Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

السر المصرفي مصدر توتّر مستمر بين سويسرا وجيرانها الأوروبيين




تتهم سويسرا إرفي فالشياني موظّف سابق بمصرف HSBC بسرقة بيانات سرية خاصة باصحاب الودائع بالمصرف وتسليمها لإدارة الضرائب بفرنسا. (Keystone)

تتهم سويسرا إرفي فالشياني موظّف سابق بمصرف HSBC بسرقة بيانات سرية خاصة باصحاب الودائع بالمصرف وتسليمها لإدارة الضرائب بفرنسا.

(Keystone)

هدّدت فرنسا بوضع سويسرا على القائمة السوداء للجنان الضريبية، إذا ما أقدمت على تعليق عملية إقرار اتفاق منع الازدواج الضريبي وتبادل المعطيات المصرفية الذي وُقّع عليه بين البلدين في شهر أغسطس الماضي. ودعت باريس جارتها إلى "التروّي وإعادة النظر في قرارها" الذي أعلنت عنه يوم الإربعاء 16 ديسمبر 2009.

وفي حين برّرت سويسرا تعليقها للاتفاق بسبب ما تعتبره استعمالا من فرنسا لمعطيات مصرفية حصلت عليها بطرق غير مشروعة، وتتهمها بعدم التعاون القضائي معها، عبّرت فرنسا وعلى لسان ديديي ميغود، رئيس لجنة الشؤون المالية بالبرلمان عن أسفها الشديد للخطوة التي أقدمت عليها الحكومة السويسرية، "والتي قد تجبرنا على اعتبار سويسرا من بين البلدان غير المتعاونة، و الجديرة بأن تكون ضمن القائمة السوداء للجنان الضريبية التي سوف نعلن عنها بداية السنة القادمة".

وفي محاولة لثني سويسرا عن قرارها، أضاف البرلماني الفرنسي: "أعتقد أن الحكومة السويسرية سوف تعيد النظر في قرارها، إنها ردة فعل، ولابد من تحكيم العقل في النهاية".

من جهته أعلن وزير الميزانية الفرنسي إيريك وورث أنه أحيط علما بالقرار السويسري، لكنه هوّن من أهميته موضّحا أنه يتفهّم موقف برن "فالإتفاق يتطلب تغييرا في أسلوب عمل المؤسسات السويسرية، ومن المنطقي أن يتطلب لإقراره والمصادقة عليه المزيد من الوقت"، قبل أن يضيف: "ما نتماه حقا هو أن تتم المصادقة على الاتفاق، وإذا تراجعت سويسرا عن فعل ذلك، فهذا يرسل إشارة غامضة نوعا ما حول إرادتهم واستعدادهم للتعاون الدولي في المجال الضريبي، والمشاركة في المساعي الهادفة إلى إلغاء السر المصرفي".

تعليق سويسري للاتفاق

هذا الموقف الفرنسي جاء على إثر إعلان الحكومة السويسرية بالأمس تعليقها لعملية المصادقة على اتفاق عدم الازدواج الضريبي بينها وبين فرنسا، والذي كان من المنتظر أن يدخل حيز النفاذ في غرّة يناير 2010.

وخلال ندوة صحفية مشتركة مع وزيرة العدل والشرطة، ببرن يوم الأربعاء 16 ديسمبر أوضح هانس رودولف- ميرتس، وزير المالية أنه "طلب من لجنة مجلس الشيوخ تعليق عملية المصادقة على الإتفاق الضريبي مع فرنسا". ويأتي هذا الإجراء العقابي بحسب رودولف – ميرتس: "ردّا على نية إدارة الضرائب الفرنسية استخدام معطيات ومعلومات حصلت عليها عن طريق عملية قرصنة وسرقة لمتابعة مودعي أموال فرنسيين في المصارف السويسرية"، وتتهم فرنسا هؤلاء بالتهرّب من دفع الضرائب في بلادهم.

