أزمة ثقة بين الشيعة والأكراد

السيد إبراهيم الجعفري يهنئ الزعيم الكردي جلال طالباني عند إنتخابه رئيساً إنتقالياً للعراق (6 أبريل 2005) Keystone

دخلت أزمة الثقة بين الأكراد والشيعة منعطفا ينذر بفرط تحالفهما الذي أوصلهما إلى تقاسم السلطة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 يوليو 2005 - 10:15 يوليو,

بوادر الأزمة بين الجانبين تبدت واضحة مع اتهام الأكراد المرجعية الدينية للشيعة بعرقلة الفدرالية وتسوية مسألة كركوك..

وجّـه الطالباني مؤخرا رسالة شديدة اللّـهجة إلى الجعفري، واتهمه فيها بخرق الاتفاق الذي وقعه مع التحالف الكردستاني عند تشكيل الحكومة، ودعاه إلى احترام ذلك الاتفاق.

وخاطب الطالباني الجعفري قائلا "لا يمكن السكوت بعد الآن عن تصرفاتك ومواقفك"، واتهمه بالتفرد في اتخاذ القرارات، وعرقلة تسوية قضية كركوك، وتهميش دور الأكراد في الحكومة والجمعية الوطنية.

اندلعت الأزمة منذ بدايات تشكيل الحكومة، بل وقبلها عندما خطف الأكراد لذة انتصار الشيعة "في الانتخابات"، وأطالوا في أمد مفاوضاتهم معهم لتشكيل الحكومة، ولوحوا بتحالفات جانبية مع الأحزاب والتنظيمات والشخصيات العلمانية، قد تبرز إلى العلن في الانتخابات القادمة، ولسان حالهم يقول لأمريكا وبريطانيا ودول المنطقة: "احذروا الإسلاميين الشيعة، ونحن من يقدر على كبح انتصارهم". ولا تستبعد أوساط الشيعة أن يستثمر وزير الخارجية هوشيار زيباري موقعه لتحذير دول المنطقة، ومصر تحديدا، من «الخطر الشيعي».

إن مجرد الاطلاع على تصريحات الأوساط الرسمية والشعبية في كردستان العراق، يؤكد أن التحالف الكردي الشيعي مهدد بالانفراط، خصوصا وأن بعض قادة الأكراد أخذ يصف حكومة الجعفري بأنها مشكلة من «أحزاب لا تزال تتسلم رواتبها من دول الجيران»، وهي اشارة قوية إلى إيران، وهذا الأمر يعكس تداعيات الوضع الراهن على مستقبل العلاقة بين الطرفين.

حاليا، فإن العلاقة بين الشيعة والأكراد تُـشبه زواج المتعة الذي لايحتاج إلى طلاق، أو أنه زواج مؤقت مع بقاء العصمة بيد الأكراد، وإذا تطور، فقد يؤدّي إلى انهيار الحكومة في بغداد، وبالتالي، إلى تفتيت العراق في مرحلة لاحقة.

أحصى الأكراد على الجعفري "أخطاء الحكم" في اللحظة التي أدت الحكومة العراقية الجديدة اليمين الدستورية، وحذفه لعبارة تشير إلى أن العراق بلد فدرالي وديمقراطي، واضطرت الحكومة بعد خمسة أيام، إلى إعادة أداء اليمين بالشكل الذي يُـرضي الأكراد بعد احتجاجات شديدة.

وبرر الجعفري فعلته بـ «خطأ غير مقصود»، لكن حلفاءه لم يقتنعوا.. ورضوا! واعتبروا قبل ذلك أن حذف عبارة «العراق الفدرالي الديمقراطي» يهدّد التحالف بين الجانب الكردي والائتلاف العراقي الموحد، علما أنه بدون مقاعد الأكراد الـ 77، لا يمكن للشيعة تحقيق أغلبية الثلثين في الجمعية الوطنية وتشكيل الحكومة.

وأيضا، فإن موقف الكتلة الكردية في حكومة الجعفري، أكد أن لدى الأكراد ثوابت لا يمكن المساومة عليها، بما دفع إلى الاعتقاد أن من شأن مشاكل من هذا النوع أن تعقّـد مهمة حكومة الجعفري في الشهور المتبقية من عمرها.

الهوة تتسع بين الكتلتين

وزاد في اتساع الهوة، رفضُ الطالباني عددا من الإجراءات الحكومية التي اتخذها الجعفري، منها الإفراج عن معتقلين إيرانيين، وتعيين الدكتور خضير فاضل عباس، وزير الصحة الاسبق، في منصب امين عام ديوان رئاسة الوزراء، لكن الخلاف حول مسألة تطبيع الأوضاع في مدينة كركوك يُـعد المفصل الرئيس في هذا النزاع الذي دفع بالطالباني إلى القول في رسالته إلى الجعفري، "لا يمكننا السكوت والقبول بفرض الأمر الواقع علينا".

ولوّح الأكراد بالانسحاب من الحكومة وسط تصاعد النعرات المذهبية على خلفية التفجيرات والاغتيالات والتصفيات، وتبني الطالباني بشكل لافت مهمة الدفاع عن «السُـنة»، بالرغم من علمانيته المفرطة، إذ ينظر قانون إدارة الدولة الذي سينبثق منه الدستور الدائم للبلاد، إلى الأكراد كقومية لا مذهب لها، في نظام المحاصصة، وهذا ما يثير قلق الشيعة في الانتخابات القادمة.

منذ تأسيس مجلس الحكم بعد سقوط النظام السابق، أخذ الأكراد يهددون باستمرار بالانسحاب من العملية السياسية كلما واجهوا مشكلة في تمرير «الفدرالية» مع شركائهم.

وقد أرسل الزعيمان الكرديان، مسعود البارزاني، وجلال الطالباني رسالة مشتركة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش عبّـرا فيها عن قلقهما بشأن «الفدرالية»، وطلبا أن يدعم بوش قانون إدارة الدولة الذي أوجد مناخا للفدرالية جديدا، لم يألفه العراقيون من قبل.

ويعتقد الأكراد أن المرجعية الدينية هي من يُـعرقل تطبيق الفدرالية، وحسم مسألة كركوك، بعد دورها المفصلي في الانتخابات أواخر كانون الثاني الماضي، ولهذا، فقد يمّـم الطالباني وجهه صَـوب النجف الأشرف، والتقى المرجعيات الدينية فيها وعلى رأسها آية الله العظمى علي السيستاني، وغازلهم بأهمية أن يبقى التحالف الكردي الشيعي، لمواجهة «خطر العلمانيين»، وفي نفس الوقت، يحذر الأكراد من تفرد الشيعة بالحكم، ويتهمونهم بالولاء لدولة إقليمية هي إيران.

المادة 58 من قانون إدارة الدولة

يطالب الأكراد الجعفري بتفعيل المادة الـ (58) من قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت، والتي تُـلزم حكومة الجعفري الانتقالية حلّ النزاعات المُـلكية العقارية، و باتخاذ تدابير سريعة من أجل رفع الظلم الذي سبِّـبته ممارسات النظام السابق، والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة، من ضمنها كركوك، وذلك من خلال ترحيل ونفي الأفراد من أماكن سُـكناهم، وإجبارهم على الهجرة القسرية من داخل المنطقة وخارجها، وتوطين الأفراد الغرباء عن المنطقة، وحرمان السكان من العمل، ومن خلال تصحيح القومية.

ولمعالجة ذلك، يلح الأكراد على الجعفري العمل من أجل رفع هذا الظلم عبر اتخاذ خطوات عديدة منها:

فيما يتعلق بالمقيمين المرحّـلين والمنفيّـين والمهجّـرين والمهاجرين، وانسجاماً مع قانون الهيئة العليا لحلِّ النزاعات المُـلكية العقارية، على الحكومة القيام خلال فترة معقولة بإعادة المقيمين إلى منازلهم وممتلكاتهم، وإذا تعذر ذلك، على الحكومة تعويضهم تعويضا عادلا.

أما بخصوص تصحيح القومية، فعلى الحكومة إلغاء جميع القرارات ذات الصلة، والسماح للأشخاص المتضرّرين، بالحق في تقرير هويتهم الوطنية وانتمائهم العِـرقي بدون إكراه أو ضغط.

لقد تلاعب النظام السابق أيضاً بالحدود الإدارية وغيرها بُـغية تحقيق أهداف سياسية. فعلى الرئاسة والحكومة العراقية الانتقالية تقديم التوصيات إلى الجمعية الوطنية، وذلك لمعالجة تلك التغييرات غير العادلة.

وفي حالة عدم تمكن الرئاسة الموافقة بالإجماع على مجموعة من التوصيات، فعلى مجلس الرئاسة القيام بتعيين محكم محايد، وبالإجماع، لغرض دراسة الموضوع وتقديم التوصيات. وفي حالة عدم قدرة مجلس الرئاسة على الموافقة على محكم، فعلى مجلس الرئاسة أن يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعيين شخصية دولية مرمـوقة للقيام بالتحكيم المطلوب.

مستقبل التحالف

يراقب الأكراد موقف الجعفري، وأعلنوا أنهم سينسحبون إذا أقر الدستور أن العراق جزء من الأمة العربية، وقرنوا دخول القوات العراقية إلى كردستان بموافقة برلمان الإقليم، ولم يتأخروا حين فتحوا قناة اتصال مع الجناح البعثي في المقاومة، وتسرب هنا، أن الولايات المتحدة كلفت وزيرا كرديا (في حكومة صدام حسين) بنقل رسائل إلى أطراف بعثية في «المقاومة»، وجرت اتصالات كردية - بعثية من وراء ظهر الجعفري وحكومته، وأثار الأمر موجة من القلق عن طبيعة تحالفات المرحلة المقبلة، لإزاحة الشيعة عن الحكم، أو إضعافهم، وأن يمارسوا السلطة على «عكازة» الأكراد كما هو الحال.

ولا يستبعد المطلعون أن تشهد الخارطة السياسية في العراق اصطفافات جديدة تتمثل في تحالف «السنة» و«الأكراد»، وكتلة رئيس الوزراء السابق أياد علاوي، الذي قام مؤخرا بتحرّك إقليمي ودولي لافت، للحصول على الدعم المطلوب، والعودة مجدّدا للحكم في الانتخابات المقبلة.

ويعتمد مستقبل «الائتلاف» على قوة تحالفاته الداخلية أولا، وعلى أداء الحكومة الحالية بالنسبة لـ «كركوك»، رغم أن قانون إدارة الدولة المؤقت ينصّ على تأجيل جميع النزاعات الخاصة بمدينة كركوك لحين إجراء إحصاء سكاني، وإقرار دستور دائم للبلاد.

وكان الجعفري قد اعتبر أن مشكلة كركوك التي يسكنها عرب وأكراد وتركمان، معقدة وقد يستغرق حلها وقتا طويلا، وندّد حزب الطالباني بهذا الموقف وهدد بتقويض حكومته وباللجوء إلى مواقف تتسم بـ «رد فعل عنيف» قد يفضي إلى الانسحاب من الحكومة، ما يشير إلى أن التحالف الكردستاني - الشيعي، يواجه بالفعل معضلة كبيرة.

نجاح محمد علي - دبي

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة