أفضل الخيارات .. أشدها مرارة؟

تباينت آراء المثقفين العرب تجاه مبادرة "الشرق الأوسط الكبير" التي احتدم الجدل حولها في المنطقة العربية swissinfo.ch

ليست الأنظمة العربية وحدها التي وجدت نفسها في مأزق وتنازع حول الموقف من المشروع الأمريكي "الشرق الأوسط الكبير".

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 مارس 2004 - 13:37 يوليو,

إذ لم يتوصّـل المثقفون العرب بدورهم إلى صيغة مشتركة يعتمدونها في التعامل مع خطة قد تقلب المعطيات الجغرافية والسياسية في المنطقة رأسا على عقب.

إذا كانت الأنظمة مستهدفة بشكل مباشر بحكم أنها الطرف المدعو لمراجعة أساليبه في الحكم والتعامل مع المواطنين، فإن مضمون الإصلاحات الواردة في الخطة هي في الحقيقة مطالب هؤلاء المثقفين صاغوها في أكثر من ندوة ووثيقة، وكان آخرها وأهمها "تقرير التنمية البشرية".

في نقطة الالتقاء يفترق الفرقاء

لا يختلف المثقفون العرب مع محمد الرميحي (من الكويت) عند قوله بأن "الإصلاح أمر ضروري" وأنه "ليس بالإمكان الاستمرار كما في السابق، لا في الشأن السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي"، وأن "الخوف من الإصلاح هو مستشار سيئ، والتردد سيؤدي إلى أسوإ العواقب"، وأن "أجندة الإصلاح الجماعي أو الفردي لم تعد غامضة، بل هي مشاهدة تشترك فيها الدول العربية أو تنفرد"، وأن "الخوف من وضع هذه الخطط أو بعضها موضع التنفيذ هو الذي يُـعطل الإصلاح ويزيد من ضغط الخارج وقنوط الداخل".

كما أن الكثير من المثقفين العرب لا يشاطرون عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عندما برر رفض المشروع الأمريكي بقوله أن "شؤون التطوير والتغيير تتعلق بالمجتمعات العربية، وهي التي تقرر الخطوات التي تتخذها"، مع أنه يعلم بأن هذه الشعوب لم يستشرها لا الأمريكان ولا أنظمتها حول كيفية إدارة شؤونها.

كما أنه يعلم أكثر من غيره أن هذه الشعوب لا تملك الأدوات الديمقراطية لتتخذ أي قرار يتعلق بمستقبلها، وهو ما دفع برئيس تحرير صحيفة "القدس العربي" اللندنية إلى التعليق بتهكم قائلا إن "السيد موسي يتحدث هنا عن مجتمعات أخرى غير المجتمعات العربية، أو يتحدث كمستشرق لا يعرف حقائق الأمور في المنطقة".

والمشكلة التي يدور حولها الجدل بين المثقفين، تكمن في البحث عن الصيغة الأنجع للتعامل مع المشروع الأمريكي الهادف إلى إعادة صياغة المستقبل السياسي والاقتصادي والثقافي للمنطقة.

فهل يجب رفضه باعتباره صادرا من خارج العالم العربي، كما تلح على ذلك الجهات الرسمية العربية؟ أم الأفضل التفاعل معه، والاستعانة بالضغط الخارجي لتحقيق مكاسب في الداخل؟

فلسطين: الضحية والمشجب

هناك أيضا نقطة خلاف أخرى لا يمكن التقليل من أهميتها. إذ يبدي كثير من المثقفين انزعاجهم من استناد معظم الأنظمة العربية إلى ضرورة ربط الإصلاح بالتوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية.

ويعتقد هؤلاء المثقفين بأن ذلك كان دائما من بين التبريرات التي تقدم باستمرار لتأجيل الإصلاح السياسي، غير أن مثقفين آخرين، دون أن يقللوا من أهمية ملاحظة زملائهم، يعتقدون مثل الصحفي عبد الوهاب بدرخان (الحياة - لندن) أن الأمريكيين تعمّـدوا منذ اللحظة الأولى لطرح أفكارهم حول "الإصلاح" العربي "تجاهل القضية الفلسطينية وتخيلوا أن "الإصلاح" شيء داخلي بحت ولا علاقة له بهواجس الأمن"، ويضيف بأن ذلك "لا يعني سوى أنهم يراهنون على أنظمة قمعية مستصلحة، مهمتها أن تقول لشعوبها: انسوا الفلسطينيين، انسوا إسرائيل، تذكروا (ماما أمريكا)...

ولكن، هاهي الكرة تعود إليهم الآن. فأي إصلاح داخلي أو إقليمي لن يغيّـر شيئاً من واقع تُـمارس فيه إسرائيل جرائم حرب وإرهاب دولة، وتسعى إلى إلغاء شعب تحتل أرضه وحياته.

هذا الرأي لا يُـقر به الكثيرون الذين يتساءل بعضهم: "هل يعكس الرفض الرسمي رفضاً شعبياً، كما يدّعي بعض المسؤولين العرب؟ وهل صحيح أن الشعوب العربية تفضل أن تعمد أمريكا أولاً إلى تحرير الفلسطينيين من الاحتلال الإسرائيلي، والعراقيين من الاحتلال الأمريكي، وتحقيق الديمقراطية لهما قبل أن يتحرروا هم وتُـدمقرط أنظمتهم"؟

ويضيف (سلامة نعمات): "اللافت في الإحتلالين، الإسرائيلي والأمريكي على بشاعتهما، هو أنهما يتيحان للعراقيين والفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال، ما لا تتيحه كثير من الدول العربية لشعوبها (الحرة)"، بل إن فلسطينيا مثل (عبد الباري عطوان) لا يتردد في القول بأنه "نفهم أن تعارض الأنظمة الإصلاح لو أن جيوشها تحتشد على حدود فلسطين والعراق، ولكنها لم تطلق طلقة واحدة على إسرائيل منذ ثلاثين عاما، وتواطأت من أجل تسهيل الاحتلال الأمريكي للعراق، وتأخير الإصلاحات بحجة عدم حل قضية فلسطين، حجة واهية لم تعد تقنع أحدا".

