Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

الديون تتحول إلى موارد للتنمية


بقلم محمد شريف - جنيف


 (swissinfo.ch)
(swissinfo.ch)

يعتبر "الصندوق المصري السويسري للتنمية"، على الرغم من العراقيل التي اعترضت تأسيسه، من التجارب الملفتة في مجال محو ديون البلدان النامية.

وتساهم هذه الوسيلة بشكل جاد في تنمية هادفة وناجعة في مصر من خلال تمويل 90 مشروعا في قطاعات متكاملة، تشمل محو الفقر والقضاء على البطالة وحماية البيئة.

يمكن اعتبار الصندوق المصري السويسري للتنمية وسيلة مثلى اعتمدتها سويسرا في سياق تجسيم سياستها الرامية إلى محو الديون المتخلدة بذمة البلدان النامية. فقد أقرت الكنفدرالية في 15 يونيو من عام 1995 (في إطار اتفاق ثنائي مع مصر) محو حوالي 150 مليون فرنك من الديون التجارية السويسرية المتراكمة على كاهل الحكومة المصرية.

وبما أن مصر لا تعتبر (من حيث مستوى دخلها) من البلدان التي تسمح معايير المساعدة السويسرية في ميدان التنمية بضمها إلى مناطق النشاط السويسري، فقد تكفلت كتابة الدولة السويسرية للإقتصاد بتسديد الـ 150 مليون فرنك من الديون، على أن يتم في المقابل تأسيس صندوق تنمية مشترك تسهم فيه مصر بحوالي 60 % من قيمة تلك الديون (أي حوالي 90 مليون فرنك أو ما يعادل 265 مليون جنيه مصري).

وقد تم تحديد ثلاث قطاعات بإمكان الصندوق أن يساعد في تمويل مشاريعها في مصر على مدى عشرة أعوام، تشمل إيجاد فرص مستديمة لتشغيل العاطلين عن العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية بما في ذلك الرعاية الصحية الأساسية ومحو الأمية وتوفير التعليم الأساسي بالمناطق المحرومة، وأخيرا حماية البيئة عبر مشاريع تنجز محليا وتراعي حاجيات سكان القرى والطبقات الفقيرة.

في نفس السياق، شكل الإشراف المشترك على سير عمل الصندوق من قبل السفير السويسري في القاهرة ومسؤول في وزارة التعاون الدولي المصرية طريقة جديدة في التعاطي مع هذه النوعية من المشاريع التنموية.

ولادة عسيرة

هذا الإطار الذي كان يبدو مثاليا من الناحية النظرية، تحول إلى مشروع يتعذر إنجازه عمليا لعدة أسباب يأتي في مقدمتها الثقل البيروقراطي.

فقد تعثرت الانطلاقة الفعلية لهذا الصندوق الذي كان يشرف عليه الطرف المصري بشكل كامل (منذ البداية وحتى عام 1998) عندما طالبت القاهرة بتعيين مدير تنفيذي سويسري. وعلى إثر ذلك تم اختيار المدير الحالي السيد ماكس جيجر، وهو الموظف السويسري الوحيد من بين 45 موظفا يعملون في الصندوق.

ومن الأسباب التي حالت دون انطلاقة فعلية لنشاطات الصندوق المشترك حتى عام 1999، الثقل البيروقراطي، المبرر تارة بأسباب أمنية، للحصول على ترخيص بالتعامل مع بعض المنظمات غير الحكومية. يضاف إلى ذلك أن أغلب المنظمات غير الحكومية في المجتمع المصري ورغم أن عددها تجاوز 15 ألف منظمة لا تتوفر فيها الشروط الضرورية التي تسمح بتعامل الصندوق معها باستثناء "عدد محدود لا يتجاوز المائة"، على حد قول المدير التنفيذي الحالي.

