Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

المشهد الديني في سويسرا تحت المجهر




أصبحت التحوّلات العميقة، التي هزّت المشهد الديني في سويسرا في العقود الأخيرة مثار اهتمام بالغ على المستويين الرسمي والأكاديمي.

ولاستكشاف عمق تلك التحولات وانعكاساتها على مستوى هوية البلاد واستقرارها، عهدت الحكومة السويسرية للصندوق الوطني للبحث العلمي بمُـهمة تحليل الوضع الديني في البلاد خلال ثلاث سنوات وخصّـصت لهذا البرنامج ميزانية إجمالية قدرها 10 مليون فرنك سويسري.

تأتي هذه الخطوة لشعور أصحاب القرار بأن المعادلة التي كانت تحكم العلاقة بين الدِّيني والسياسي قد تغيّـرت، فالكنيستان المُـهيمنتان على المشهد الدِّيني في البلاد، واللتان يحصلان على امتيازات كبيرة من طرف الحكومة الفدرالية ومن الكانتونات، ضعُـفت قدرتهما على تعبِـئة المواطنين وانصرفت عنهما نسبة كبيرة من أتباعهما.

وفي المقابل، ظهرت بعض الحركات الدينية المسيحية المتشدِّدة وارتفعت نِـسبة المعتنقين لديانات غير أوروبية من أبناء البلد ومن المهاجرين، فضلا عن ظاهرة اللادينيين، التي وصلت إلى 11% من إجمالي السكان سنة 2002.

هذا الواقع الجديد فرض على الدولة والمجتمع تحدِّيات لا سابق لهما بها، الأمر الذي استوجب إطلاق هذا البرنامج الذي يعكس في حجمه (28 مشروعا) وميزانيته (10 مليون فرنك)، الأهمية التي أصبحت تحظى بها المسألة الدِّينية في المجتمع السويسري.

ويقول فيرنر هوغ، عضو بالهيئة المديرة لبرنامج PNR 58: "منذ سنوات، أصبحت السلطات على المستوى الفدرالي ومستوى الكانتونات في مواجهة أقليات دينية متعدِّدة، تطالب بإفساح المجال لها للمشاركة في الحياة العامة وما يتطلَّـبه ذلك من تكييف قانوني، ولا يتعلق الأمر هنا بالأقلية المسلمة فقط، بل بمجموعات أخرى أيضا، كالأقلية البوذية التي تواجه مصاعِـب على مستوى الاندماج".

واقع جديد، وتحديات جديدة

هذا المشهد الديني بكُـل تحوّلاته وتفاعلاته لم يغِـب يوما عن اهتمام المؤسسات البحثية في سويسرا منذ عقدين من الزمن، إذ سبق للصندوق الوطني للبحوث نفسه أن موّل دراسة حول البوذية، وكان المكتب الفدرالي للهجرة وراء دراسة أنجِـزت حول الأقلية المسلمة في سويسرا، ويجري مرصد الأديان بلوزان والعديد من المؤسسات البحثية الأخرى باستمرار بحوثا في المجال. فما الذي يضيفه هذا البرنامج الجديد؟

يجيب فيرنر هوغ قائلا: "نحن نريد أن نُـجيب عن سؤال محدّد، وهو كيف يمكِـن أن تتصرّف الدولة إزاء التحولات التي عصفت بالمشهد الديني، وكيفية الرد على مطالب هذه الأقليات؟ وما السبيل إلى ضمان العدل في معاملة مختلف الأديان، والاكتفاء بلعب دور الوسيط في مجتمع يتألّـف من متديّنين وغير متديّنين"؟

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الجواب على هذه التحدِّيات من الصعوبة بما كان، خاصة في وضع تحرِص فيه بعض الجهات السياسية على توظيف مخاوِف المواطنين وتوجُّـساتهم لتحقيق أغراض فِـئوية حزبية على حساب السِّـلم الأهلي والتسامح الديني.

فهي تعمد وبإصرار إلى ربط التجاوزات التي تحصل هنا وهناك لأسباب اجتماعية واقتصادية، بدِيانات بعينها، وتبرِّر التمييز العنصري ضد الأجانب تبريرا دينيا، وفي المقابل، تلجأ بعض الفِـئات الأخرى إلى ردّ الفعل بإضفاء صِـبغة دينية على مطالِـبها المشروعة في التعليم والعمل والاندماج، ويؤدي هذا المسلك في النهاية إلى إساءة توظيف الدِّين، فيكون إما لتبرير مظالِـم اجتماعية أو لتمرير مطالب سياسية.

لكن، هل كانت هذه الخطوة التي لن تظهر نتائجها إلا بعد ثلاث سنوات، مراوغة لربح الوقت وهروبا من مواجهة الاستحقاقات الحقيقية التي تتطلبها أي عملية اندماج في ظل وضع سياسي حساس لا يسمح بأي حِـوار شفاف وعقلاني؟ الأمر ليس كذلك، يجزم فيرنر هوغ: "هناك مستويات عدّة للتعامل مع هذا الموضوع الشائك، المستوى الأول، هو المعالجة اليومية للقضايا والمشكلات التي تتطلّـب معالجة سريعة، كالقضايا التي تحدُث في المدارس ومواطن العمل والإدارات العمومية، وأما المستوى الثاني، فيتعلق بالقضايا العامة التي تتطلّـب التفكير والروية، والهادفة إلى الوصول إلى حلول مستدامة".

الأقلية المسلمة.. الغائب الحاضر

إذا كان الإسلام هو الدِّيانة التي يُـثار حولها الجدل اليوم لِـما يُـبديه أتباعها من استعصاء عن الذوبان في النَّـسق الاجتماعي والقِـيمي للمجتمع المحلي، فإن هذه البحوث ستؤدِّي إلى تسليط الضوء على الضغوط التي تُـمارَس على هذه الأقلية من أجل أن تتكيّـف مع الواقع السويسري وقِـيمه وإلى تشجيعها على التنظيم والتوحد، لكي يَـسهل على الدولة اعتبارها شريكا في الحِـوار وطرفا يعهد إليه بتدبير شأنها الديني الخاص"، من دون أن يصل ذلك إلى حدّ التدخل المباشر في شؤونها، كما حصل في بلدان مجاورة، أولا، لأن المسألة الدِّينية من صلاحيات الكانتونات، وثانيا، لأن دستور البلاد لا يسمح بذلك، فالقانون ينص على أن مُـهمة الحكومة الفدرالية "العمل على احترام بنود الدستور، ومبدَأي الحرية والعدالة".

لكن من المرجّح أن تتطرّق هذه البحوث إلى قضايا شائكة، مثل تكوين الأئمة في إحدى المؤسسات السويسرية وضرورة إحاطتهم بأحد اللُّـغات الوطنية ومعرفتهم بالواقع المحلي، وستلامس أيضا مشكِـلة دور العِـبادة وطُـرق تمويلها، وليس مستبعَـدا أن يقترح الخُـبراء، الذين أسنِـدت لهم المهمّـة، على الحكومة الالتجاء كخطوة أولى في تغيير أوضاع هذه الأقلية إلى ما يُـسمى "التمييز الإيجابي".

المشكلة أن هذه المهمة أسندت إلى خبراء وأكاديميين في الجامعات والمدارس العليا المتخصصة، وهو ما يخشى أن يؤدي إلى تجريد الموضوع فيتحول من تحديات تتعلق بمطالب اجتماعية واقعية كالعدالة في توفير فرص الشغل والتعليم، ومكافحة التمييز في قطاعات مثل السكن والتدريب المهني.. إلى قضايا تتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة والمواقف الدينية لهذه الأقلية أو تلك، وهو ما يثير خشية البعض من أن ينحرف البرنامج عن أهدافه الحقيقية.

هذا الأمر الذي لا تقره السيدة بونهاج ألموت، المسؤولة عن وحدة التقييم العلمي والاتصال بالبرنامج، التي تؤكد بأن كل مشاريع البحوث تعرض على لجنة علمية مركزية وهي التي تتأكد من قيمتها العلمية، وتضيف: " عرض علينا حتى الآن 120 مشروع بحث، لم نقر إلا 34 مشروعا منها فقط".

ولدى سؤالها عن الحياد والموضوعية في البحث في قضايا اجتماعية ذات ارتباط بالهويات الدينية، أقرت بأن هذه "حقيقة ملازمة للبحوث الاجتماعية"، مضيفة بأنه "يبقى على أصحاب القرار الأخذ بما يرونه صالحا بعد أن تعرض عليهم نتائج البحوث في النهاية".

