آخـر من يـعـلـم!

مبنى جهاز الإدعاء العام السويسري في العاصمة برن، وهي الجهة التي يفترض أن تكون حلقة التواصل بين جميع الاجهزة المعنية بالأمن في الكنفدرالية Keystone Archive

تجد السلطات الأمنية السويسرية نفسها الآن في موقف حرج للغاية، إذ تبدو أمام الرأي العام وكأنها "آخر من يعلم".

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 نوفمبر 2004 - 16:21 يوليو,

فما تم الكشف عنه مؤخرا عن وجود من يشتبه في أنه رئيس خلية إرهابية مقيم في سويسرا، أربك السلطات الأمنية، لأنها علمت بذلك من قبيل المصادفة، وعبر وسائل الإعلام الإسبانية!

ينظر الكثير من المراقبين إلى قرار سلطات الأمن في سويسرا الأخير، بتعزيز التعاون مع نظيرتها الإسبانية في مجال مكافحة الإرهاب، على أنها محاولة للتغطية على ما شاب عمل الجهاز الأمني من قصور، إثر اكتشاف وجود شخص كان معتقلا في سجن بزوريخ تعتبره السلطات الإسبانية زعيم خلية إرهابية خططت حسبما يبدو لتفجير المحكمة العليا في مدريد.

وكان في اعتراف السلطات السويسرية يوم 20 أكتوبر الماضي بأن اعتقال المدعو محمد أشرف جاء بعد أن عرفت من وسائل الإعلام الإسبانية بوجوده في سويسرا، دليلا على وجود خلل ما في الجهات الأمنية.

هذا الخلل ليس تقصيرا في أداء المهام، ولكنه ناجم عن غياب التنسيق بين مختلف الأجهزة وتشعب اختصاصاتها واهتماماتها في بلد يعتمد النظام كونفدرالي.

فالشرطة الفدرالية ليست مسؤولة عن شرطة الكانتونات، وتلك الأخيرة ليست مجبرة على إحاطة الأولى بكل صغيرة وكبيرة، أما المخابرات الداخلية، فلها اهتمامات أخرى طالما ليس هناك إنذار يلفت نظرها إلى التحرك في اتجاه معين.

وكان من الممكن تلافي كل هذا اللبس والخلط والتأخير في رد الفعل، لو أن سويسرا كانت عضوة في اتفاقية شنغن ومعاهدة دبلن (الأولى تتعلق بحرية تنقل الأفراد والثانية بتبادل المعلومات حول طالبي حق اللجوء)، حيث كانت ستحصل على معلومات دقيقة، فور إلقائها القبض على محمد اشرف في 28 أغسطس الماضي بتهمة الإقامة في البلاد بوجه غير مشروع.

"تعاون أمني كامل" أم "حالة خاصة"

وتنصب كل تلك الخيوط المتشابكة على الدور السويسري في مكافحة الإرهاب، وقد يكون لها انعكاسات على سياسة الحكومة الفدرالية في اتجاهين: الأول، سيعزز من موقف مؤيدي الانضمام إلى شينغين ودبلن، لتحقيق تعاون أمني أشمل وأفضل مع بروكسل، وبالتالي يمكن تلافي مثل هذا الخطأ الفادح مستقبلا، حيث يسهل الدخول على قاعدة البيانات الأوروبية والتعرف على الأشخاص المشتبه فيهم، ويعطي صورة تفصيلية عما يمكن أن يحدث.

والثاني، سيقود إلى محاولة تمسك تيار اليمين المتشدد بضرورة الإبقاء على سويسرا بعيدة عن الدخول في الملفات الأوروبية المتشعبة، في مقابل تعزيز التعاون الأمني الداخلي والتنسيق بين أجهزة الشرطة المختلفة، ومحاولة التفاهم مع الجهات الأمنية الأوروبية الأخرى، وتعزيز أسلوب التعاون المشترك الحالي من خلال الشرطة الأوروبية (أوروبول) على سبيل المثال.

إلا أنه من المستبعد أن تميل الأطراف الأوروبية إلى هذه المقاربة، فالسلطات في مدريد على سبيل المثال، استخدمت التنصت على مكالمات المشتبه فيهم في إسبانيا وعرفت بأن الخلية الإرهابية يتم إدارتها من سويسرا، ولم تقم بإحاطة السلطات في برن بأن العقل المدبر (حسب رأيها) موجود فوق ترابها، بل اكتفت بإعلان ذلك في الصحف الإسبانية.