وحسب السيد ماكس جيجر، فإن من بين الأسباب التي كادت أن تقضي نهائيا على فكرة الصندوق المصري السويسري للتنمية، أن عددا من الشخصيات الممثلة في اللجنة التقنية المشرفة على المصادقة على المشاريع (وأغلبهم تفوق أعمارهم الثمانين)، كانوا يقومون بدور معرقل أو يحاولون الدفع لتمويل مشاريع لا تتوفر فيها الشروط، أو محاولة تولي الإشراف على أموال الصندوق بدعوى أنه يساء استخدامها، "وهو ما لم تقبله سويسرا"، على حد تعبير السيد جيجر.

يضاف إلى ذلك أن الإجراءات البيروقراطية المحددة لإدارة الصندوق من الجانب السويسري لم تكن تسمح بتوظيف عدد كاف من الموظفين للقيام بالمهام المتعددة والاستشارات التقنية الضرورية. وهذا ما دفع المدير التنفيذي السويسري إلى وضع مسؤوليه المباشرين أمام خيارين: "إما حل المشكلة على أعلى المستويات أو إغلاق المكتب وتسريح الموظفين".

90 مشروعا لخدمة أكثر الناس فـقـرا

إثر ذلك، ساهمت التغييرات التي حدثت على مستوى وزارة التعاون الدولي المصرية، والتحويرات التي أدخلت على قوانين مكونات اللجنة التقنية، وعلى قوانين التوظيف في الصندوق، إضافة إلى تولي الصندوق مهمة مساعدة المنظمات غير الحكومية المدنية المصرية على توفير الشروط الضرورية للتعامل معها، في إعطاء انطلاقة جديدة وفعلية للمشروع ابتداءا من موفى عام 1999.

ومثلما يقول المثل: "رب ضارة نافعة" فقد أدت سنوات التأخير إلى ارتفاع احتياطي الصندوق بسبب الفوائد المتراكمة من 265 مليون جنيه إلى حوالي 600 مليون جنيه مصري.

هذا وقد تم تحديد حوالي 90 مشروعا قابلا للتمويل في مختلف محافظات مصر، وفي ثلاث قطاعات أولية.

1- التشغيل المستديم: وهو القطاع الذي يتم فيه تقديم قروض صغيرة لعائلات في أشد الحاجة إليها في الأحياء الفقيرة بغرض مساعدتها على تحسين دخلها من خلال نشاطات تجارية بسيطة. (نقدم بعض الأمثلة عن ذلك في مقالات لاحقة).

2- مشاريع حماية البيئة: يقول المدير التنفيذي للصندوق السيد ماكس جيجر في معرض شرحه للمقصود بهذه المشاريع في مثل هذه الحالة "إن تجربتنا في مصر سمحت لنا بتحديد المشاريع انطلاقا من اهتمامات اكثر الناس فقرا". ومن هذا المنطلق ركزت مشاريع حماية البيئة الممولة من طرق الصندوق على مشاريع توفير المياه الصالحة للشرب وتوفير مجاري صرف المياه في المناطق الريفية.

وإذا كانت السلطات قد تولت تنظيم جمع النفايات الصلبة أو القمامة في كبريات المدن وتدخلت في ذلك شركات أوروبية خاصة، فإن الصندوق المصري السويسري اختار، حسب السيد ماكس جيجر، "تحسيس وتنظيم بعض المجتمعات المحلية في القرى والأرياف لمواجهة مشاكل جمع القمامة بغرض التقليل من الأخطار على الصحة، وتوفير فرص تشغيل في نفس الوقت لبعض العاطلين عن العمل". وهنا يُلفت السيد جيجر النظر إلى أن الحديث عن قرية في مصر يعني الحديث عن حوالي 100 ألف ساكن.

3 – قطاع الخدمات الاجتماعية: وهو القطاع الذي يعنى بمشاريع محو الأمية، وتعميم العلاج الأولي، والاهتمام بالفئات الأكثر حرمانا وتهميشا في الأحياء الفقيرة مع تركيز على وضع المرأة والفتيات في هذه الأحياء.