وأوضحت وزيرة العدل والشرطة السويسرية إفلين فيدمر – شلومبف خلال الندوة الصحفية نفسها أن هذا الإجراء يأتي ايضا للإحتجاج على عدم تعاون الجهات الفرنسية المعنية مع الطلبات السويسرية المتكررة بتسليم إرفي فالشياني، موظّف سابق بقسم المعلوماتية بمصرف HSBC السويسري، الذي يقيم حاليا في جنوب فرنسا وتحت حمايتها، وهو متهم بسرقة معلومات حساسة من بيانات المصرف، وبإبلاغها إلى إدارة الضرائب الفرنسية. وبالنسبة لوزيرة العدل السويسرية: "هذا الملف تعلم به النيابة العامة السويسرية منذ مايو 2008، لكن الجهات الفرنسية لم تبد أي تعاون مع القضاء السويسري الذي طالب بتسليمه الموظّف السابق، كما لم تتعاون فرنسا مع المطالب السويسرية المتكررة بشأن تبادل معلومات حول هذه القضية".

وقدّم كارلو بولتّي، المكلّف بهذا الملف لدى النيابة العامة بالمناسبة بعض التفصيلات الإضافية مشيرا بالأساس إلى ان بحوزته "أدلّة تثبت أن إيرفي فالشياني قد حاول بيع البيانات المسروقة إلى دول أخرى"، لكن في ظل غياب معطيات كافية عن تلك البيانات، أضاف بولتي : "ليس بإمكاني تأكيد أو نفي ما يتردد عن أن بحوزة فرنسا 3000 إسما لفرنسيين أودعوا أموالهم في المصارف السويسرية للتهرب من دفع الضرائب الواجبة عليهم في بلادهم".

وإستفادة من هذه التجربة الصعبة مع الجارة الكبرى، تنوي الحكومة السويسرية، ومن خلال إلتماس سوف توجّهه إلى البرلمان قريبا تحديد الظروف والحالات التي يمكن فيها لسويسرا رفض تبادل معلومات او بيانات حتى مع البلدان التي تربطها بها اتفاقات منع الازدواج الضريبي، ومن ذلك مثلا وفقا لوزير المالية السويسري: "سوف يكون ممنوعا منعا باتا تسليم بيانات لإدارة دولة أجنبية إذا تأكّد أن مطلبها مبني على اساس معلومات حصلت عليها بطريقة غير مشروعة".

رسالة سياسية ضرورية

هذا التصعيد مع الجارة فرنسا سبقته مؤشرات تبيّن أن الحكومة السويسرية التي خضعت إلى ضغوط دولية شديدة على جبهات عدة، ووجدت نفسها خلال السنتيْن الأخيرتيْن محشورة في زاوية ضيّقة، ومعزولة على الساحتيْن الأوروبية والدولية، تحاول اليوم اخذ زمام المبادرة في الملف الضريبي بعد أن جرّبت الأمر نفسه على مستوى العلاقة المتأزمة مع ليبيا. ولا تبدو الحكومة السويسرية قلقة من مواجهتها مع فرنسا، فقد استطاعت خلال الأشهر الأخيرة، التفاوض مع 25 بلد من اجل التوصل إلى إبرام اتفاقات ثنائية لمنع الإزدواج الضريبي، وتم توقيع 15 اتفاقية منها على حد الآن، وهو ما يمكّنها من الإفلات من القائمة السوداء لمنظمة التعاون والتنمية الإقتصادية التي تشترط توقيع 12 اتفاقية مع دول أخرى على الأقل.

كذلك تتزامن هذه الخطوة مع إعلان الحكومة عن حزمة من الإجراءات الهادفة إلى إنقاذ السر المصرفي، وتعزيز القدرة التنافسية للساحة المالية السويسرية. ومن هذه الإجراءات التخفيف من العبء الضريبي لدعم أنشطة الوسطاء الماليين السويسريين في الخارج، وإستخلاص الضريبة الإبرائية المستقطعة من المنبع بالنسبة لودائع الرعاية الأجانب في المصارف السويسرية لصالح بلدانهم ، تضمين ذلك في الاتفاقيات الثنائية لمنع الازدواج الضريبي، مع تحديد نسبة الخصم عبر التوافق مع البلد المعني. وطبقا لهذا النظام، لا يحصل أصحاب الودائع الأجانب في المصارف السويسرية على أرباحهم إلا بعد دفع تلك الضرائب. ومن تلك الإجراءات أيضا إلغاء الرسوم المفروضة على المعاملات المالية.

