Navigation

أمريكا والجمهوريون والخلط بين السياسة والدين..

الرئيس الأمريكي جورج بوش مع القس لويس ليون بعد قداس الصباح في كنيسة سان جورج في واشنطن يوم الأحد 24 سبتمبر 2006 Keystone

قبل أن يلحق الناخبون الأمريكيون الهزيمة بالحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حذر السناتور الجمهوري جون دانفورث، سفير واشنطن السابق في الأمم المتحدة ومبعوث الرئيس بوش السابق إلى السودان في كتاب جديد بعنوان: "الدّين والسياسة"، من أن الحزب الجمهوري تحوّل إلى حزب ديني لليمين المسيحي المحافظ.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 نوفمبر 2006 - 17:00 يوليو,

وقال دنفورث: إن الشعب الأمريكي يتعرّض للفرقة والانقسام بسبب تركيز الحزب على قضايا خلافية تتعلق بالقيّـم الدينية.

كما تنبأ دانفورث قبل الإنتخابات النصفية الأخيرة ليوم 7 نوفمبر بأن الحزب الذي استغل الدّين في السياسة، "لن يُـكتب له الدّوام في السّـيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب".

ومع أن السناتور دانفورث جمع في حياته بين أنه كان قسّـا بالكنيسة الأسقفية البروتستانتية، وبين عمله في السياسة كعضو في مجلس الشيوخ عن ولاية ميسوري لمدة 18 عاما، إلا أنه إنه تعرّض في كتابه للفرقة التي أحدثها المزج بين السياسة والدّين على يد الحزب الجمهوري، حيث اتسعت الهوة في أمريكا بين اليمين واليسار، وبين المحافظين والليبراليين، وبين المؤمنين والمُـلحدين، بعد أن تحول الحزب الجمهوري، كما يقول في كتابه، إلى ذراع سياسي للمتطّرفين من المسيحيين المحافظين اليمينيين، الذين سيطروا على توجّـهات الحزب، استنادا إلى اعتقادهم بأن برنامجهم يُـسانده الله.

ودعا السناتور المتقاعد إلى الابتعاد عن القضايا الخلافية، التي فرّقت الأمريكيين في جدل مُـحتدم حول الإجْـهاض والخلايا الجذعية وزواج المثليين، وعرض الرموز الدّينية في الأماكن العامة وحق المريض الميئوس من شفائه في إنهاء حياته.

كما نبه السناتور دانفورث في كتابه، إلى أن المشاكل التي تواجهها أمريكا والكراهية التي تتعرّض لها في أنحاء العالم، ودورها في حلّ مشكلات إقليمية وحل مشاكلها الداخلية الأخرى، أهم بكثير من بذور الفرقة التي بثها اليمين المسيحي المحافظ من داخل الحزب الجمهوري.

محمد ماضي، مراسل سويس إنفو في واشنطن التقى الكاتب وأجرى معه الحوار التالي حول كتابه وآرائه.

سويس إنفو: كيف تسلل الدّين إلى السياسة في الحزب الجمهوري؟

سناتور دانفورث: بدأ ذلك، عندما بدأ الحزبان، الجمهوري والديمقراطي، حملة للتنافس على استمالة المتديّـنين من النّـاخبين الأمريكيين، للحصول على المزيد من الأصوات، وسمح الحزب الجمهوري لهم بأن يفرضوا أجندتهم التي يعتقدون بأنها استجابة للإرادة الإلهية، وأصبح من ليس معهم عدوا لهم. وسرعان ما بدأ الجمهوريون يصفون الديمقراطيين بالجُـبن، فيما اتّـهم الديمقراطيون الجمهوريين بالكَـذب.

وتوارت في خلفية تلك الانقسامات أهم القضايا الكبرى، مثل دراسة كيفية التصدّي للإرهاب، الذي وصلت أياديه إلى الأرض الأمريكية في سبتمبر 2001، وتخلف التفكير في سُـبل موازنة الميزانية الفدرالية ومشاكل الاقتصاد والاعتماد الأمريكي على البترول المستورد، وقضايا توفير الضمان الاجتماعي، وكان السبب في كل ذلك هو الاستقطاب الذي نتج عن مزج السياسة بالدّين، واختفاء دور الوسط في البحث عن حلول لتلك المشاكل.

سويس إنفو: بالإضافة إلى غضب الأمريكيين من سياسة بوش في العراق، بماذا تفسّر هزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بعد أن كان مسيطرا على البيت الأبيض والكونغرس بمجلسيه؟

السناتور دانفورث: لا يريد الشعب الأمريكي أن يرى بلاده منقسمة على نفسها، تفرّق بين أبنائها خطوط دينية. فمعظم الأمريكيين يعتقدون بأنه لا يجوز لأي حزب سياسي أن يتحوّل إلى حزب ديني، ومعظم الأمريكيين يعتقدون بأن مشكلات الأمّـة يجب أن يشارك الجميع في التصدّي لها، بغضّ النظر عن الدّين، سواء كان المواطن مسيحيا أم مسلما، يهوديا أم بوذيا.

ولكن الحزب الجمهوري وجد أنه من المُـفيد له، لاستعادة السيطرة على الكونغرس بعد النجاح في انتخابات الرئاسة، أن يوسع قواعده بإدماج متديّـنين يمينيين متعصّـبين، تحرّكهم العواطف الدينية ويعتقدون أنهم ملمون بإرادة الله، وأن برنامجهم السياسي هو برنامج إلَهي، ومن لا يرضى به يُـصبح عدوا للدين. ولذلك، أصبح من المحتّـم ألا ترضى غالبية الأمريكيين عن ظاهرة شهدها الأمريكيون لأول مرة في تاريخهم، وهي تحوّل حزب سياسي إلى حزب ديني يُـسيطر على توجّـهاته المسيحيون اليمينيون المحافظون.

سويس إنفو: وما الذي شجّـع الجمهوريين على خلط السياسة بالدين؟

السناتور دانفورث: أعتقد أنهم ظنّـوا أن ذلك المزج يخدم مصالحهم ويوفر لهم ميزات سياسية، حيث أن ضم أصوات المتديّـنين المسيحيين المحافظين، يضيف إلى رصيد الحزب من الجمهوريين التقليديين أعدادا ضخمة من ناخبين متوهجي المشاعر، تُـحركهم عواطف دينية قوية يمكن استغلالها بإثارة قضايا تتعلّـق بقيم دينية بالغة الحساسية لديهم، مثل الإجهاض وزواج المثليين وجواز أو عدم جواز استخدام الخلايا الجذعية في تخليق أعضاء بشرية أو معالجة أمراض صعبة العلاج.

وقد أدرك الجمهوريون أن مزج السياسة بالدّين نجح في إحكام سيطرتهم على البيت الأبيض والكونغرس بمجلسيه، لكنهم نسوا أن معظم أبناء الشعب الأمريكي لا يريدون مزج السياسة مع الدّين، وهو ما انعكس من البداية في نصّ الدستور الأمريكي على الفصل بين الدّين والدولة لإدراك الآباء المؤسسين للولايات المتحدة كيف أن ذلك المزج يشيّـع الانقسام والفرقة.

سويس إنفو: هل استغلّ الجمهوريون هجمات سبتمبر للإيهام بأن هناك صراعا دينيا بين الولايات المتحدة والإسلام؟

السناتور دانفورث: لقد واكب حشدهم لتأييد اليمين المسيحي المحافظ الشعور بالصّدمة المُـفجعة، التي لم يسبق للشعب الأمريكي أن تعرّض لها في تاريخه، بأن يستخدم إرهابيون طائرات مختطفة في إحداث هذا القدر من الدمار الشامل.