وكانت الخطوة التالية، أن تقدم مدريد مطلبا التعاون القضائي مع سويسرا، وفق النظم المتبعة حتى الآن، أي أن إسبانيا لم تكن مضطرة إلى إحاطة سويسرا بكل تلك النتائج طالما أنه ليس هناك خطر جسيم يتهدد الكنفدرالية، وكأن لسان حالها يقول "ليس من واجبي إخبارك إن أردت أن تبقى بعيدا".

ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو التيار الأول أن التعاون بين سويسرا والاتحاد الأوربي في المجال الأمني ومحاربة الارهاب لن يكون فعالا إلا إذا كان من خلال المعايير الأوروبية وليس عبر ما يسمى بـ"الحالة الخاصة".

وفي هذا السياق يقول البروفيسور لورانت مورايون من كلية علم الاجرام وقانون العقوبات في لوزان، بأن ملف محمد أشرف كان سيسير في منحى آخر لو تمكنت السلطات من الإطلاع على قاعدة البيانات الأمنية الأوربية، ومنها تعرف المعلومات التي تبحث عنها، وربما ما أبقت على محمد أشرف معتقلا لديها حتى هذه الساعة، وقامت بترحيله على الفور إلى الخارج.

مجرد ثغرة أمنية

في المقابل، لا يتوقع البعض أن يكون الجهاز الأمني السويسري على هذا القدر من السذاجة وقصر النظر، فالمعروف عن الكونفدرالية أنها تضع الاستقرار الأمني على رأس اهتماماتها وأولوياتها، وعندما رفض المتحدث باسم الشرطة الفدرالية نفي أو تأكيد ما أوردته مجلة "فاكتس" الأسبوعية في عددها الصادر في 27 أكتوبر الماضي، بأن السلطات الفدرالية قامت بالفعل بالتحقيق مع محمد أشرف فور إلقاء القبض عليه وليس فقط شرطة كانتون زيورخ، لا يحتمل إلا تأويلين اثنين.

فإن كان التحقيق على مستوى فدرالي مع المشتبه فيه لم يسفر عن شيء، فهذا ليس دليلا براءته بل إدانة للسلطات التي لم تتمكن من التعرف على مدى خطورته في وقت مبكر، وإن كانت قد عرفت ما يثير الشبهة حوله، فلماذا لم تتكلم في الوقت المناسب وتكشف الأمر من الداخل ، قبل أن يعرف به الجميع من وسائل الإعلام الإسبانية.

هذا الرفض على التعليق أثار حفيظة بعض البرلمانيين، الذين اعتقدوا بأن في ذلك دليل على أن هناك شيئا ما دار في الخفاء، ويطالبون الآن بلجنة تحقيق برلمانية تضع النقاط على الحروف، والوقوف على أسباب الخلل وأوجه القصور في التعاون الأمني البيني في سويسرا.

وفيما يتخوف البعض الآن من أن تفسح تلك الثغرة الأمنية المجال أمام الأصوات الداعية إلى ممارسة المزيد من الضغوط والمراقبة على كل ما هو عربي أو اسلامي في سويسرا، وأن يستغلها اليمين المتشدد كدليل على أن الوجود الاسلامي يهدد أمن وسلامة الكنفدرالية، يتوقع آخرون أن تؤدي بالعكس من ذلك إلى إقناع الناخبين بأن الالتحاق بمعاهدة شنغن واتفاقية دبلن هو أفضل الطرق لسدها نهائيا.

تامر ابوالعينين - سويس انفو

باختصار

ما أن أعلنت السلطات الإسبانية عن وجود من وصفته بـ "العقل المدبر" لخلية ارهابية في سويسرا، حتى أحس الرأي العام بخيبة أمل من أسلوب عمل الأجهزة الأمنية، لاسيما مع نشر صحف سويسرية لوثائق وتفاصيل خطيرة نقلا عن وسائل الإعلام الإسباني، كشفت كيف كان هذا المشتبه فيه يعيش في زيورخ ويخطط لتمويل عمليات ارهابية في اسبانيا وبعض المناطق الاوروبية، فيما كان الأمن السويسري آخر من يعلم، أو هكذا بدا.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة