Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

"علينا أن نفرض خطابا وجماليات تُـوقظ الجمهور المخدّر"




اختارت الهيئة المشرفة على تنظيم الدورة 21 للمهرجان الدولي للأفلام في مدينة فريبورغ شريط "جنون" للمخرج التونسي الفاضل الجعايبي ضمن المسابقة الرئيسية للدورة التي تستمر من 18 إلى 25 مارس الجاري.

سويس إنفو التقت الجعايبي الذي زار سويسرا هذا الأسبوع لحضور عرض شريطه السينمائي الجديد وأجرت معه حوارا صريحا وشاملا.

رغم الضجيج الإعلامي الذي ما فتئ يصاحب عددا من العروض المسرحية أو الأفلام السينمائية التونسية، إلا أن ذلك لا يخفي الأزمة العميقة التي يعيشها هذا القطاع لأسباب قد يكون أبرزها التغيّر الذي طرأ على الجمهور المسرحي والسينمائي منذ بداية التسعينات وغياب المموّل القار وضعف مساهمة الدولة في الإنتاج الفني، ما أدّى إلى تحكّـم المنطق التجاري في هذا القطاع، فعمل على استمالة المراهقين واللجوء إلى الحلول السهلة بدل السعي إلى الارتقاء بالذوق الفني والجمالي للجمهور.

ويشير مراقبون للساحة الثقافية أن قطاعا لا يستهان به من الطبقة الوسطى والطلبة الجامعيين، الذين كانوا يهتمّـون في السابق بالإنتاج ذي الطابع السياسي أو الإجتماعي تغيّـرت اختياراته الفكرية وتبدلت توجهاته العقائدية في غفلة من أصحاب هذه الصناعة.

ومن أجل التعويض عن انصراف هذه الفئة، طغت على الساحة نوعية من الأفلام الفاقِـدة لأي مضمون أو قيمة فنية، فكثُـرت المشاهد الخليعة والإنتاج الفلكلُـوري البعيد عن الواقع، وإن تدثّـر بلهجة عامية ومقولات شعبية، وخضع هذا الإنتاج أيضا إلى شروط المموّل الأجنبي، الذي عادة ما يشترط إدراج بعض المشاهد الخليعة لضمان التسويق خارج الحدود.

يضاف إلى ذلك التضييق على القليل من المحاولات الفنية الجادّة وإيثار المنتجين والمخرجين للسلامة وتجنيب أنفسهم متاعب الرقابة والمساءلة، فضلا عن الإنتشار الواسع لمحلات كراء أشرطة الفيديو والأقراص المدمجة والفضائيات وشبكة الإنترنت، كل ذلك أدّى إلى تراجُـع صناعة الفن السابع في تونس، وأبرز تجليات ذلك، قلّـة الإنتاج وهجران الجمهور لقاعات العرض التي تراجع عددها من 82 قاعة عام 1987 إلى 40 فقط عام 2000، كما أغلقت قاعات العروض السينمائية نهائيا أبوابها في 10 ولايات (محافظات) من جُـملة 27 ولاية.

لكن مافتئت من حين لآخر تطفو على السّـطح أعمال جادة تثير نقاشا حادا، فتجلب إليها الأنظار وتصنع الحدث الثقافي في تونس، وربما أثارت جدلا حادا في الأوساط الفكرية والدوائر السياسية، ومن هذه الأعمال، ما يبادر به من حين لآخر المخرج المسرحي والسينمائي فاضل الجعايبي، الذي زار سويسرا هذا الأسبوع لحضور عرض شريطه "جنون" في إطار الدورة 21 للمهرجان الدولي للأفلام في مدينة فريبورغ.

سويس انفو: هل هذه أول مشاركة لكم في مهرجان فريبورغ السينمائي الدولي؟

فاضل الجعايبي: نعم، هذه أول مشاركة لي، وأنا سعيد بذلك.

سويس انفو: ما الذي يمثله لكم ترشيح فيلم "جنون" للمسابقة الرسمية؟

فاضل الجعايبي: في هذا اعتراف واهتمام بالفيلم، شكلا ومضمونا.