هذه الخطوات جميعها من المفترض أن تؤدي إلى تأمين إستقرار الساحة المالية السويسرية وإلى قطع الطريق عن مطالبة الدول الأجنبية لسويسرا بتزويدها آليا ببيانات الحسابات المصرفية التي يمتلكها رعاياها في المصارف السويسرية.

ترحيب واسع

الإجراءات الحكومية وجدت ترحيبا واسعا لدى مختلف الاحزاب السياسية بإستثناء الحزب الإشتراكي السويسري. وتعليقا على ذلك اوضح فولفيو بيلّي، رئيس الحزب الليبيرالي الرديكالي أنه "إذا أردنا ان نحافظ على السر المصرفي، فلابد ان نقدّم للدول الأخرى مقترحات عملية، ومجدية، وتدرّ موارد مالية لصالحها"، ويأمل بيلّي أن تستفيد بلدان الإتحاد الأوروبي من هذه الفرصة وأن تتخلى عن مطالبتها بالتبادل الآلي للبيان بشأن الحسابات المصرفية للأوروبيين في المصارف السويسرية.

أما الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي دعا من قبل إلى فرض ضريبة تستقطع من المنبع، بالنسبة لرئيسه كريستوف داربولي: "تظل مبادرة الحكومة خيارا ممكنا، بشرط تعاون الإتحاد الأوروبي". لكن حزب الشعب، وعلى لسان رئيس مجموعته البرلمانية كاسبير باديير يرى "من المعقول جدا إدخال الضريبة الإبرائية المستقطعة من المنبع، لكن لا يمكننا أن نتصوّر حصول ذلك ما لم ينته الحديث إلى الأبد عن التبادل الآلي للمعلومات في المجال المصرفي".

بدورها باركت الدوائر المصرفية السويسرية التوجّه الحكومي الذي جاء متطابقا إلى حد كبير ما كانت تنتظره ، وصدر اوّل رد فعل على هذه الخطة الحكومية عن جمعية المصارف السويسرية التي جاء في بيانها بهذا الشأن : "تحيي جمعيتنا على وجه الخصوص فكرة الضريبة الإبرائية المستقطعة من المنبع، لصالح بلدان الرعايا الاجانب الذين لهم ودائع في مصارفنا، وهوما يسمح في نفس الوقت لأصحاب الودائع من الاجانب تسوية وضعياتهم مع إدارة الضرائب في بلدانهم".

والمهم بالنسبة لجمعية المصارف أن "هذه الحزمة من الإجراءات تحافظ على سرية المعطيات الشخصية لأصحاب الودائع، وتسد الطريق على التبادل الآلي والمباشر للمعطيات مع البلدان الأجنبية". اما الخطوة اللاحقة والمنتظرة من الحكومة فهي بحسب جمعية المصارف: "تمسكها بتضمين هذه الإجراءات والمقترحات في الإتفاقيات الثنائية التي تبرمها الحكومة مع بقية الدول".

كذلك لم يخف ممثل المصارف السويسرية الخاصة ميشال ديروبيرت دعمه وتاييده لقرار وزير المالية بتجميد عملية الإقرار والمصادقة على الإتفاق المصرفي مع فرنسا. وبالنسبة له: "عندما وقّعت فرنسا إتفاقيتها مع سويسرا كانت على علم كامل بانها سوف تستخدم معطليات مسروقة"، ويواصل متسائلا: "متى سوف تتوقّف هذه الدول عن إستخدام هذه الأساليب غير المشروعة في التعامل مع بلادنا؟". هذا التوجه العالم الداعم، لم يختلف عنه سوى موقف الجمعية السويسرية لشركات التامين، والتي ترى أن الإجراءات الحكومية لا تقدّم الكثير لتعزيز القدرة التنافسية للساحة المالية السويسرية!".

فصل جديد مع بروكسل

في انتظار ما ستسفر عنه عملية الشدّ والجذب بين سويسرا وفرنسا، تظل الإجراءات التي أعلنت عنها برن غير متطابقة مع ما يطمح إليه الإتحاد الأوروبي في المجال الضريبي وهذا الموضوع يعدّ من الأولويات المستقبلية للبلدان التي ستؤول إليها رئاسة الإتحاد كإسبانيا وبلجيكا وهنغاريا خلال السنتيْن القادمتيْن.

هذه الدول الثلاث عبّرت عن رغبتها في محاربة السر المصرفي على الساحة الدولية وجعلت من محاربة السر المصرفي وتبادل المعلومات في المجال الضريبي الحجر الأساس لبرنامجها الأوروبي ولا يبدو أن الإجراءات التي اتخذتها سويسرا في هذا المجال ستكون مرضية لها او كافية.

وباستثناء النمسا ولكسمبورغ، لا تريد دول الإتحاد الأوروبي الحديث عن أي استثناء بشأن السر المصرفي، وسيكون على سويسرا ان تتفاوض في النهاية مع الإتحاد الأوروبي للتوصل إلى اتفاق إطاري لتسوية هذا النزاع الضريبي، عندئذ سيتبيّن إن كانت برن قادرة على الصمود على خياراتها الحالية!

عبد الحفيظ العبدلي - swissinfo.ch مع الوكالات

فرنسا والصيد الثمين

الملفات التي حصلت عليها السلطات الفرنسية من الموظّف السابق ببنك HSBC السويسري على درجة كبيرة من الاهمية، ومادة دسمة لعمل المحققين. هذا ما اكدة اليوم 17 ديسمبر النائب العام بمدينة نيس الفرنسية إيريك دي مونتغولفيي.

واوضح هذا الأخير ان المعطيات التي حصل عليها من خلال التحقيق مع إرفي فالشياني، والتي سلمت لاحقا لغدارة الضرائب بباريس تتعلق بعمليات تغطي فترات طويلة، وتخص حسابات مصرفية فتحت واغلقت على امتداد عدة سنوات. والبعض من هذه الحسابات لم يستعمل إلا لعملية مصرفية واحدة. ولا يشك هذا النائب العام الفرنسي ان هذه المعطيات سوف تستخدم من طرف المحققين والإدارات المعنية في بلاده.

وفي تصريحات إلى وسائل إعلام سويسرية ، تساءل إيريك دي مونتغولفيي عن الجدوى الآن من نكران هذه الحقيقة، وهو يلمّح بحديثه إلى مصرف HSBC الذي لا يزال يردد بان الاسماء التي تظمنتها الملفات المسروقة لا تتجاوز عشرة أسماء في الوقت الذي تؤكد فيه السلطات الفرنسية أنها تخص 130ز000 إسما منها 3000 إسما فرنسيا.

ومما كشف عنه أيضا النائب العام بمدينة نيس هو أن ما لفت نظر القضاء الفرنسي إلى هذه القضية طلب سويسرا تسليمها الموظّف السابق ببنك HSBC، وبهذا المعنى "يمكن القول أن السلطات السويسرية هي التي وضعتنا على الطريق الصحيح لإكتشاف هذا الكنز الهام من المعلومات". ومبيّنا بأن السلطات السويسرية هي التي ساعدتهم على حل شفرات المعطيات التي كانت على حاسوب إرفي فالشياني. ولذلك يضيف المسؤول القضائي الفرنسي: "من غير المعقول أن تطلب منا سويسرا ان نتوقّف في منتصف الطريق وأن لا نصل بالتحقيقات إلى نهايتها".

الصحف السويسرية تنتقد الحكومة

انتقدت معظم الصحف السويسرية الصادرة يوم الخميس 17 ديسمبر بشدة الحكومة عقب إعلانها تعليق المصادقة على الإتفاق الضريبي مع فرنسا:

صحيفة "لوتون":
"وفّرت فرنسا لهانس رودولف – ميرتس فرصة ذهبية لاختتام دورة الرئاسة التي تولاها هذه السنة للثار لكرامته التي جرحت مرّات عدة هذه السنة. لقد قال الكلمة التي لم يقلها طيلة السنة: "الآن يكفي!".

"لاتريبون دي جنيف":
"مرة أخرى واصل ميرتس اللعبة المعروفة: الآن وقد حدث ما حدث، سوف نرى كيف نواجه الأمر".

"لوماتان":
"انتظرت الحكومة السويسرية مرور قرابة سنة كاملة لتتخذ موقفا في النهاية. وعلينا ان ننتظر الآن تبعات هذا الموقف".



وصلات

×