Navigation

أمن الشرق الأوسط "الكبير"

يتوقع أن تواجه خطة "الشرق الأوسط الكبير" أوضاعا غير محسوبة مثلما حصل بعد الإطاحة بنظام صدام حسين في العراق Keystone

هناك إجماع على أن الشرق الأوسط كان أكثر مناطق العالم استهلاكا لمشروعات ترتيب الأوضاع الإقليمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 فبراير 2004 - 08:20 يوليو,

هذا الوضع خلق انطباعا مستقرا بأن المنطقة تستعصى على الترتيب، وتشككا مستمرا فى إمكانية تطبيق أية مشروعات جديدة، خاصة عندما تأتى من "الخارج".

يعيد المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير الذي كثر الحديث عنه في الآونة الأخيرة إلى الأذهان بعض الحقائق التاريخية الثابتة وجملة محطات مفصلية مشابهة مرت بها المنطقة منذ عشرات السنين.

فقد كان الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم استهلاكا لمشروعات ترتيب الأوضاع الإقليمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على نحو خلق انطباعا مستقرا بأنه يستعصى على الترتيب، وتشككا مستمرا فى إمكانية تطبيق أية مشروعات جديدة، خاصة عندما تأتى من "الخارج".

وعلى الرغم من أن المشروع الأمريكي الحالي (قد يتحول إلى أوروبي - أطلسي - دولي في المستقبل)، لا يزال فى بداياته، حيث لم يصدر نص نهائى بعدُ حول "الشرق الأوسط الكبير"، إلا أنه يمكن رؤية بعض ملامحه النهائية. فمن المثير أن المنطقة تغيرت بدرجة تسمح بتصور إمكانية تطبيق بعض جوانبه، لكن ذلك قد لا يحقق "الاستقرار الأمنى" الذى يهدف المشروع ذاته إلى تحقيقه.

سيناريو هلسنكى

إن الهدف الرئيسى الذى حدده المشروع لنفسه هو "الأمن". فوفقا للمسودة الأولية التى نُشرت بشأنه، ساهمت الأوضاع السياسية والاقتصادية و"الاجتماعية – الثقافية" المروعة (النواقص الثلاثة) التى يعانى منها "الشرق الأوسط الكبير"، فى خلق ظروف تمثل تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة، وللمصالح القومية للولايات المتحدة وبقية أعضاء مجموعة الثماني.

"وطالما تزايد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة، سنشهد زيادة في التطرف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة"، وهى تهديدات غير نظامية بالمرة.

ويعتمد أساس المشروع، كما هو واضح على التقديرات التى استقرت بشكل مجمع عليه تقريبا داخل النخبة الأمريكية فى مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001، على أن الأوضاع الداخلية لدول المنطقة وفشل النظم السياسية فى التعامل معها أو محاولاتها لتصديرها، قد أدت إلى خلق انفجارات تحركت نحو أفغانستان، ثم إلى الولايات المتحدة، وبقية الدول الأوروبية، وأن هذه الأوضاع يجب أن تتغير، ليس من خلال إجراءات أمنية داخلية فقط، وهو ما يحدث فعليا، أو من خلال ترتيبات أمن إقليمية، وإنما عبر عملية إصلاح شاملة داخل الدول.

وقد أشار عدد من المحللين إلى أن المشروع الأمريكى للشرق الأوسط، ليس بدون سوابق. لكن السابقة الوحيدة التي يستحضرها الخطاب الأمريكي هنا تقتصر على "سيناريو هلسنكى". إذ أدت معاهدة هلسنكي التى وقعت عام 1975 إلى تحسين أوضاع حقوق الإنسان في دول شرق أوروبا. كما ساهمت في إيجاد آلية لإدارة علاقات التنافس بين المعسكرين الكبيرين حينها. لكن عددا أكبر من المحللين يشيرون إلى أن الشرق الأوسط ليس أوروبا الشرقية، وأن التاريخ لا يعيد نفسه، خاصة فى تلك المنطقة التى كانت "التطورات غير المتوقعة" من أهم خصائصها.

رد الفعل العربى

داخل الشرق الأوسط، يتبلور بشكل مباشر ذلك الميل المعتاد من جانب التيارات السياسية والبيروقراطيات المؤسسية لرفض مثل هذه المشروعات، بشكل معلن أو غير معلن، على الرغم من وجود اقتناع داخل معظم الدول بأن الإصلاح أصبح شرطا ضروريا للبقاء فى عالم اليوم، وبأن كثيرا مما يطرح فى المشروع لا يختلف جوهريا عما تتم المطالبة به فى الداخل.

يستند هذا الرفض على عدة أسس يتم طرحها هذه الأيام بجدية أكبر مما سبق. أولها أن المشروع يأتى من الخارج، ولا يرتبط الجدل هنا بمقولات رفض التدخل فى الشؤون الداخلية التى أرغمت الظروف القائمة معظم التيارات على التخلى عنها، وإنما على إشكاليات "الخصوصية" و"التشاور" و"العراق".

والمثير أن دولة كبريطانيا – وكذلك ألمانيا- توافق نسبيا على مسالة الخصوصية. فقد قالت المتحدثة باسم الخارجية البريطانية "سيتعين أن يأتي أى تغيير في الغالب من المنطقة نفسها. إننا لا نريد أن نطرح مبادرة بريطانية ولا نريد أن نفرض أشياء". لكن ربما تريد بريطانيا أن تؤكد فقط أنه يجب العمل مع دول المنطقة. فإحدى مشكلات المشروع هى أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة فى التشاور مع دول المنطقة، التى لم يتم التفاهم معها رسميا حول المشروع قبل إطلاقه.

أما مسألة العراق، التى أدى فيها مشروع خارجى إلى كارثة أمنية ومأزق سياسى ومشكلة اقتصادية، وينظر إليها فى المنطقة كنموذج لتغيير عنيف تم التحذير منه قبل الحرب، فإن ديفيد مولينيكس، المنسق الإقليمى للمبادرة الأمريكية فى الشرق الأوسط من أجل الديمقراطية (مبادرة باول)، يؤكد أن الظروف مختلفة "ولا يجب ربط الوضع فى تونس مثلا بالوضع فى العراق".

كما لا تتفهم الدول العربية كثيرا تعبير "الشرق الأوسط الكبير"، فهناك أصلا توجس من مفهوم الشرق الأوسط، ويأتى المفهوم الجديد ليضيف أطرافا جديدة خارج الذهن العربى، إلى الدرجة التى عبر عنها السيد رفيق الحريرى رئيس الوزراء اللبناني بقوله "إننا لسنا جزءا من المشروع". فهناك دول غير متماثلة بدرجة يصعب تصور تطبيق "روشته واحدة" عليها.

وقد تصاعدت أهمية انتقاد تقليدى يرتبط بتجاهل المشروع للقضايا الإقليمية الرئيسية كتسوية الصراع العربى – الإسرائيلى، وهو ما أكده "مولينيكس" الذى قرر أن الولايات المتحدة لا تربط برامج الشراكة الديمقراطية بالمسائل الأمنية أو بحل الصراع مع إسرائيل.

لكن الملفت هنا أن الانتقادات العربية لتلك النقطة لا تستند كثيرا على عبارات أخلاقية أو صاخبة، وإنما على منطق مباشر يؤكد أنه لا يمكن تصور أن يتدعم وضع "الإصلاحيين" داخل الدول فى ظل ممارسات تضعهم فى مأزق فى مواجهة "المتشددين"، ولن تكون هناك تنمية فى إقليم يصنف على أنه بؤرة مخاطر للاستثمارات.

"علاقات ثنائية" أم "مشروع إقليمي"؟

لكن رغم كل ذلك، يبدو أن المسألة ستسير إلى حد ما فى اتجاه "تطبيق بمستوى ما" للمشروع، حتى دون انتظار إقراره من جانب دول مجموعة الـثماني. فمن الصحيح أن تبنى أو تطبيق معظم المبادرات أو المشروعات أو الأنظمة العالمية للترتيبات الإقليمية – وعلى رأسها الأمنية - فى الشرق الأوسط قد واجه مشكلة حقيقية فى كافة المراحل السابقة، سواء فى ظل نظام القطبية الثنائية أو بعد نهاية الحرب الباردة، إلا أن الوضع قد اختلف حاليا بدرجة كبيرة، على الأقل بشأن عدة أمور أهمها:

أولا:أن الولايات المتحدة قد أصبحت "طرفا إقليميا" تقريبا، وليس عاملا دوليا مؤثرا على التفاعلات الإقليمية. فوجودها أصبح يمثل جزءا من تعريف منطقة الشرق الأوسط بدرجة وصلت إلى اعتبارها عمليا من جانب أطراف مثل سوريا أو إيران "دولة جوار" لها بحكم وجودها السياسى والعسكرى المباشر فى العراق.

ثانيا:أن عملية ترتيب الأوضاع الأمنية فى الإقليم تتم بالفعل فى الوقت الحالى من خلال إجراءات خاصة، كما يحدث بشأن مشكلة الإرهاب والمسائل المتعلقة ببرامج أسلحة التدمير الشامل، حيث لن يكون هناك بعد فترة ما يمكن أن يطرح بجدية كجدول أعمال أمنى يمكن العمل على أساسه بين دول المنطقة.

ثالثا:أن ميراث النظام العربى تحديداً، الذى يستند على نظريات كالأمن القومى، وعمليات كالسوق المشتركة، وسياسات كالتنسيق العربى، ومؤسسات كالجامعة العربية، قد واجه "صدمة" عام 2003 لم تؤد فقط إلى تصدعه، وإنما إلى ما يشبه "حالة انهيار"، وهو ما دفع إلى تقبل الدول العربية "فكرياً" لمسألة اللجوء إلى الإطار الإقليمى.

رابعا:أن‏ "المدخل المنفرد"‏ يسيطر علي سلوكيات أطراف الإقليم. فهناك ميل عام لان تقوم كل دوله بالتعامل من جانب واحد مع القضايا ذات العلاقة بها بصرف النظر عما يحيط بها. وينطبق ذلك على كل الدول، بصوره يصعب‏ "فرملتها"‏ خاصة وأن هذا السلوك لا يرتبط في معظم الحالات بالإضرار بأحد أو المساس به، وإنما بعدم الاهتمام بما يحدث في الجوار أو عدم أخذه في الحسبان‏.‏

الأهم، أنه تبعا لمصادر مختلفة، لا يستند المشروع فقط على تلك الخطوط العامة التى تتم الإشارة إليها فى النصوص المعلنة، إذ يبدو أن هناك مطالب محددة تمثل مضمون كل محور بالنسبة لكل دولة، ترتبط بخطوات إجرائية يفترض أن يتم القيام بها، ويتفاوت مداها من حالة لأخرى. لكن كلها أبلغت بصورة ما للأطراف المعنية، مع تأكيد من نوع ما بأن شيئا يجب أن ينفذ. وتم ربط تلك المطالب بعوائد إيجابية أو إجراءات سلبية. وقد بدأت الدول العربية عملية التطبيق بأشكال ودرجات مختلفة، فهى تتعامل واقعيا مع علاقات ثنائية وليس مع مشروع إقليمى.

مفاجآت محتملة

لكن ليس معنى ذلك أن المشروع سيطبق كما هو عليه، أو حتى فى معظم جوانبه. فسوف تحاول معظم الدول العربية –دون رفض صريح– أن تطبق ما يجنبها فقط المشاكل مع الولايات المتحدة، إذ أن المسألة تتعلق بالنسبة لهافى نهاية المطاف "بالسلطة"، فى ظل إدراك من جانب بعض الحكومات أنها جزء من المشكلة وليس جزء من الحل. وعندما تصل الأمور عادة إلى النظم السياسية، فإن نموذج صدام حسين الذى فضل الصدام على التخلى عن السلطة قد يتكرر بدرجات مختلفة.

وصحيح أن الولايات المتحدة لن تقوم مرة أخرى بشن حرب لإسقاط نظام، ولن تضغط فيما يبدو بشكل حاد على النظم القائمة، كما يحدث مع ليبيا، والمشروع ذاته يتحدث عن عوائد أكثر مما يتوعد بجزاءات. لكن المشكلة هى أن بعض الأوضاع التى يستهدف إصلاحها داخل الدول تتسم بمستوى من التعقيد أكبر مما يبدو أن اليمين المحافظ الحاكم فى واشنطن يتفهمه، أو أنها وصلت إلى مرحلة من "التكلس" الذى يصعب التعامل معه، دون أن يؤدى ذلك إلى حالة عدم استقرار حادة، قد تطيح بالدولة، كما يجرى فى العراق.

تضاف لذلك كل مشكلات الشرعية التى يمكن أن تواجهها نظم المنطقة التى قد تسير –أو تستمر بالسير- فى هذا الاتجاه بلا تحفظات. فلا يمكن تجاهل اهتمام الرأى العام بقضية فلسطين التى لا مكان لها فى المشروع المطروح، أو حالة العداء للولايات المتحدة داخل قطاعات واسعة من الرأى العام، أو قوة الجماعات التقليدية أو الأصولية داخل بعض الدول.

لذا فإن المشروع قد يواجه أوضاعا غير محسوبة ولا يمكن توقعها مسبقا، كما حدث فى مرحلة "ما بعد نظام صدام حسين"، وبالتالى يفرز أوضاعا أقل أمنا مما هو قائم، إذا لم يتم إجراء حوار جاد ومعمق من جانب كل الأطراف المعنية حول مضامينه وآلياته وأهدافه.

د. محمد عبد السلام – القاهرة.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.