سويس انفو: إلى أي حد يمكن أن يساهم انفتاح الفن العربي على الجمهور الغربي في بناء جسور التواصل والتفاهم بين العالمين؟

فاضل الجعايبي: هذا التواصل يمتد لثلاثة عقود مضت، وهذه الجسور موجودة، لكن هناك ما هو إيجابي وهناك ما هو سلبي في هذه العلاقة. من ناحية الغرب، بمركباته وعقده تجاهنا، يشعر بضرورة التعرف علينا من زوايا أخرى بعيدا عن الفلكلور والرقابة والتغريب، أما السلبي، فهو سوء الفهم لبعض الأعمال التي لا تتماشى مع انتظارات بعض المنظمين والموزعين والنقاد، وهؤلاء لديهم في بعض الأحيان أفكار مسبقة ومواقف إيديولوجية وسياسية صادرة عن شعور بالذنب وعدم معرفة بالغير. المشكلة، أننا لا نبادلهم نفس الرغبة في حب التعرف على ما عندهم ولا نتساءل ماذا أعطانا الغرب وماذا أخذ منا؟

سويس انفو: اشتهرتم بعملكم المسرحي، واليوم تقدمون أفلاما سينمائية بهذا الاقتدار العالمي، فهل هي مجرد تجربة أم بداية مشوار فني جديد؟

فاضل الجعايبي: ليست تجربة ولا بداية مشوار، فهذا هو الفيلم الرابع الذي أقوم بإخراجه بعد أفلام "العرس" و"عرب" و"شيشخان"، صحيح أن إنتاجي المسرحي غزير مقارنة بالإنتاج السينمائي، والسينما بالنسبة لي رغبة مُـلحة وشهوة، لكن ليست بنفس الدرجة مثل المسرح.

سويس انفو: المشاهد لفيلم "جنون"، يجد حضورا كبيرا لقضية المرأة والعنف المسلط عليها، أليس هذا غريبا في بلد يقدّم نفسه نموذجا في مجال حقوق المرأة وحريتها؟

فاضل الجعايبي: صحيح أن تونس بلد مجلة الأحوال الشخصية وأن حقوق المرأة منصوص عليها في القانون، أما في الممارسة اليومية، فالفجوة كبيرة بين القول والفعل، والمرأة مضطهدة في تونس ومظلومة وحقوقها مهضومة.

ومقارنة بالمرأة السودانية والإريترية، ربما حصلت المرأة التونسية على حقوق لا نستطيع أن ننكرها، لكن تبقى مُـقتصرة على فئة معيّـنة وليس لعامة النساء. وفي المناطق الداخلية، تعيش المرأة أوضاع القرون الوسطى، لا يغرنّـك القول أنك في بلد طاهر الحداد وبورقيبة، بل انظر إلى واقع الأشياء.

أما في الفيلم، فقد صورنا فئتين في المجتمع التونسي، فئة نون وعائلته وانتماءه الاجتماعي، وفئة الطبيبة، رمز المرأة المتحررة القدوة في مجالها، وهي تواجه، سياسيا ومهنيا، المؤسسة والعائلة والمجتمع، هذا التناقض بين الفئتين حقيقة في المجتمع التونسي لا يُـمكن إغفالها.

سويس انفو: لكننا لا نستطيع أن ننكر أن هناك نساء أعمال ومحاميات ووزيرات وأساتذة جامعات ونائبات في البرلمان؟

فاضل الجعايبي: المرأة تقدمت في مجالات عديدة، ولكن، كم من النساء أتعس من الرجال! لقد افتككن حريات مزيّـفة، امرأة أعمال أو سائقة طائرة.... قد يكون ذلك إيجابيا وقد يكون سلبيا، ولا يجب أن نُـجامل المرأة.

سويس انفو: من فرقة قفصة إلى المسرح الجديد، ومن الأحداث الطلابية في فرنسا سنة 1968 إلى تقييم "خمسون" للتجربة الوطنية، ما هو الخيط الناظم لكل هذه الأعمال؟

فاضل الجعايبي: هو تكريس المواطنة مع الفن، نحن مواطنون قبل أن نكون فنانين، والفن في خدمة التوعية العامة، ربما مجازفة أو غرورا منا. ولكن، منذ ثلاثين سنة دعوْنا المواطنين، بغضِّ النظر عن مستواهم الثقافي والاجتماعي، إلى امتلاك نظرة نقدية ثاقبة للمجتمع الذي يعيشون فيه وأن تكون لهم مساهمة، ولو متواضعة في نهضته.

إننا نتوخّـى وضع مرآة أمامنا وأمامهم، وكنا نتحدث في أعمالنا عن الحرية والمسؤولية الفردية والجماعية، وكان شعارنا "المواطن التونسي والمجتمع التونسي الآن وهنا".

سويس انفو: الغالب على العمل المسرحي والسينمائي في تونس، انفصاله عن قضايا المجتمع، هل هذا بدافع الربح أم خوفا من الرقيب؟

فاضل الجعايبي: لا أشاطرك هذا التعميم، لأن الاستثناءات كثيرة، وهناك الكثير من المخرجين والكتاب الذين ينظرون بعين ثاقبة وبوعي متدفّـق إلى المجتمع التونسي ويواجهونه بكل شجاعة. وككل الشرائح الاجتماعية، هناك من يستهويه الربح وهناك من يختار النِّـضال وهناك المتملقون والانتهازيون والجبناء.

سويس انفو: في أعمالكم الفنية الأخيرة، خاصة في "خمسون" و"جنون"، غازلتم الجميع ولم ترضوا أحدا، فهل تحوّل العمل الفني إلى تصفية حسابات؟

فاضل الجعايبي: عايشنا في السنوات الأخيرة موت العديد من أقطاب اليسار، الذين عانوا في السجون والمنافي دفاعا عن الحريات والعدالة والمساواة، ورأيناهم يموتون في غياب اعتراف رسمي وفي تهميش كبير، ويكاد الوعي العام لا يعرف من هو نور الدين بن خذر أو أحمد بن عثمان...

فإذا كان لمسرحية "خمسون" هدف، فهو أن يتصالح المواطن التونسي مع الذاكرة العامة ومع التاريخ الذي أهمله التاريخ الرسمي. وقررنا التعريف بنضال هؤلاء وأن نضعهم أمام الحقيقة لمعرفة أين أخطأنا وأين ربحنا وأين خسرنا، ولماذا تواطأ البعض مع النظام الأول ثم النظام الثاني؟ ولماذا انقلب بعضهم زاحفا أمام هذا الحاكم أو ذاك؟ ولماذا استقال البعض وامتنع عن المواجهة بعد خروجه من السجن؟ لقد أخطأ من همّشهم ليُـعطي الكلمة لغيرهم في بداية الثمانينات. إن الهدف الأساسي من هذه المسرحية، هو إعادة الاعتبار لليسار، ولكن برؤية نقدية.

سويس انفو: ربط البعض بين السماح بعرض مسرحية والأحداث المؤلمة التي عاشتها تونس أواخر عام 2006، فهل جاء هذا صدفة؟

فاضل الجعايبي: حصلنا على الترخيص بالعرض قبل أحداث زغوان بشهر ونصف، وكأن المسرحية كانت تنبّـؤية، وما دافعنا عنه في هذه المسرحية، هو أن يكون المواطن التونسي والمسؤول التونسي حذرين تُـجاه ما يهدِّد البلاد من خطر. كانت الحكومة تنكر ذلك وتتهمنا بالنفخ في الرماد، لكن الأحداث جاءت لتصدّق قراءتنا للأحداث.

لقد كنا نرصد التغيّرات التي يعيشها المجتمع، حيث كانت دُور العبادة تعج بالشباب والشوارع بالمتحجبات، وكان علينا أن نطلق صرخة الحذر، وقد أدرك النظام أخيرا أن تعامله مع القوى الديمقراطية أفضل له من إقصائها.

سويس انفو: تتحدثون عن حوار فكري ديمقراطي في واقع يسوده المونولوغ الثقافي والسياسي؟

فاضل الجعايبي: أشاطرك الرأي، ولابد من أن نبادر بالحوار وأن تتم مراجعة النظام التربوي والثقافي، وعلينا أن نفرض خطابا وجماليات تُـوقظ الجمهور المخدّر والمبنّج ونطالب بشدة بإرساء حوار حقيقي في تونس.

سويس انفو: ورد في حوار لكم: "نحن مستقلون وأهم شيء يمتلكه الفنان هو استقلاليته"، فلو أن ابنتكم اختارت لبس الحجاب مثلما حصل في مسرحية "خمسون"، فماذا سيكون رد فعلكم؟

فاضل الجعايبي: لا أعرف كيف سأتصرف، من الممكن أن أقطع أي علاقة بها. قد أكون أنا متطرفا ديمقراطيا، وربما يطغى جانب الأبوّة وأحاورُها وأحاول إقناعها بالرجوع عن قرارها، ولكن لا أستطيع أن أجيبك قطعيا، لأنني لم أعش هذا الوضع.