عبد الحفيظ العبدلي - لوزان

معطيات أساسية

تقلَّـص عدد الكنائس المسيحية في سويسرا بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة. وخلال استطلاع للرأي أجرِي عام 2000، أقَـر 16% فقط ممَّـن استطلعت أراؤهم بأهمية الدِّين في حياتهم، لكنهم يضعونه في مرتبة بعد العائلة والوظيفة والرياضة والثقافة.
في دراسة نُـشرت عام 2000، تراجَـع عدد الذين يذهبون بشكل منتظم إلى الكنيسة يوم الأحد بنسبة 10%، في حين قال 38.5% من الكاثوليك مقابل 50.7% أنهم لا يذهبون إلى الكنيسة أبدا، وقال 70% فقط أنهم يُـؤمنون بوجود إلاه.
كشف إحصاء رسمي أجْـري عام 2002، على التوزيع التالي لنسبة معتنقي الأديان المختلفة:
الكاثوليك (41.8%)
البروتستانت (35.3%)
المسلمين (4.3%)
الأرتودوكس (8.1%)، وأما البقية فدون 0.4%.
تضاعف عدد المسلمين في سويسرا مرّتين خلال العشرية (1990-2000) ليبلغ 310.000 مسلما.
على خلاف الأشخاص الذين يقولون إنهم ينتمون إلى إحدى الكنائس، وهم في الغالب من المُـسنين، نجد أن نِـسبة الذين ينتمون إلى دِيانات غير المسيحية ما فوق 60 عاما، لا تتجاوز نسبتهم 4.3% من مجموع المُـعتنقين لتلك الأديان.

باختصار

ينقسم هذا البرنامج الهادف إلى استكشاف المشهد الدِّيني في سويسرا إلى 29 مشروعا تتوزّع على ستة محاور كبرى، يدرُس محورها الأول الجماعات الدِّينية التي استقرت منذ زمن طويل في سويسرا، وكذلك الأقليات الدينية التي ظهرت حديثا كنتيجة لعاملَـيْ النزوح والهجرة، ونقصد بذلك الهندوس التامول والبوذيين الفيتناميين واليهود والمسيحيين الأورثدوكس.

أما المحور الثاني، فينصَـبُّ الاهتمام فيه على المشكلات ذات العلاقة بأكبر الأقليات الدينية في البلاد، ويحاول تبيان الطريقة التي تقدّم بها الأقلية المسلمة نفسها في الفضاء السويسري العام، وكيف تدافع عن مصالحها والطريقة التي تنظم بها الجماعات غير السُـنية نفسها.

ويعتني المحور الثالث، بالوظيفة التي تقوم بها الأديان في مختلف الفضاءات المدنية، كالوقوف على الدّور الذي تلعبه في مجالِ العمل الاجتماعي وفي تكوين المُـدرسين في المؤسسات التعليمية والمشرفين على المؤسسات العقابية.

وينصَـبُّ الاهتمام في المحور الرابع، على دراسة موقف الشباب من الأديان والطريقة التي يتعاملون بها مع الخيارات الدِّينية المُـتاحة إليهم وحدود التزامهم بالضوابط التي تضعها الأديان. وسيتوقف البحث في هذا المستوى على طبيعة الدور الذي تلعبه التربية الدينية في البيت وفي المدرسة وضمن المجموعة الدينية الواحدة.

أما المحور قبل الأخير، فيدرس المظاهر المختلفة للحياة الدينية في سويسرا وموقف الأفراد من الأديان والتدَيُّـن ونظرتهم إلى بِـنية المشهد الدِّيني في البلاد. وخلال هذا المحور، تتم المقارنة بين الطريقة التي يتطوّر بها الوضع الدِّيني في سويسرا وفي بلدان أخرى.

وفي المحور الأخير، يتركـّز الاهتمام على رصْـد حضور الأديان في المجتمع عامة والمجتمع السياسي خاصة، ويتساءل عن طبيعة الدّور الذي يلعبه الدِّين في المجال الإعلامي، ويحاول أيضا إبراز تأثير الإعلام المحلّي على عمل المجموعات الدينية وعلى نشاط أفرادها.



وصلات

×