استثمار الفرصة.. ولكن كيف؟

ويقول صلاح حافظ، مدير تحرير صحيفة "الأهرام" والأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب، إن "ما يهمنا في الأصل والأساس، هو استغلال اللحظة التاريخية لازدهار الديمقراطية في العالم العربي، واستثمار المطالب الداخلية، وضغط الحاجات الوطنية والقومية لدفع تيار الإصلاح الديمقراطي الحقيقي والشامل إلى مداه الأوسع والأعمق".

ويضيف السيد حافظ أنه "بقدر نفورنا من الضغوط الخارجية ذات المطامع والمطامح، بقدر مراهنتنا على نجاح الضغوط الداخلية ذات المطالب الوطنية الأصيلة والطويلة في قيام ما أصبح يعرف عالميا بالحكم الصالح الرشيد، وفق أسس سياسية وقانونية ودستورية تحقق دولة القانون والمؤسسات، لا دولة الأفراد ومراكز القوى وجماعات المصالح الضيقة والاحتكارية".

لكن المشكلة التي لا يُـجيب عنها صلاح حافظ وأغلب المراهنين على الضغط الداخلي، تتمثل في مدى قدرة القوى الوطنية على ممارسة هذا الضغط ودفعه إلى حدود التغيير المنشود. فهذه القوى سبق لها أن مارست أقصى ما توصلت إليه من ضغوط، لكنها ارتدت على أعقابها دون أن تحقق شيئا ذا قيمة.

ويعتقد الدكتور منصف المرزوقي أن آخر من يمكن أن تعتمد عليهم الإدارة الأمريكية لإنقاذ مشروعها هم "الديمقراطيون العرب"، لأنهم "يؤمنون بأن الديمقراطية أداة تحرّر من الاستبداد الداخلي والتبعية للخارج".

فالذين يتطوعون للقيام بذلك الدور لن يكونوا، حسب اعتقاده، إلا على "شاكلة المعارضة العراقية السابقة التي ترعرعت بفضل أموال أجهزة الاستخبارات، ودخلت بغداد على ظهر الدبابات".

ويضيف السيد المرزوقي أن السياسة الأمريكية هي اليوم خلافا لعصر هلسنكي "أكبر عنصر تأخير وإرباك وإضعاف لمشروع زرع الديمقراطية في الوطن العربي"، وأن "كل سياستها تؤدي على العكس إلى فتح طريق سيارة للقوّة الإسلامية المتشدّدة". وبالتالي، فإن مبادرة "هلسنكي الجديدة" جاءت متأخرة وضعيفة وعديمة المصداقية وذات مفعول عكسي. ويذهب إلى حد القول بأن الإدارة الأمريكية قد "أعطت لديمقراطيتنا الناشئة قبلة الموت"؟

المأزق .. يحتد!

من جهة أخرى، هناك العديد من المثقفين والسياسيين الذين يعترضون على أسلوب الرفض بالجملة، ويدعون إلى التريث والتأمل، ومحاولة تأسيس مواقف تعود بالنفع على العرب.

ومن هؤلاء على سبيل المثال، وزير الخارجية التونسي السابق الباجي قائد السبسي الذي دعا منذ أن كشف (كولن باول) عن مشروع الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية، إلى "التفاعل الإيجابي مع السياسة الأمريكية الجديدة"، مؤكدا على أن ذلك لا يعني من وجهة نظره التسليم بكل ما فيها، ولكن الانطلاق من داخل المنظومة من أجل تطويرها وإضافة ما تستوجبه الأوضاع العربية.

ولعل موقف حمادي الرديسي يعبر عما يعتقده الكثيرون دون أن يصرحوا به علانية لاعتبارات عديدة. فهذا الجامعي التونسي يرى بأن المتمسكين بالرفض بحجة حماية "السيادة" لا يضعون أرجلهم على الأرض، باعتبار أن مثل هذا المنطق تجاوزته المرحلة التاريخية، وأن "العرب جربوا فرض الديمقراطية من فوق، ففشلوا، وجربوا فرضها من تحت، ففشلوا أيضا، وهاهي ستفرض عليهم من الخارج".

وفي المحصلة يبدو أن هذا المأزق الذي تواجهه الأنظمة من جهة، والمثقفون العرب من جهة أخرى، مرشح لكي يزداد حدة درامية خلال المرحلة القادمة.

فلا الأنظمة قادرة على إقناع الإدارة الأمريكية بتغيير سياستها، ولعلها تحاول أن تربح قدرا من الوقت ظنا منها بأن مشروع "الشرق الأوسط الكبير" قد يختفي مع احتمال نجاح الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية القادمة، ولا المثقفون العرب قادرون، فيما يبدو، على استحضار تجارب زملائهم الألمان واليابانيين الذين تمكنّـوا من تحويل الهزيمة والتسلط الخارجي إلى عنصر قوة وتغيير.

صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة