعرابط خارجي أن سويسرا مؤهلة لإبرام مثل هذه الشراكة. وقالت إن المفوضية الأوروبية مهتمة بالشراكات التي “تخدم المصالح السياسية والاستراتيجية للاتحاد الأوروبي وتدعم القيم العالمية التي يدافع عنها”.
أمّا الجانب السويسري، فيركّز حتى الآن بصورة خاصة على البعد الاقتصادي. ويبدو أن هذا التوجّه يلقى صدى لدى الاتحاد الأوروبي أيضًا، لا سيما بالنظر إلى القدرات البحثية التي تتمتع بها سويسرا.
وتقول فيبر: “بالنظر إلى سويسرا وما تتمتع به من قوة هائلة في مجال البحث العلمي، سيكون التعاون في قطاع التسلح هو الأكثر إثارة للاهتمام من منظور الاتحاد الأوروبي. وأعتقد أن هذا هو المجال الذي قد تركز عليه بروكسل”.
وتبرز قدرات سويسرا خصوصًا في قطاع الطائرات المسيّرة. وكانت وزارة الدفاع السويسرية قد أعلنت رابط خارجيمؤخرًا أنها ستجعل المسيّرات وأنظمة التصدي لها والروبوتات من أولوياتها الاستراتيجية. كما تعتزم إشراك الجامعات والقطاع الصناعي في هذه الجهود.
ويمنح هذا التوجه قطاع الصناعات الدفاعية في سويسرا مجالًا يمكن أن يتقاطع مباشرة مع خطط الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدراته الدفاعية.
لكن العلاقة بين الطرفين لا تقتصر على المصالح الصناعية.
المزيد
الجيش السويسري ينشئ مركزًا وطنيًا للمسيّرات والروبوتات
الحياد قد يدخل على خط التعاون الدفاعي
في نهاية سبتمبر، يصوّت الناخبون والناخبات في سويسرا على مبادرة الحياد. ولا ترتبط المبادرة رسميًا بصفقات الأسلحة. لكنها تهدف إلى إلغاء العقوبات، وهي أداة أساسية في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا.
وتعارض الحكومة السويسرية المبادرة الشعبية. وإذا قُبلت في الاستفتاء، فمن المرجح أن تثير في بروكسل تساؤلات مشابهة لتلك التي قد يثيرها رفض الحزمة الثالثة من الاتفاقيات الثنائية بين سويسرا والاتحاد الأوروبي.
ومن الناحية الرسمية، لا ترتبط “الحزمة الثالثة من الاتفاقيات الثنائية”، وهي الحزمة المحدّثة من الاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي، بأي اتفاق دفاعي محتمل.
لكن ماذا سيحدث إذا رفض الناخبون والناخبات السويسريون الاتفاقيات الثنائية؟
تقول فيبر: “يصعب عليّ تصور سيناريو يبدأ بتوترات كبيرة بشأن الاتفاقيات الثنائية، ثم ينقلب فجأة إلى اهتمام كبير في بروكسل بتعميق التعاون مع سويسرا في مجالات أخرى”.
ومن المتوقع إجراء الاستفتاء الشعبي على الحزمة الثالثة من الاتفاقيات الثنائية في عام 2027. أما إبرام اتفاق أمني ودفاعي محتمل مع الاتحاد الأوروبي، فمن المرجح أن يستغرق وقتًا أطول.
المزيد
تحرير: بنيامين فون فيل
ترجمة عن الألمانية. مراجعة ومعالجة: ريم حسونة
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.