عراقيل بيروقراطية

ما يشتكي منه الجميع، مصريين وغير مصريين ممن يتعاملون في هذا المجال، هو الثقل البيروقراطي الذي يعطل تقديم التراخيص الضرورية للبدء في إنجاز المشاريع. إذ يتطلب الأمر بالنسبة لأية منظمة غير حكومية ترغب في مباشرة نشاطها مع الصندوق الحصول على ترخيص من وزارة الشؤون الاجتماعية واجتياز الاختبار الأمني، وهي إجراءات تستغرق ما بين ثمانية وعشرين شهرا.

وفيما عبر المسؤول في الصندوق السويسري عن ارتياحه لأن ذلك "يُـعـفي الصندوق من مسؤولية اعتماد أو عدم اعتماد منظمة من المنظمات" غير الحكومية إلا أنها إجراءات تعمل على تأخير انطلاق المشاريع، وهو ما يدفع السيد جيجر إلى التعبير عن مخاوف من "الاضطرار لتخفيض حجم المشاريع بسبب التضخم المالي".

يضاف الى ذلك أن الموازنة التي تم التخطيط لإنفاقها على مدى عشرة أعوام، سيجد نفسه مضطرا لإنفاقها في الفترة المتبقية من الآن وحتى عام 2008، أو إيجاد مخرج قانوني يقضي بتمديد فترة الالتزام السويسري سواء في تمويل او إدارة هذا الصندوق المشترك، وهي الرغبة التي عبر عنها مؤخرا الجانب المصري.

وقد كان هذا الموضوع محور مفاوضات أجراها وفد سويسري زار القاهرة (في نفس فترة إعداد هذا التحقيق أي في بداية شهر ديسمبر 2004) برئاسة السفير أوسكار كناب من كتابة الدولة للتجارة الخارجية.

وفي تصريحات خاصة لسويس إنفو، وصف هاينس والكر نيدركورن، القائم بالأعمال السويسري في القاهرة المحادثات بأنها "مشاورات تهدف الى البحث عن كيفية مواصلة هذا العمل والاستمرار في الاستفادة من هذه الخبرة التي اكتسبها الصندوق حتى الآن"، وأضاف أن "ما نبحث عنه اليوم يتمثل في الطريقة التي سيستمر بها التواجد السويسري لأنه من غير الممكن الاستمرار بنفس الطريقة أي في إطار محو الديون لأن القاعدة القانونية لم تعد متوفرة بالنسبة لنا نظرا لأن عملية محو الديون أصبحت اليوم تسير في اتجاه الحل عبر تعاون متعدد الأطراف وليس عبر الاتفاقات الثنائية" حسب قوله.

وأضاف القائم بالأعمال السويسري: "نحن اليوم في طور البحث مع شركائنا المصريين حول انجع الطرق البديلة عن ذلك. وهو القرار الذي سيتضح من هنا حتى نهاية عام 2005".

وقد حرصنا على الإطلاع على تفاصيل الموقف المصري حول هذه المسألة من مسؤول حكومي حيث تم تحديد موعد مسبق مع السيدة فايزة أبو النجا، وزيرة التعاون الدولي، لكن - ورغم التأكيد الكتابي - وبعد اتصال هاتفي من مكتبها يطلب تأخير الموعد بساعة، وبعد ساعة ونصف من الانتظار في مقر الوزارة، ألغت الوزيرة اللقاء المقرر مع سويس إنفو.

وجاء في تبرير السكرتيرة التي حملت الرسالة أن "المفاوضات مع الوفد السويسري أخذت وقتا أطول، وأن الوزيرة تعاني من نوبة برد".. ولاشك أن في ذلك عينة صغيرة من هذا الثقل البيروقراطي الذي سبق وأن أشرنا إليه.

محمد شريف – سويس إنفو – القاهرة



وصلات

×