سويس انفو: لكن الفنان لِـسان المجتمع، وهناك فتيات ونساء في تونس يتعرّضن إلى الإكراه من أجل نزع الحجاب؟

فاضل الجعايبي: أنا ليس لدي موقفا من الحجاب، ومادام لا أحد يجبرني على الذهاب إلى المسجد أو يمنعني من الذهاب إلى الحانات، فهو وشأنه يلبس ما يريد، أنا لائكي ديمقراطي، ولكل إنسان الحق في ممارسة حريته، ما لم يتعدّ على حرية غيره، والدّين مواجهة شخصية بين الله والفرد، ومن يفرض عليّ نظاما غير لائكي وغير علماني، أحاربه بكل ما أوتِـيت من قوة.

سويس انفو: هل لديكم أعمال يمكن أن ترى النور قريبا؟

فاضل الجعايبي: نحن لا زلنا خارجين من أزمة ولا زلنا نحتفل بتقديم مسرحيتنا الأخيرة ومعنيون بفتح حوار ثقافي بيننا وبين جمهورنا، وعلينا أن ننتظر فترة من الزمن ثم نبدأ مشروعا جديدا.

أجرى الحوار عبد الحفيظ العبدلي - فريبورغ

باختصار

يعتبر الفاضل الجعايبي، الذي بدأت مسيرته الفنية منذ أكثر من 30 سنة، أحد كبار المسرحيين العرب في الوقت الحاضر.

إثر عودته لتونس في مطلع السبعينات، بدأ مشواره الفني بتأسيس فرقة قفصة (جنوب غرب تونس)، وتميّزت أعماله في البداية بالانطلاق من صور الحياة اليومية، موظفا مخزون التراث الشعبي من الشعر والأدب ومستفيدا مما يختزنه الجنوب التونسي من المعالم التاريخية.

وفي سنة 1976، أسس الجعايبي فرقة المسرح الجديد، فطبعت الساحة التونسية بطابعها المختلف وقدمت العديد من المسرحيات المتميزة مثل "العرس" و"غسالة النوادر" و"عرب".

وفي مطلع التسعينات، كانت انطلاقته الثالثة برفقة جليلة بكار، زوجته، ومن خلال الأعمال المتتالية، أصبح هذا الفنان أحد المخرجين المتميّزين في العالم العربي، ولقيت مسرحياته عن "الذاكرة والنسيان" و"عشاق المقهى المهجور" و"خمسون" و"جنون"، متابعة كبيرة من الجمهور وعناية أكبر من نقّـاد الفن المسرحي.

تتميز أعمال الجعايبي الفنية بالجُـرأة والنقد اللاّذع في الطرح والثورة في اللغة ومعالجة الموضوعات التي يخشى الكثيرون التطرق إليها، فتناول ظاهرة الانفصام في المجتمع التونسي وفقدان الذاكرة التاريخية، نتيجة القطيعة العنيفة مع الماضي والتحديث المفروض بعُـنف السلطة والإكراه، وقضية التطرف وأسبابه العميقة، وظواهر العنف الذي يستهدف المرأة، وتناول بالنقد الشديد تجربة العائلة الفكرية التي ينتمي إليها، وذلك من أجل تجديد المشروع، حسب قوله.

تتعرض أعماله من حين لآخر إلى التضييق والمنع، وهو ما يساهم في التعبئة لها، وكانت آخر مصادمة له مع الرقيب في الأشهر الماضية حيث منعته السلطات من عرض مسرحية "خمسون"، التي تتعرض بالتقييم للتجربة التونسية منذ الاستقلال (1956 - 2006) وتقدم تفسيرا للأسباب الكامنة وراء ظاهرة التطرف والعنف، الذي بات يهدد استقرار المجتمع. ومع أنها سمحت في نهاية المطاف بعرض المسرحية إلا أن السلطات التونسية تنفي أطروحات الجعايبي وتتهم أعماله بالإثارة، واختلاق المشكلات.



وصلات

×