وفجأة تغيّـر مفهوم العداء الذي كان يجد تعريفا له في أيام الحرب الباردة في شكل دول بعينها تنتمي للمعسكر الشيوعي ولها حدود وجيوش وأهداف عسكرية واستراتيجية يمكن الرد عليها إذا تطاولت وهددت الأمن القومي الأمريكي، إلى عدو غير محدّد ليست له أرض معينة ولا هوية بعينها ولا جيوش يمكن النيل منها، فيما أمطرت شاشات التليفزيون المشاهد الأمريكي بمشاهد شباب من المسلمين ينفّـذون عمليات انتحارية ويتركون وراءهم رسائل تقول إنهم استشهدوا في سبيل الله، وسرعان ما ترسّـخ الاقتناع بأن هناك كراهية من المسلمين للولايات المتحدة وأصبح يتعيّـن على الأمريكيين التعامل مع هذه الظاهرة على أنها صراع ديني، في وقت انقسم فيه الأمريكيون على أنفسهم حول قضايا تتعلق بالقيم الدينية، وهكذا أصبح الدّين مرجعا لتفسير ما تواجهه الولايات المتحدة، سواء في الداخل أو في الخارج.

سويس إنفو: وما هي رؤيتك أنت للكيفية التي ينبغي أن تتعامل بها الولايات المتحدة مع المشاكل في أنحاء العالم بعد أن أصبحت القوة العظمى الوحيدة؟

السناتور دانفورث: نحن في عالم تنتشر في أرجائه العداوة وتُـرتكب في ربوعه المختلفة أعمال عنف، وتتصاعد فيه مشاعر الكراهية، ليس للسياسة الأمريكية فحسب، بل للقيم الأمريكية، ولكن لن يمكن للولايات المتحدة التعامل مع مشاكل العالم الكثيرة، إذا واصلت رفضها إشراك الأطراف التي لا تربطها بها علاقات ودّ وصداقة.

ومن خلال مهمتي كمبعوث للرئيس بوش لإقرار السلام في السودان، تعلمنا أنه لم يكن من الممكن التوصّـل إلى اتفاق السلام بين الشمال والجنوب في السودان، لو أننا استخدمنا ذلك المنطق. فحكومة السودان لم تكن صديقة للولايات المتحدة ولا زالت تتّـخذ مواقف متشدّدة، ولكن كان بوسع الولايات المتحدة التعامل معها بحيث أدّى الحوار إلى إنجاز اتفاق أقر السلام في السودان ولو إلى حين.

ولعل الدرس الآخر، الذي تعلَّـمَـته الولايات المتحدة خلال السنوات الثلاث الماضية في العراق، مفاده أنه ليس بوسعها التعامل بمفردها مع أي مشكلة إقليمية أو دولية، ومن خلال عملي كسفير للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، أدركت، رغم كل ما يوجّـه للمنظمة العالمية من انتقادات، أنها إطار دولي مفيد وبالغ الأهمية. ولذلك، أعتقد أنه يتعيّـن أن تواجه الولايات المتحدة مشاكل العالم بروح تتقبل إشراك الأطراف غير الصديقة وأن تعمل بالتعاون مع المجتمع الدولي، وفي المقابل، يجب أن تقف شعوب العالم المتحضّـرة معا في مواجهة الإرهاب والدول المارقة التي تخرج على الإجماع الدولي ولا تحترم القانون الدولي.

محمد ماضي - واشنطن

جون دانفورث

حذر السناتور الجمهوري جون دانفورث،

تقلد منصب سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة

يشغل حاليا مهمة مبعوث الرئيس بوش إلى السودان

أصدر مؤخرا كتابا جديدا بعنوان: "الدّين والسياسة" اعتبر فيه أن الحزب الجمهوري تحوّل إلى حزب ديني لليمين المسيحي المحافظ.

وقال إن الشعب الأمريكي يتعرّض للفرقة والانقسام بسبب تركيز الحزب على قضايا خلافية تتعلق بالقيّـم الدينية، كما تنبأ بأن الحزب الذي استغل الدّين في السياسة، لن يُـكتب له الدّوام في السّـيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب.


مع أن السناتور دانفورث جمع في حياته بين أنه قسّـا بالكنيسة الأسقفية البروتستانتية، وبين عمله في السياسة كعضو في مجلس الشيوخ عن ولاية ميسوري لمدة 18 عاما،

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.